المجلة: الرياض - الكويت - دبي
في كثير من دول العالم وبخاصة التي تتجه نحو التطور والصعود تطرح تساؤلات كثيرة حول دور ومهمة الطبقة الوسطى. والمقصود بها: مجاميع التكنوقراط والفنيين والخبراء والكوادر والعقول المحركة والقوى الحية في المجتمع،وقاعدة استقراره وعمود تنميته وازدهاره، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل انسحبت الطبقة الوسطى أم تلاشت؟ وهل حضورها الفاعل اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا، لا يفسر حراكها وقدرتها؟ وماهي الدلائل والمؤشرات على انكماشها وتراجع مكانتها ودورها في وقت تتيح دول الخليج لمواطنيها مجالات واسعة للتعليم والانخراط في الشؤون العامة وفي تعزيز المبادرات الفردية ومداخيل ووفر اقتصادي مناسب؟
laquo;المجلةraquo; اختارت غلافها لهذا العدد التطرق لهذه القضية وأهميتها واحتمالية تلاشي هذه الطبقة النوعية، والآثار السالبة التي تنجم عنها
quot;فالطبقة الوسطى، كما يراها laquo;تركي الحمدraquo; هي صمام الأمان لأي مجتمع وكل مجتمع، وهي التي يعتمد عليها تماسك الهرم الاجتماعي، من حيث أنها محور هذا المجتمع، الذي من خلاله تكون هناك حلقة تربط بين قمة الهرم وقاعدته. فكلما اتسعت هذه الطبقة، وكانت أوضاعها مستقرة وغير مهددة بغموض مستقبل لا يُدرى ما يحمله من مفاجآت غير متوقعة، عنى ذلك استقراراً اجتماعياً وسياسياً وديمومة مثل هذا الاستقرار، والعكس صحيح. فالمجتمعات التي لها تاريخ طويل من الاستقرار السياسي والاجتماعي، هي تلك التي تكون طبقتها الوسطى، أو لنقل طبقاتها الوسطى، هي الأكثر عدداً في المجتمع، بحيث لا تشكل القمة والقاعدة إلا أعداداً لا تصل في مستواها إلى عدد الطبقة الوسطىquot;.
المجلة: الرياض - الكويت - دبي
* قال تقرير نشرته مؤسسة ماكنزي العالمية قبل فترة: quot;إن الطبقة الوسطى تمثل حجر الزاوية بالنسبة للاقتصاديات الحديثة المتسمة بالنشاط، مشيرا إلى إنه حتى الآن ما تزال المعلومات حول الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية شحيحة لقلة الدراسات التي تصدت لهذا الجانب، وأضاف التقرير إن العديد من المحاولات الحثيثة للاقتراب من هذه الطبقة بالدراسة والتحليل ولكنها غير كافية، وكانت نتائج تلك الدراسات تشير إلى إن الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تتميز من الناحية العامة بالفاعلية، وإن كانت تعاني من بعض المشكلات الجوهرية.
غول التضخم يلتهم القوى الحية
وعلى جانب متصل حذرت دراسة أعدها الأكاديمي السعودي خالد البسام من آثار تقليص الطبقة المتوسطة جراء الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والمنتجات الاستهلاكية، وقدر الأستاذ المشارك في قسم الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز حجم الطبقة المتوسطة في السعودية بـ 90 في المائة من المجتمع وهي تعمل عمل العمود الفقري في الجسد الاجتماعي، مؤكدا أن تآكل هذه الطبقة يعود إلى التضخم الذي يعتبر غولا جامحا يؤذي أيما إيذاء أصحاب الدخول الثابتة، وهو يشمل السلع الضرورية كالمواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بحسب الدكتور عبد الله دحلان عضو مجلس الشورى السعودي بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة، وكذلك ارتفاع أسعار الدواء وأدوات البناء والخدمات الضرورية، وأشار الباحث إلى إن استمرار هذه الأوضاع يعني اتساع قاعدة الفقر، ولا سبيل للخلاص من تلك التبعات إلا من خلال سياسات حكومية تتخذها وزارات التجارة والصناعة والمالية تستهدف السيطرة على الارتفاع المتصاعد في الأسعار، والذي ينجم عن الخلل الاقتصادي الهيكلي المتعلق بالوكالات والاحتكار بنمطيه، الاحتكار المطلق واحتكار القلة.
وعلى الجانب الآخر تشعر الحكومات الخليجية بأنها لا تمتلك كافة الأدوات اللازمة لمواجهة مسألة ارتفاع الأسعار، حيث ترى أنها نتيجة مباشرة لسلوك التجار عدا عن كونها ضريبة ناجمة عن معطيات العولمة المتوحشة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قطاعات البناء والعقار التي ارتفعت أثمانها بنسبة 70 في المائة والسيارات وقطع غيارها في السعودية، ويبرز ذلك من خلال إدراك الفرق الهائل بين ارتفاع الأسعار العالمية وارتفاعها محليا، حيث كانت تلك الارتفاعات تمثل انعكاسا لفتح باب التنافس على مصراعيه، خاصة مع الالتزام ببنود اتفاقية التجارة العالمية، إضافة إلى أن العديد من التجارب التي استهدفت تدعيم التنافسية والقضاء على الاحتكار تمضي ببطء، ويفسر بعض الخبراء ذلك بضخامة السوق السعودي الذي تصل مؤسساته إلى 500 ألف وعدد لا يحصى من مراكز التجزئة، وهو ما يجعل من عملية الرقابة فيها قدرا من الصعوبة.
