ليلى أمين السيف

في نزهة قصيرة. نزلت من الحافلة، وإذا بي أرى ثلاثة أطفال: الأصغر، في الخامسة على ما أعتقد، يقود دراجته وكأنه بطل خارق يتدرَّب على إنقاذ العالم بعجلتين، لا يتعرَّق، ولا يلهث، وكأن الهواء نفسه يفسح له الطريق احترامًا.

الأوسط يتزلج على لوح التزلج بمهارة وكأنه محترف صغير؛ والأكبر، في الثامنة تقريبًا، يهرول للحاق بهما. ولا أحد يصرخ: «وين رايح؟ ارجع!»

جميعهم يرتدون خوذاتهم، وبكل هدوء يعبرون الطريق الذي كان بدون إشارات ضوئية، والسائقون يهدّئون سرعتهم تلقائيًا، احترامًا لهم. وصلوا إلى السوق، ركن الصغير دراجته وعلّق خوذته عليها، ترك الآخر خوذته فوق لوحه، بينما حمل الثالث خوذته بيده... كل شيء مرتب ومنظم بلا وجود أي ولي أمر خلفهم يصرخ أو يركض، وكأنهم يعرفون خطة الحياة مسبقًا.

خلينا نلقي نظرة على مجتمعاتنا العربية اليوم، سنجد أن الصورة قد انقلبت تمامًا؛ نحفظ كثيرًا لكننا نفقه قليلاً، نردد دون أن نفهم، ونتلقى دون أن نتأصل.

كتب عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- إلى ساكني الأمصار: «أمّا بعد، فعلّموا أولادكم العَوم والفروسية، وروّوهم ما سار مِن المَثَل وحَسُنَ مِن الشعر».

بينما كان العرب في الماضي، وخصوصًا قريش، يرسلون أبناءهم إلى البادية، لا للترفيه، بل لبناء الإنسان. أرادوا لهم بيئة نقية تقوِّي الأجساد، ولسانًا فصيحًا يتشرَّب من أهل البادية، أصحاب العربية الصافية، كما أرادوا أن يتربى الطفل على الخشونة والاعتماد على النفس، بعيدًا عن رفاهية الحاضرة.

ولم يكن هذا مجرد تقليد، بل كان نهجًا أصيلاً، بدليل أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه نشأ في بادية بني سعد، حيث اكتسب فصاحته، وقوة شخصيته، وصلابة طباعه.

لكن أبناءنا في الوقت الحاضر كل شيء يأتيه على ملعقة ذهب. فلو حاول طفل في الخامسة أن يعبر الطريق وحده، ستجد المشهد كالآتي: يقف مرتبكًا على الرصيف، يمد رجله قليلاً ثم يرجعها بسرعة، يتلفَّت يمنة ويسرة كأنه عميل سري في مهمة استخباراتية، وإذا قرَّر أن يخطو خطوته الأولى، سمع من بعيد صرخة مدوِّية: «ارجع يا ولد! الطريق فيه سيارات!»، ثم يلحق به الأب أو الأم ممسكًا بيده بقوة، كأن الولد كان ينوي الهجرة غير الشرعية لا مجرد عبور الطريق.

في السويد، يبدأ استقلال الطفل من عمر مبكر جدًا. يخرج وحده إلى المدرسة، يستقل الدراجة أو الحافلة دون خوف، يذهب للعب في الحدائق والغابات حتى في الطقس البارد، ويُترك أحيانًا بمفرده في البيت دون أن يُعتبر ذلك إهمالاً. الدولة هناك وفَّرت له كل ما يحتاج: أمان في الطرق، نقل عام منظم ورخيص، مساحات خضراء آمنة، وثقافة مجتمعية تُشجع الطفل على الاعتماد على نفسه.

أما في المدن العربية، فالمشهد مختلف تمامًا.. الطفل مدلَّل، نعم، لكن ليس من باب الرفاهية، بل لأن الواقع فرض عليه التقييد والحذر. الشوارع غير آمنة، المواصلات العامة محدودة وغير مناسبة للأطفال، والبيئة من حوله تفتقر لأبسط مقومات الاستقلال.. لذا تجد الأب، رغم انشغاله، يضطر لتوصيل أطفاله بنفسه حتى الكبار منهم لأنه ببساطة لا خيار آخر.

وفوق هذا، انشغلت كثير من الأمهات والآباء عن أدوارهم التربوية، نتيجة لضغوط الحياة والظروف المجتمعية والعملية التي استنزفت طاقتهم، فغابت المتابعة اليومية، وتراجعت المساحة المخصصة لغرس القيم وتوجيه السلوك.

وفي الوقت نفسه، انشغلت مجتمعاتنا بالدراسة والتفوق الأكاديمي كهدف أوحد، حتى تحولت المدارس إلى مصانع تلقين، تُخرِّج شبابًا لا يملكون أدوات التعامل مع الحياة الواقعية، ولا يعرفون كيف يُواجهون العالم الخارجي باستقلالية ووعي.

الطفل السويدي ينطلق بثقة لأن النظام حوله يُمكِّنه ويدعمه، أما الطفل العربي، فإمكاناته مكبَّلة وحريته «مقيَّدة»، وأي قرار بحاجة لتوقيع من لجنة أولياء الأمور العليا. ولهذا يكبر أطفالهم وهم يشعون ثقة، بينما أطفالنا يجيدون فن «التردد» وانتظار التعليمات، كأنهم عساكر صغار في ثكنة، ليس لنقصٍ فيهم، بل لغياب بيئة تمكِّنهم وتدعمهم في بناء شخصية متكاملة تجمع بين العلم والحياة. الفرق الحقيقي ليس في الطفل، بل في النظام الذي ربَّاه والذي ربى والديه أيضاً.

رغم صعوبة الظروف المحيطة بنا، يبقى من واجبنا أن نولي أبناءنا اهتمامًا حقيقيًا، لا يُختزل في التوجيه العشوائي أو الانفعال اللحظي، علينا أن نمنحهم الفرصة لاكتشاف ذواتهم، ونساعدهم على إبراز أجمل ما في داخلهم، دون أن نفرض عليهم أفكارنا بشكل تلقيني أو نعاملهم تبعًا لمزاجنا. وفي هذا السياق، لا يمكننا تجاهل تقصير كثير من الأهل في متابعة أبنائهم نفسيًا وعلميًا، وهذا تقصير يقع ضمن المسؤولية الأخلاقية التي يجب أن يتحمَّلها كل ولي أمر، لأن الإرشاد المستمر والدعم النفسي والعلمي هو حجر الأساس لبناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة.

ربما حان الوقت لنراجع أسلوبنا، ونتعلَّم كيف نُخفِّف من حدَّة أصواتنا وضغطنا الزائد، ونمنح أبناءنا مساحة لتجربة الحياة بثقة. فاستقلالية الطفل لا تعني الانفصال عن القيم، بل هي توازن واعٍ بين الحرية والتوجيه. وكما يُقال:

هي الأخلاقُ تنبتُ كالنبات

إذا سُقيت بماء المكرماتِ

تقوم إذا تعهدها المُربي

على ساق الفضيلة مُثمِرات

وتسمو للمكارم باتساقٍ

كما اتسقت أنابيبُ القناة

وتنعش من صميم المجد

رُوحاً بأزهارٍ لها متضوعات

** **

- كاتبة يمنية مقيمة بالسويد