جميل الذيابي
يبدو أن الأديب السعودي عبدالله القصيمي عندما قال إن laquo;العرب ظاهرة صوتيةraquo;، كان يدرك قدرات أبناء جلدته جيداً، ويعرف أنهم سيظلون غير قادرين على الخروج من ثالوث laquo;الشجب، والإدانة، والاستنكارraquo;، تجاه قضايا منطقتهم الدامية التي تفوح منها روائح الدم والبارود والتفجيرات والاختلافات وتبادل الاتهامات.
حتى وإن خرج من بين الطوابير العربية زعيم laquo;معتدلraquo; يتحدث بروح laquo;المسؤوليةraquo; ورأي سديد فسيكون محل الاتهامات، وستطارده أكاذيب laquo;الديماغوجيةraquo;، لرفض فكرة الاستقرار ومبدأ بناء الإنسان أولاً.
لا تزال البلاد العربية تعاني من عدم القدرة على صياغة آليات عمل تحوّل الشجبَ والاستنكارَ والإدانةَ إلى رؤى ووسائل تُجنّب المنطقة نقطة النزاعات والصراعات التي تبني لها - عاماً بعد عام - قواعد وأساسات تتمدّد جذورها من بلد إلى بلد.
لقد اختار العربي أن يكون محرقة ووقوداً تشعل الانفجارات وتنشر الموت حول العالم، بل تحوّل الإنسان العربي إلى طاقة رخيصة ومتوافرة في متناول تجار الحروب والأزمات وأعداء السلام والإنسان.
دموع الطفل العراقي لا تكف، ونحيب الأرامل لا ينقطع، والقتلى بالآلاف، وبلاد الرافدين تعمها الفوضى والسيارات المفخخة بفضل فلول المنتحرين المتسللين والجهاديين والأصوليين القادمين من حدود البلاد العربية، ودول أخرى، تبحث عن تنفيذ أجندتها فوق جثث العراقيين بعد أن وجدت ثغرات تسهّل تحقيق تلك الأجندة والأهداف laquo;الإجراميةraquo; لإبقاء معاركها مع أميركا.
تذمّر الرئيس العراقي جلال طالباني أخيراً من غزو الإرهابيين العرب للعراق. أعتقد أن تذمره جاء متأخراً، فالعرب لم يساعدوا العراقيين على تحقيق الأمن والاستقرار في بلادهم laquo;المثخنة بالجراحraquo;، إذ ظلوا يشجبون ويدينون ويستنكرون، ويظهرون التعاطف مع الشعب العراقي في محنته، فيما أفواج المفجرين والمنتحرين تتوافد إلى بلادهم زرافات ووحداناً عبر الحدود العربية والإسلامية.
ليس جديداً ما شكا منه طالباني في كلمته التي نشر نصها مكتبه نهاية الأسبوع الماضي، منتقداً المحيط العربي، لكبح جماح الإرهابيين القادمين إلى العراق من شتى أنحاء العالم العربي، من المغرب وليبيا ومصر واليمن والسعودية والأردن وسورية، مستفيدين من مساعدات مالية سخية تقدمها هيئات تدّعي الإسلام.
وكما كشفت الدراسة التفصيلية السرية التي أعدها المستشار الإعلامي لوزارة الدفاع العراقية اللواء محمد العسكري، أن نشاط التنظيمات الإرهابية كـ اraquo;لقاعدةraquo; والبعثيين وعناصر متطرفة أخرى قد تتوحد أكثر للعمل ضد الاستراتيجية والممارسات المناهضة لسياسة المصالحة الوطنية التي تنفذها المليشيات المسلحة التي تحاول أن تفرض نفسها كسلطة ثانية في البلاد وفعاليتها في إشاعة العنف والقتل والاختطاف، ثم وجود عناصر داخل الأجهزة الأمنية لها ولاءات لبعض المليشيات والتنظيمات الإرهابية، والتي قد تشارك في عرقلة تنفيذ الخطة الأمنية، وكذلك استمرار سورية بتسهيل دخول المتطوعين العرب من طريق حدودها وتأمين الحماية وإيواء العناصر البعثية والعناصر الإرهابية في أراضيها لإفشال الاستراتيجية الأميركية في العراق.
هذه الدراسات السرية والتصريحات الرسمية للحكومة العراقية تؤكد أن بعض بلدان العالم العربي شريك أساسي في فشل الحكومة العراقية في إدارة شؤونها وحفظ الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات اللازمة لمواطنيها، إذ لا تزال بغداد وبقية المدن العراقية تتفجر منازلها وشوارعها ومكتباتها وجامعاتها يومياً في أجساد مواطنيها، ليعيش العراقي الأزمة من كل الاتجاهات ولا يجد سوى الموت على قارعة الطريق.
كيف تسرق مجموعات من المليشيات والمنظمات الإرهابية بلداً كالعراق أمام أنظار 21 دولة عربية، لتصبح هي الحاكم الفعلي لبلاد الرافدين؟ أصبحت تلك الميلشيات والتنظيمات هي من تُصْدِر أوامر القتل والتفجير والثبور والتنكيل، تساعدها على ذلك أجندة لم تعد laquo;خفيةraquo; لدول عربية وإسلامية بمباركة أميركية.
يتحمل العرب الجزء الأكبر من laquo;سرقةraquo; أمن العراق واستقراره، وسنظل نعاني من عدم وجود رؤى ووسائل لإدارة أزماتنا وحل قضايانا laquo;المتعسرةraquo; بفضل عقلياتنا laquo;العدوانيةraquo; والاستيطانية. كل ما أخشاه أن تسرق بلدان عربية أخرى لتحكمها عقليات laquo;متطرفةraquo; لا تعرف سوى الموت أما انتحاراً أو تفجيراً...















التعليقات