ويقول تقرير مصرفي خليجي إن الظاهرة الأولى بالبحث في هذا الصدد تتعلق بالارتفاعات المتواصلة لأسعار الإيجارات laquo;حضور نوعي للقوى الحيةraquo; في الإمارات العربية المتحدة وفي دبي على وجه الخصوص، وقال التقرير الذي أعده بنك دبي الوطني في شهر أكتوبر من العام الماضي 2006 إن هذه الارتفاعات ليست مبررة بالنظر إلى العرض الضخم من العقارات الجديدة في السوق، ولكن يبدو أن قوانين السوق تعمل بطريقة معاكسة، حيث في ظل هذا العرض الضخم لا بد أن تتراجع الإيجارات إلى مستوياتها السابقة على الأقل من الناحية النظرية، وقد تكون الارتفاعات في الإيجار مبررة في حالة الأحياء التي تعاني نقصا في المساحات المتوافرة للإيجار، ولكن الحاصل إن هناك سببا ما دفع إلى ارتفاع أسعار الإيجار في كل العقارات بلا استثناء، وهو ما يعني إن هذه الظاهرة مفتعلة ولا يوجد ما يبررها من الناحية الاقتصادية القائمة على فهم آليات السوق.
ويوضح التقرير الذي نشرته ماكنزي إن معظم أبناء الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية يشعرون بالأمان في وظائفهم، وذلك على الرغم من أن ذلك الاتجاه العام يحمل في طياته تباينات مثيرة، حيث عبرت الغالبية العظمى من المستطلعة آراؤهم عن تحسن أحوالهم المعيشية اليوم مقارنة بها منذ أربع سنوات مضت، كما عبرت الغالبية العظمى عن رضاها التام إزاء الأنظمة التعليمية والصحية في بلادهم، وهو ما يشير إلى أن سبب تآكل هذه الطبقة لا يعود إلى قصور هاتين الخدمتين مقارنة بالماضي كما درجت بعض الكتابات الخليجية المتأثرة بنمط التفكير الغربي، وأوضحت نتائج الاستبيانات التي تم توزيعها على عدد من المبحوثين من أبناء الطبقة الوسطى في ثلاث دول خليجية هي البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إن الغالبية العظمى رأت أن رعاية الحكومات الخليجية للمجتمع من الناحيتين الصحية والتعليمية تتعدى المستويات الممتازة، ولكن هذا لا يعني أنه ليست هناك مشكلة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار دراسة أعدها المعهد العربي للتخطيط في الكويت، أشارت إلى إنه على العكس مما كان معروفاً أن التعليم يشكل ضماناً تجاه البطالة، فقد عرفت الدول العربية، بدرجات متفاوتة، بروز ظاهرة بطالة التعليم، إضافة إلى ظاهرة فرط التعليم وتوظيف مخرجاته.
وأشار التقرير إلى نتائج دراسة أعدت بمعرفة الدكتور جيمس جي الزغبي كبير باحثي مركز الزغبي الدولي للدراسات، ورئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكدت نتائج الدراسة إلى أن هناك تباينا ملحوظا في التوقعات المستقبلية لما ستؤول إليه أحوال الطبقة المتوسطة في كل دولة من الدول الثلاثة، وذلك طبقا لمعدل النمو الذي يختلف من دولة إلى أخرى، وتظهر البيانات الميدانية أن أبناء الطبقة الوسطى في السعودية يشعرون بأن أحوالهم تتجه إلى المزيد من التحسن خلال السنوات الأربع المقبلة، والسبب في ذلك يعود إلى التوظيف الجيد للعائدات النفطية والانفتاح الاقتصادي والمناخ الاستثماري والدعم الحكومي، وأن هذا التوقع يزداد بمقدار الضعف عن مثيله في كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن الخاضعين للدراسة في كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة عبروا بنسبة أكبر عن تشككهم في مستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة، وقال 61 في المائة من العينة المبحوثة بالإمارات أنهم ليسوا متأكدين من أن السنوات المقبلة تعني أنهم سيكونون في حال أفضل، بينما عبر 34 في المائة من أفراد العينة في البحرين عن المشاعر نفسها.
القطاع الخاص وتفاقم الأزمة
وتؤكد الدراسة على ضرورة عدم الانخداع في المؤشرات العامة التي قد تبدو إيجابية، بينما تخفي في طياتها صورة مختلفة، ففي الحالة السعودية، فإن بعض الخاضعين للدراسة في عمر ما دون الثلاثين قللوا من إمكانية الأمن الوظيفي، وأوضحوا مخاوفهم من انخفاض دخولهم ومن مستوى الحياة التي يعيشونها، بينما لا يشعر من هم أكبر منهم سنا الأحاسيس نفسها، رغم أنهم ينتمون للطبقة نفسها اقتصاديا واجتماعيا، ويشير الباحث إلى أن التأمل في البيانات التي توفرها الدراسة قد يكشف بعضا من أسباب هذا الاختلاف، فالذين هم دون سن الثلاثين ممن خضعوا للدراسة يعملون غالبا في القطاع الخاص، وتصل نسبتهم إلى الثلثين من إجمالي المنتمين إلى هذه الفئة العمرية من أفراد العينة، وإذا عرفنا أنه عادة ما يتم تعيين الشباب الأصغر سنا في الوظائف الأقل أجرا، وأن الوظائف في القطاع الخاص لا تتسم بذلك الأمن والاستقرار والعائد المرتفع القابل للزيادة المنتظمة كما هو الحال في الوظائف الحكومية عرفنا أسباب تلك المشاعر القلقة إزاء مستقبلهم، وهي مشاعر تؤكدها استطلاعات الرأي التي أكدت أن رواتب موظفي القطاع الخاص السعودي هي الأفضل بحساب مجموعة المزايا الأخرى عن دونها.
وتشير تلك البيانات إلى عدد من المشكلات المحتملة مستقبلا، وأهمها وأكثرها تعقيدا تضاعف القوة العاملة في المملكة العربية السعودية خلال العقد المقبل، حيث يضاف أكثر من 300 ألف من الباحثين عن العمل سنويا، بينما يخلق القطاع الخاص عدد لا بأس به من الوظائف وهي غالبا وظائف ذات دخل يتناسب وكلف ارتفاع الحياة، وهو ما يعني تقليص الفجوة بين حجم الوظائف وعدد الباحثين عن عمل، وهي فجوة قد لا تعني تآكل الطبقة الوسطى بالمعنى المعروف، وبينما تعاني المجتمعات الخليجية كلها من تلك الفجوات إلى أن لكل دولة مشكلة أكثر إلحاحا تلتصق بها غير أن سياسة بناء المدن والمشروعات الاقتصادية العملاقة في السعودية من شأنه استيعاب عدد كبير من الوظائف الجديدة ومخرجات التعليم والابتعاث السعودي.
محدودية الأجور وشيوع الاستهلاك
وتبرز أهم مظاهر تلك المشكلات بحسب التقرير في البحرين، حيث تعاني الطبقة الوسطى من التصدع الواضح، وبحسب باقر النجار أستاذ علم الاجتماع في جامعة البحرين، فإن محدودية أجور هذه الطبقة من جهة، وارتفاع معدلات التضخم من جهة أخرى تمثل الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى هذا التآكل الجزئي مشيرا إلى أن هناك شريحة واسعة تعتبر نفسها منتمية لهذه الطبقة في البحرين حيث يتسع مداها من الذين يحصلون على 500 دينار إلى الحاصلين على 4000 دينار شهريا، مؤكدا أن الداخلين الجدد في الطبقة الوسطى يعانون من عدم الحصول على عمل مناسب لها.
وتشير الإحصائيات إلى تزايد أعداد العاطلين في البحرين والكويت، فنلاحظ تزايداً في الكويت من عام 1996إلى عام 2000بزيادة قدرها 19.16 في المائة بينما في البحرين كانت الزيادة بين عامي 1998و 2000قدرها 54.93 في المائة
وقد أزعجت هذه الظاهرة المفكرين والكتاب في البحرين، وترى بعض الأقلام في الخليج العربي أن الحل للمشكلة البحرينية في هذا السياق يتمثل في تحقيق استقرار في الحالة الاقتصادية، وتحقيق مواءمة بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يشكل جل خطط الحكومة البحرينية، حيث تؤدي معدلات الازدهار الاقتصادي المتسارعة إلى تعزيز الأمن الاجتماعي، إلا أن الدراسات الاجتماعية والاقتصادية تشير إلى أن الأسر الخليجية بدأت تعاني من تدبير أمورها المعيشية، أو عدم قدرتها على توفير المستوى اللائق من الحياة الكريمة، أو حتى بسبب غياب رب الأسرة الدائم وابتعاده عن الأسرة لأنه مشغول بأعمال إضافية تجبره عليها الظروف الاقتصادية وقلة ذات اليد، ومن ثم تعاد الكرة بالتأثير على الوضع الاقتصادي بالسلب، وأصحاب هذه الرؤية يفضلون اللجوء إلى البدائل الإسلامية المتمثلة في التكافل الاجتماعي والاهتمام بالمشروعات الخيرية والعمل التطوعي لتحقيق هذا الانسجام.
خطوات نحو الحماية من التآكل
فالحل لا يكمن في التراجع عن النمو الاقتصادي المتسارع بقدر ما يعني ضرورة تحقيق نمو اجتماعي يتكافأ مع ذلك التسارع في المجال الاقتصادي بل ويفوقه ويسبقه، وعلى سبيل المثال فإن النهضة العمرانية التي تشهدها المملكة العربية السعودية ودول الخليج على وجه العموم تعني بشكل مباشر ارتفاع أسعار مواد البناء، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الإيجارات وبالتالي يؤدي إلى أزمة سكن تخنق الطبقة المتوسطة، ولكن هذه النتيجة يمكن التخفيف من حدتها أو تجاوزها تماما إذا تم التخطيط بعقلانية لهذه النهضة العمرانية، وتحقيق الموازنة بين التنمية العمرانية والقدرات الإنتاجية لمواد البناء، حيث يتم تعظيم تلك القدرات وزيادة نسبة المستورد منها إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
وإلى جانب التخطيط المتوازن، فإن تدعيم ثقافة حماية المستهلك، ودعم آليات المجتمع في الحفاظ على حقوقه في مواجهة الاحتكار يمكن أن يكون أداة ناجعة في مواجهة غول التضخم، ويأتي إلى جانب ذلك عدد من الآليات الاجتماعية المهمة، وذلك من خلال تدريب الأسر التي تقاسي الخوف من شبح الفقر على أن تصبح أسرا منتجة يمكنها أن تخطط لمستقبلها بشيء من الثقة، وهو ما يعبر عن تحول في التفكير الاجتماعي من مجرد توفير المأكل والملبس إلى تطوير أداء وأنماط تفكير الأسر التي تعاني من الفقر وتوفير احتياجاتها من التدريب والتعليم لتمكينها من قهر هذا الشبح إلى الأبد، وبشكل أكثر تحديدا فإنه يمكن التأكيد على أن المجتمعات الاقتصادية بحاجة إلى تنمية اجتماعية تسير جنبا إلى جنب مع التنمية الاقتصادية التي تخطو بمعدلات متسارعة، لأن في ذلك حفاظا على الطبقة المتوسطة، وحفاظا على مردودها المالي، بما يشكل هيكلا متناسقا لتوزيع الدخل في المجتمع ويزيل التباين الواضح فيما بين الطبقتين العليا والدنيا.
إشكالية التعريف وصعوبات التصنيف
ولكن الباحث يورد ملاحظة مهمة ومحورية في سياق الدراسة، حيث يؤكد على إنه بينما يؤكد اثنان من كل ثلاثة مبحوثين أنهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى إلا أن الخبرات البحثية في المجال الاجتماعي تؤكد أن المعايير التي تعتمد على التقييم الذاتي للمبحوثين تتجه للتضخم، حيث يحرص العديد من المنتمين للطبقات العليا وبالمثل المنتمين للطبقات الدنيا على اعتبار أنفسهم من أبناء الطبقة المتوسطة بينما هم في الحقيقة ليسوا كذلك، ولو تم الاعتماد على تلك المعايير وحدها لضمت الطبقة الوسطى شريحة هائلة من المجتمع الخليجي، فحسب الاستبيان يعتبر المواطن الإماراتي الذي يحصل على خمسة آلاف درهم quot;ما يوازي 1.350 دولارquot; شهريا نفسه من المنتمين للطبقة المتوسطة، وكذلك أيضا، فإن المواطن الإماراتي الذي يحصل على 30 ألف درهم شهريا يعتبر ذاته منتميا للطبقة الوسطى، وهو ما يعني أن المدى الذي يفصل بين أغنياء الطبقة الوسطى وفقرائها قد يصل طبقا لهذا المعيار إلى 20 ألف درهم شهريا.
ويشير الباحث إلى أن أهم الصعوبات التي واجهت الفريق أثناء إعداد الدراسة كانت تتعلق بالعثور على تعريف جامع مانع لمفهوم الطبقة الوسطى، خاصة في ظل اختلاط المفهوم بتعبيرات غربية مثل الشرائح العليا والدنيا من الطبقة الوسطى، وبأيديولوجيات يسارية، وقد أدى ذلك إلى تعدد مقاييس تحديد الطبقات، وإن كان أكثرها ذيوعا يشير إلى أنماط الاستهلاك، كما أن الكتاب الذين تصدوا بالتحليل لدور الطبقة الوسطى في الخليج تبنى كل منهم تعريفا قد يتناقض مع التعريفات الأخرى، وأحيانا يكون المفهوم ملتبسا ولا يصف بشكل كامل الفئة الاجتماعية المقصودة.
آراء متأثرة بالنزعة اليسارية
ومن أطرف التعبيرات التي تم تداولها للتعريف بالطبقة الوسطى في الإعلام الخليجي هو الإشارة إلى أن الطبقة الوسطى عبارة عن quot;راتب، والتزامات معيشية، وحبال قروض لا تنتهيquot; وهو تعبير يعبر عن quot;حالةquot; الطبقة الوسطى أكثر من كونه تعريفا، ولكن الذين يتبنون هذه التعريفات وما يشابهها يحبون التأكيد على المشاهد الواقعية التي تعاني منها الطبقات الوسطى في مجتمعات الخليج، ويركزون على تلازم ظاهرة ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، بظواهر أخرى مرتبطة بارتفاع الأسعار المصاحب لهذا النمو، وكذلك الارتفاع الذي عجز الاقتصاديون عن تبريره في قيمة الإيجار في الإمارات وعمان على سبيل المثال، وبالمثل ارتفاع قيمة الرسوم المدرسية والجامعية، ومنها هذه الظاهر، سيطرة مفاهيم الثراء السريع على عقلية الطبقة الوسطى وعدم إيمانها بقدسية العمل، وشيوع أنماط الاستهلاك المظهري، واللعب على أوتار تلك الأحلام بطريقة quot;امسح واربحquot; والسحوبات التي لا تنتهي، وهي كلها مؤشرات لا ينبغي تجاهلها تعبر عن تناقص الانتماء للطبقة الوسطى، والإيمان بأن العمل الجاد وحده لا يحقق الأمان الاجتماعي والاقتصادي، وأن على المنتمين لهذه الطبقة ترقب فرصة العمر التي ستجعل منهم أثرياء في لحظة وإلا فإن مصيرهم هو الانزواء في ذيل المجتمع كأعضاء في الطبقات الدنيا.
ومن الأمثلة المهمة على شيوع نمط التعريفات لظاهرة الطبقة الوسطى ما يشير إليه الكاتب القطري عبد العزيز محمد الخاطر الذي يعزي أسباب ظاهرة أفول الطبقة المتوسطة في الخليج إلى ظروف نشأتها بالأساس حيث لم تظهر نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية حقيقية مر بها المجتمع، ولكنها نمت في ظل فترة quot;التوازنات الدوليةquot; مما يجعلها هلامية الشكل رغم إثباتها الكفاءة في عدد من المجالات المهنية والتخصصية والثقافية، فنهض أبناؤها بالوطن وحققوا الإنجازات، ولكن هذا كله كان مرهونا باستمرار التعليم المتميز متوفرا ومجانيا وكذلك الرعاية الصحية وكل المرافق الاجتماعية والاقتصادية لأن تلك الطبقة تستفيد من كل تلك التسهيلات أكثر من غيرها، وكونها مرتبطة بمدى وقدرة الإنفاق الحكومي على حضانتها يورث في داخلها شعور مخيف بأن الدولة قد تعيد النظر في سياساتها الضامنة والحمائية لها، مما يهدد استمرارها، ويشير إلى أن ذلك جعل منها طبقة لا تجني سوى فائض الريع المتبقي، مما أدى إلى خوفها الدائم من الانكماش، وهو ما يهدد المجتمع كله لأن الطبقة الوسطى هي صمام أمان المجتمع، فهي التي تقي من الاحتكاكات مؤكدا أن الرياح التي أتت عليها هي رياح القطاع الخاص، ورياح التأثيرات الرأسمالية المحمومة التي ساهمت في شيوع النمط الاستهلاكي سواء على المستوى الفردي أو على مستوى المجتمع ككل، ويطالب بعودة الدولة إلى ممارسة دورها الاجتماعي لأن في هذا حماية للفرد الضعيف من نفوذ القطاع الخاص المنبهر بوهج العولمة.
ولهذه الأسباب كان اللجوء لاستطلاع الآراء هو الحل الأقرب لحسم هذه الإشكالية البحثية، على الرغم مما قد يؤدي إليه من التباسات، وشملت دراسة الزغبي ألفين وأربعمائة مواطن من كل من البحرين والإمارات والسعودية، وتراوحت الأسئلة الموزعة في الاستبيانات بين التساؤل عن طبيعة العمل والوظيفة، إلى الأسرة والاهتمامات والسلوك وعما إذا كان هناك مفهوم محدد لدى الشخص الذي يتم استطلاع رأيه حول الطبقة الوسطى، وقد وفرت الإجابات حصيلة متنوعة من الآراء حول تلك الموضوعات، وإلى تحديد ملامح الفوارق فيما بين المجتمعات الخليجية في هذا الجانب وفيما بين الطبقات داخل كل مجتمع.
ويشير الباحث إلى أن قضية القدرة على الترفيه وكيفية قضاء وقت الفراغ تمثل عاملا حساسا في كيفية تحديد الانتماء الطبقي للمستطلعة آراؤهم، فوسطية أنماط السلوك في هذا الجانب تعني بشكل مباشر في أغلب الحالات وسطية الوضع الاجتماعي للشخص المبحوث، ومن خلال هذا العامل وعدد من العوامل الأخرى مثل الأمن الوظيفي والمستوى التعليمي والرعاية الصحية فإنه يمكن الوصول إلى الملامح الأساسية للطبقة الوسطى في البلدان الخليجية، وتحديد قياس عام وشامل لتصرفاتها وسلوكها وأنماط تفكيرها، ومجالات اهتماماتها الاجتماعية والاقتصادية، وذلك مع الرغم من أن هذه الطبقة تحفل بالتباينات والاختلافات التي لا يمكن تجاهلها.
وعلى الرغم من ذلك إلا أنه وبصفة عامة فإن هذه الدراسة تعتبر أول محاولة جادة لتحديد ملامح الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية، حيث ينتمي معظمهما إلى فئة الموظفين الذين يتقاضون أجورهم بانتظام شهريا، سواء كانوا يعملون في المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص، ويعمل معظم أبناء الطبقة الوسطى في حقول التدريس والرعاية الصحية، والأعمال المكتبية والمبيعات والمهن الحرفية الأخرى.
وبحسب مؤسسة ماكينزي فإن دور الطبقة الوسطى يعتبر من أهم المؤشرات الحيوية التي تلعب دورا مهما في استقرار الدول، كما أنه يعبر أيضا عن احتمالات النمو المستقبلية للدول الخليجية وآفاق ذلك النمو، وهو دور يرتبط بشكل كبير بعملية الخصخصة والتحول إلى الاقتصاد الحر.
ويؤدي تردي الحالة الاقتصادية للأسر متوسطة الدخل إلى ضعف روح الانتماء والولاء للوطن، فالطبقة الوسطى كانت محور التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تعمل في أي مجتمع، بحسب زينب الأنصاري الكاتبة في صحيفة الشبيبة العمانية، والتي تؤكد على أن معظم الصدمات التي وقعت جراء اهتزاز أسواق المال تلقاها أبناء الطبقة الوسطى، فهي بعيدة كل البعد عن الطبقتين العليا والدنيا.
تأثيرات سلبية في الاقتصاد الوطني
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لأوضاع المنتمين للطبقة الوسطى في الخليج، فإن دراسات أخرى أشارت إلى أن غياب الدور الواضح للطبقات الوسطى في الاقتصاديات الخليجية يعتبر من أهم التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي الخليجي بشكل عام، بحسب مؤسسة الخليج للاستثمار التي أوضحت إن تلك الظواهر يعد من الأسباب الرئيسة لعدم استغلال الموارد البشرية والرأسمالية إلى الحد الأقصى، ويربط بين هذه الظواهر وانخفاض معدل الإنتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي، وعدم القدرة على تقليل الاعتماد على النفط وإنشاء هياكل اقتصادية أكثر تنوعا وهو ما تعمل عليه السعودية في الوقت الحاضر من تنوع اقتصادي واستثماري، ويلمح إلى أن إنتاجية العمل نمت بصورة بطيئة خلال السنوات العشرين الماضية فمعدل الإنتاجية لكل ساعة في دول مجلس التعاون الخليجي مقارنة بمثيلتها في الولايات المتحدة الأمريكية انخفض عام 2005 ليصل إلى 40 في المائة بينما كان في عام 1987 يتعدى الـ 54 في المائة، مشيرا إلى أن ضعف الطلب على اليد العاملة في القطاع العام قد يكون من أسباب أفول الطبقة المتوسطة، حيث يتم حاليا خلق معظم فرص العمل لدى القطاع الخاص، وخاصة في القطاعات الخدمية.
ويحدد الكاتب عبد السلام محمود القرعاني اثني عشر مظهرا من مظاهر تآكل الطبقة المتوسطة في العالم العربي بوجه عام وفي الخليج بشكل خاص، مشيرا إلى أن الشباب هم أكثر الذين يعانون من تلك الظواهر التي تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم ظاهرة الفقر، وانخفاض غالب في عوائد الشركات وأرباح الأعمال الصغيرة، وانخفاض عام في مؤشرات أسواق الأسهم الخليجية وتوجه عام للاحتكار، وتوجه إلى تضخم رؤوس أموال الشركات إما عن طريق طرحها للاكتتاب أو مضاعفة رؤوس الأموال، و تجاهل لدور القطاعات الصغيرة والتخلي عن دعمها، وارتفاع واضح وعام في أسعار السلع الضرورية ومواد البناء، وارتفاع في أسعار الإسكان، وارتفاع في معدلات استقدام الأيدي العاملة الرخيصة، وتنامي ظاهرة استهلاك المنتجات ذات الجودة المتدنية، وارتفاع في معدلات إصابات بأمراض مثل السرطان وأمراض الكبد بمعدلات عالية.
ويشير القرعاني إلى أن هناك نظريتان في التعامل مع التضخم وهما نظرية الكيفية، ونظرية الكمية. فالأولى تعتمد على قدرة المستهلك على الشراء ومن خلالها يتم استخدام وسائل الدعم المادي والعيني للحفاظ على محدودي الدخل في ظل ارتفاع الأسعار، أما الثانية فترتكز على كمية النقد المعروض، ومن خلالها يتم استخدام الآليات المتاحة لتحجيم المعروض النقدي عن طريق البنوك المركزية التي تلزم البنوك التجارية بنسب مرتفعة من الاحتياطي، أو عن طريق طرح أذون الخزانة.
الخبير الاقتصادي البحريني أسامة العبسي يحذر
مقبلون على كارثة حقيقية!
المنامة- هشام عدوان
* قال نائب الرئيس التنفيذي للمشاريع في مجلس التنمية الاقتصادية بالبحرين أسامة العبسي قال لـ laquo;المجلةraquo;: إن الطبقة الوسطى الخليجية مقبلة على كارثة حقيقية إن استمرت معدلات الاستهلاك وممارسات الاقتراض المصرفي منفلتة من عقالها كما هي اليوم دون رقيب ودون تدخل جاد من قبل الحكومات لضبط دوامة الاقتراض، وما تسبب فيه من انهيار في الطبقة الوسطى في اتجاه تعميق التمايز بين طبقتين اجتماعيتين عليا ودنيا، ومحذرا من استمرار الارتفاع في معدلات الاقتراض التي ارتفعت بحسب الإحصائيات من 1629.8 مليون دينار عام 2002 إلى 3033.4 مليون دينار عام 2006 بزيادة قدرها 86 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية.
العبسي الذي يعتبر أحد العقول المشاركة في التخطيط الاقتصادي لمستقبل البحرين قال نحن اليوم أمام تعريفين يدفع أحدهما اتجاه الآخر:
التعريف الاجتماعي والذي يحددها ndash; أي الطبقة الوسطى- بالمستوى التعليمي والوظيفي وأسلوب المعيشة ndash; وليس ضرورةً بمستوى الدخل، وهو مستقى من التعريف الأوروبي في القرن السابع عشر والذي أوجد هذه الطبقة ليميزها علواً عن طبعة العمال، ويضعها أدنى من الطبقة الأرستقراطية، بينما التعريف الاقتصادي هو إنها الطبقة التي يمكّنها معدل دخلها من سد احتياجاتها الأساسية من مسكن ومأكل وملبس ويفيض لديها قدراً من المال تصرفه كما تشاء على الكماليات الصغيرة أو تدخره إن أرادت لشراء الكماليات الكبيرة.
وبالتالي نرى أن ما دون الطبقة الوسطى ليست الطبقة الفقيرة، و لكن تلك التي تعيش فوق حد الفقر مباشرة، أي التي تسد احتياجاتها الأساسية و ليس لديها فائضٌ للكماليات.
وفي الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي كان حجم الطبقة الوسطى يقاس بمدى الادخار الذي تقوم به، حيث أنها تدخر لشراء الكماليات التي ترفعها اجتماعياً في نظر الآخرين و تؤكد على أحقيتها في الانتماء لهذه الطبقة مثل الانتقال من السكن في منطقة شعبية إلى منطقة أرقى، أو شراء سيارة و غيرها من مظاهر الانتماء الطبقي.
وفي الثمانينيات من ذات القرن، ظهرت على الساحة أدوات جديدة مصممة خصيصاً لتغذية الشعور الجماعي بإمكانية الانتماء للطبقة الوسطى أو تأكيد الانتماء لها، ألا وهي آليات التمويل الشخصي من قروض بنكية و بطاقات ائتمان و سواها، فتراجعت نزعة الادخار و الشراء المستقبلي لصالح الاقتراض بغرض الشراء الفوري و الدفع لاحقاً بأقساط ميسرة و فوائد عالية، و تقلص الادخار حتى أصبح نادراً بل وأصبح صفة من صفات البخل، و استشرى الاقتراض حتى أصبح سمة من سمات المواطنة الخليجية، و كذلك هي الحال في كثير من الدول الغربية. وبالتالي تغيّر تعريف الطبقة الوسطى من القدرة على الادخار، إلى القدرة على الاقتراض و دفع الأقساط، فالبنوك لن تقرض من لا يملك الفائض عن قوت يومه و بالتالي لا يستطيع الوفاء بالدين. وكانت البداية بالاستدانة لشراء البيوت والسيارات، ثم ظهر التمويل للسفر في الإجازات، وطالعتنا الصحف مؤخراً بخبر القروض الميسرة لغرض إجراء عمليات التجميل! و نحن في هذا المجال لا نتحدث عن الطبقات ما دون الوسطى بحسب التعريف المذكور، فتلك مصيبتها مختلفة وليس هذا مجال التطرق لها.
فما هو مستقبل الطبقة الوسطى في الخليج؟ ما هو مستقبل من أصبح الاقتراض من أجل كل صغيرة و كبيرة في دمه وأمسى و أحد مهاراته الأساسية حساب قدرته على الاقتراض؟ وكم سيقترض إذا ما ارتفع راتبه؟ و في ماذا سيصرف القرض القادم عندما ينتهي من القرض الحالي؟ الجواب في سعر برميل النفط و في الاستقرار الإقليمي!
فمنطقة الخليج تمر منذ عدة سنوات بفترة ازدهار اقتصادي سببها ارتفاع أسعار النفط و الهدوء (النسبي) الذي تمر به، فتحركت اقتصادياتها، و تسارعت عجلة نموها و ارتفعت معدلات الأجور فيها، و انضم عدد أكبر من المواطنين إلى مصاف المقترضين، و صرفت ُجلّ هذه الأموال في الكماليات و تحركت الأسواق المحلية و ساد شعور عام بأن الرخاء قد أتى، و ارتفعت معدلات الاقتراض أكثر بسبب هذا الإحساس فنرى أن إجمالي القروض المحلية في مملكة البحرين مثلا (و لا أظن الوضع يختلف في باقي دول الخليج) ارتفعت من 1629.8 مليون دينار بحريني عام 2002 إلى 3033.4 مليون دينار بحريني عام 2006 بزيادة قدرها 86 في المائة خلال 4 سنوات، بينما لم تتغير نسبة هذه القروض من الناتج المحلي الإجمالي فهي 51.3 في المائة في 2002 و 51.6 في المائة في 2006. (المصدر: نشرة المؤشرات المالية، مصرف البحرين المركزي ـ مارس 2007). أي انه كلما ارتفع الناتج المحلي ارتفعت معه القروض، و هنا تكمن الخطورة حيث أن الأداء الاقتصادي مرتبط بعوامل خارجية مثل سعر النفط العالمي و الاستقرار السياسي في المنطقة و يتغير بتقلباتها، بينما القروض تسدد على فترات زمنية تمتد من 4 إلى 20 سنة أو أكثر، فمن يضمن للمقترض اليوم بأن قدرته الجديدة على السداد ستستمر؟
الخطر الأكبر على الطبقة الوسطى هو إغراقها في الاعتماد على التمويل الشخصي فيما يتعدى حدود الأساسيات ليشمل الدرجة الرابعة من الكماليات، و استقرار معدل الدين عند مستوى يعادل نصف الناتج المحلي، فالتاريخ السياسي يعلمنا أن دوام الحال من المحال، و التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن لا الازدهار يدوم و لا الكساد يستمر. و حتى عندما حاولت الحكومات و ضع حد أقصى للدين الفردي، اضطرت تحت ضغوط شعوبها إلى وضعه عند مستويات عالية توازي نصف الدخل للفرد أو أكثر، فترى الغالبية من الخليجيين يدفع نصف راتبه الشهري أقساطاً، ويطالب بالمزيد.
وبالعودة إلى التعريفات التي ذكرناها في البداية: الخطر الداهم على الطبقة الوسطى هو إسرافها الاستهلاكي الناجم عن إحساسها المستمر بضرورة تأكيد مكانتها الاجتماعية، والضغوط المجتمعية على الفرد بأن يساير الجماعة و أن يؤكد أحقيته في الانتماء لطبقته المختارة، و عدم وجود شبكة أمان تحميهم من التغيرات الاقتصادية، فلو كانوا يدخرون مثل آبائهم لأنقذتهم مدخراتهم في اليوم الأسود، ولكنهم غارقون في الدين يحلمون باليوم الذي يسددونه فيهhellip; ليستدينوا من جديد!! *
الاتصالات إلى المرتبة الثانية بعد الغذاء
دراسة أكاديمية سعودية: فجوة متزايدة ومفهوم خاطئ لترشيد الاستهلاك
* كشفت دراسة أكاديمية أجرتها باحثة سعودية إن الانتماء إلى الشريحة الاجتماعية يعد من العوامل المهمة المؤثرة في السلوك الاستهلاكي ولقد وضحت النتائج إن أكثر شرائح المجتمع استهلاكاً حسب رأي أفراد العينة هم كبار موظفي الدولة والأثرياء والتجار، ومن ثم متوسطي موظفي الدولة والمديرين في القطاع الخاص والمعلمين، وأخيرا العمال وصغار الموظفين، وأن مستوى الاستهلاك يتباين كثيراً بين المنتمين لكل طبقة، وأفصحت الدراسة إن هناك علاقة طردية بين الاستهلاك من جهة والدخل والمستوى التعليمي والتسهيلات البيعية والقروض البنكية من جهة أخرى ، وأن هناك علاقة محاكاة وتقليد في الشراء في من الأسفل للأعلى في هذا التوزيع للفئات الاجتماعية ، فكل طبقة تحاكي الأعلى منها في شكل يعزز المظهرية في المجتمع السعودي .
وأوضحت الباحثة السعودية هالة صقر في دراستها على عينة من الأسر السعودية في مدينة جدة لنيل الماجستير من قسم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الملك عبد العزيز بعنوان ldquo;العوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤدية إلى فائض الاستهلاك للأسرة السعوديةrdquo; أن الانفلات الاستهلاكي الهدري يشكل ضغطاً كبيراً على الشريحة الوسطى في المجتمع ، حيث تغيرت وظيفة الأسرة التقليدية فبعد أن كان يقع على كاهلها عمليات الإنتاج المعيشي أصبحت مستهلكة بصفة أساسية لما تنتجه المؤسسات الاقتصادية الكبرى سواء في داخل البلاد أو خارجها، من جانب اجتماعي آخر قالت: ldquo;ظهر انخفاض ملحوظ بالاتصاف في أخلاقيات العمل، صاحبه مبالغة في بعض العادات والتقاليد التي تقوي النزعة الاستهلاكية وتضعف من قيم الادخارrdquo; .
وأوضحت الباحثة التي نالت على بحثها درجة الماجستير بامتياز إن الاستهلاك يعتبر الحلقة الأخيرة في السلسلة الطويلة لمجموعة العمليات والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتفاعل بين طبقات المجتمع ، ولفتت إلى أنه من المهم بأن من شروط نجاح التنمية وجود توازن بين الإنتاج الفردي وعلى مستوى الدولة والاستهلاك ،
وتوصلت إلى أن الانفتاح الإعلامي الذي دعمته الفضائيات وشبكة الإنترنت من أول العوامل التي ساعدت على انتشار ثقافة الاستهلاك ، يليها الانفتاح الاقتصادي ، بينما حل إغراء الشركات والتسهيلات والأقساط في المرتبة الثالثة، أما ارتفاع مستوى الدخل فقد كان في المكانة المتوسطة من تلك العوامل .وهذه النتائج تتوافق مع الحس العام الذي يعتبر أن الإعلان ذو أثر كبير على السلوك الاستهلاكي، كما أوضحت أن أفراد العينة يرون أن أكثر فئات المجتمع تأثراً بالإعلان التجاري هم النساء، وأن ما يقارب من ثلث العينة يرون أن الأطفال أكثر الفئات تأثرا بالإعلان وهذا ما يهدد بصناعة جيل استهلاكي مقبل.
وقال ما نسبته 92.8 في المائة من عينة البحث إن البيع بالتقسيط يساعد على زيادة الاستهلاك وأنه أحد الأسباب الفاعلة تدفع بهم وبالمجتمع للميل نحو السلوك الاستهلاكي، وتشابهت نوعا ما وجهة نظرهم هذه مع رؤيتهم لدور القروض الميسرة من البنوك في رفع نسبة الاستهلاك المجتمعي ، وكذا البطاقات الائتمانية ، أما من حيث النوع الاجتماعي فأثبتت الدراسة أن الزوجة ( المرأة) هي أكثر أفراد الأسرة ميلا للاستهلاك يليها الأولاد الصغار ، ومن ثم البنات الكبار . وخلصت الدراسة إلى نتائج بحثية ربطت بين كثير من العوامل المؤثرة منها:
1- تواجد أعداد كبيرة من العمالة الوافدة خصوصا الخدم والسائقين والمربيات في المنازل ما ساعد على عدم الاهتمام بقيم العمل والإنتاج.
2 ـ توسيع مجالات الإنفاق سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الأفراد والتغيرات الشديدة في أنماط الاستهلاك، ونشوء علاقات اجتماعية جديدة غيرت التركيبة السكانية وكذلك البنية التحتية والفوقية للمجتمع السعودي.
3 ـ تغير نمط السلطة في الأسرة السعودية حيث تحولت من مركزية أبوية إلى مشاركة في صنع القرار، ومساهمة المرأة في هذا القرار الناتج عن دخولها مجال العمل وبالتالي المساهمة في قيادة الأسرة، وظهور نظام الأسرة النووية التي تتكون من عدد أبناء ما بين ثلاثة إلى خمسة أطفال.
وتوصلت الباحثة إلى نتائج رقمية من أهمها:
1 - بلغ متوسط دخل الأسرة في مايقارب8600 ريال شهرياً أي ما يعادل 103200 ريال سنوياً ، وكانت أعلى نسبة للدخل بين أرباب الأسر ما بين 9 إلى 12 ألف ريال سعودي.
2 - لا تزال نسبة كبيرة من المبحوثين يرون أن التعليم الحكومي يوفر ما يحتاجه أبنائهم، ولذلك لا يرون ضرورة للتعليم في المدارس الخاصة، ولقد بلغ متوسط ما تنفقه الأسرة السعودية على تعليم الأبناء حوالي 7400 ريالا سنويا،في حين أنه بلغ متوسط ما ينفق على الدروس الخصوصية 5000 ريال سعودي، وهو يلقي الضوء على ظاهرة الدروس الخصوصية التي أصبحت تغزو المجتمع السعودي.
3 - بلغ متوسط ما ينفقه المبحوثين على العلاج شهريا 600 ريال فقط بينما بلغ متوسط ما ينفق على الاتصالات 1083.33 ريال وهو مبلغ كبير يقتطع شهريا من ميزانية الأسرة، حيث حلت الاتصالات ثانياً بعد الأكل في أولويات الاستهلاك لأفراد الأسرة ، في حين أن هناك سلوك رشيد في استهلاك الكهرباء حيث بلغ متوسط ما ينفق على الكهرباء ما يقارب 287.48 ريال.
4 - بلغ متوسط ما يكلفه السفر في سنة واحدة للأسرة بشكل عام ما يقارب10.865 ريال ويكشف هذا الرقم عن مدى أهمية قضاء الإجازة خارج مدينة جدة لأفراد العينة، ويعتبر مؤشر متوسط تكاليف السفر والسياحة للأسرة في السنة الواحدة مؤشر مهم يوضح مدي كونهما سلوك استهلاكي هدري أولاً .














التعليقات