د. عصام نعمان
استوقفني قبل أيام خبر علمي مقلق، فقد توقع علماء ايطاليون وأمريكيون أن يتمّ التوصل خلال فترة تتراوح بين 3 و10 سنوات إلى إنتاج خلية حية مركبة بشكل صناعي بالكامل داخل المختبر.
أضاء بعض العلماء على سبيل استخدام هذه التكنولوجيا، فتبيّن من شروحاتهم وتوقعاتهم أنه سيكون في وسع الإنسان وضع يده على ldquo;أسرار الحياةrdquo; للمرة الأولى في تاريخ البشرية، ملمّحين إلى إمكانية إنتاج كائنات حية بشرية وحيوانية تساعد، من بين أمور كثيرة، على حلّ المشكلات البيئية المزمنة، كأن تقتات على النفايات السامة أو الغازات المسببة للإحتباس الحراري.
كبير علماء معهد بوتولايف في مدينة فينيسيا الإيطالية مارك بيدو سلّط مزيداً من الضوء على الموضوع بقوله: ldquo;ستكون خطوة كبيرة، وسيعرف العالم كله بها. نحن نتحدث عن أمر سيغيّر حياتنا بصورة جذرية. إن إنتاج خلية حية أولية بسيطة تحتوي على المواد الأساسية في الحمض النووي قد يبدو أمراً بسيطاً للبعض، غير أنه سيكشف النقاب عن أحد أكبر الأسرار المتعلقة بالخلق والكون وموقع الإنسانrdquo;..
يتحصّل من كلام العالم بيدو وغيره أنه سيكون في مقدور الإنسان ldquo;خلقrdquo; إنسان آخر. إنسان طبيعي سيبدع إنساناً صناعياً.. أيّ مستقبل للبشرية والكون بعد اجتراح هذه المعجزة القيامية؟
هزّني الخبر الدراماتيكي فكرياً وأخلاقياً، ما استولد في ذهني أسئلة محرجة، كما أخذتني المخيلة إلى دنى ومشاهد عصيّة على الفهم والتعبير.
من الأسئلة المحرجة هل يبدأ العلماء بrdquo;خلقrdquo; إنسان صناعي أم بخلق حيوان صناعي؟ وما الغاية أو الغايات المتوخاة من هذا ldquo;الخلقrdquo;؟ لعل الاختبار سيبدأ بrdquo;خلقrdquo; كائن حيواني صناعي، فالتجريب بالحيوانات أسلم أخلاقياً وشرعياً واجتماعياً. صحيح أن شيئاً من هذا القبيل بدأ بتجربة النعجة ldquo;دولليrdquo; قبل سنوات، لكنه سيأخذ مع تصنيع خلية حية منحى آخر أكثر إعجازاً وأوسع مدى. لكن ليس من المستبعد أن يبدأ العلماء المختصون بrdquo;خلقrdquo; كائنين في الوقت عينه، واحد بشري، وآخر حيواني. هذا مع العلم أن ldquo;صناعةrdquo; البشر لن تبدأ علناً، ولا حتى سراً، قبل توفير قانون أو منظومة قوانين لتشريعها وتسويغها.
إن الغاية أو الغايات المتوخاة من وراء هذه المجازفة المحسوبة، متعددة، لعل أبرزها أربع:
- الأولى بيئية، إذ سيكون في وسع العلماء المختصين معالجة عدوان الإنسان المتمادي على الطبيعة والبيئة والنتائج المادية الناجمة عنه، كأن تقتات الكائنات الصناعية المستحدثة على النفايات السامة والغازات المسببة للاحتباس الحراري، وعلى مواد كيماوية وبيولوجية لا يستطيع الإنسان الطبيعي ان يتقبّلها كغذاء.
- الثانية وظيفية، إذ سيكون في وسع العلماء ldquo;خلقrdquo; جنس ldquo;بشريrdquo; صناعي للقيام بوظائف ومهام يأنف الإنسان الطبيعي عن القيام بها أو تحول شرعة حقوق الإنسان دون امتهانه بواسطتها. أجل، يمكن للإنسان الطبيعي أن ldquo;يخلقrdquo; كائنات ldquo;بشريةrdquo; صناعية تكون له عبيدا من طراز مستحدث وغير خاضعة للشرائع السماوية والقوانين الوضعية التي تحرّم العبودية.
- الثالثة بيولوجية حضارية، إذ سيكون في وسع العلماء الارتقاء بالجنس البشري الطبيعي من خلال سدّ النواقص والثغرات البادية في بنيته ب ldquo; خلقrdquo; إنسان صناعي خالٍ من هذه النواقص والثغرات بل حامل لأعضاء وrdquo;تسهيلاتrdquo; ومزايا جديدة غير موجودة في بنية الإنسان الطبيعي، غير أن مشكلة قد تنجم عن هذا الارتقاء بالجنس ldquo;البشريrdquo; الصناعي هي قيام حالٍ من التمييز العنصري بين الجنسين الطبيعي والصناعي. ألن يشعر الجنس الصناعي بالتفوق والاستعلاء، إذا جاءت بنيته مميزة بأعضاء وتسهيلات متقدمة لا تتوافر في الجنس الطبيعي؟
- الرابعة ريادية، إذ سيكون في وسع العلماء إرسال كائنات ldquo;بشريةrdquo; صناعية إلى كواكب النظام الشمسي وما يتعداها على نحوٍ يوفر جهداً وخسارة بالغيّ الكلفة على الجنس البشري الطبيعي. أكثر من ذلك، قد تُستعمل الكائنات الصناعية في غزو الكواكب واستعمارها، إذ ربما تكون، من حيث البنية المتطورة والمزايا المتقدمة والكلفة المادية المتدنية، في وضع أفضل للنهوض بتلك المهمة من الكائنات الطبيعية.
هكذا سينشأ بمرور الزمن تنافس، وربما صراع، بين الجنسين البشريين الطبيعي والصناعي، ذلك أن كلا الجنسين البشريين سيكون خاضعاً لنظام ldquo;التطور الداروينيrdquo;، كما أكد العالم جاك جوزتاك من كلية الطب بجامعة هارفرد. وبموجب هذا النظام فإن تحسينات بنيوية سوف تطرأ على كل من الجنسين من جهة، كما سينشأ صراع بينهما من جهة أخرى، على قاعدة ldquo;البقاء للأصلح أو الأنسب أو الأقوىrdquo;.
هل يُعقل أن يتغلّب الجنس الصناعي على الجنس الطبيعي فيسود على الكون وينفرد به، فينقرض البشر الطبيعيون كالمخلوقات البائدة مثل الديناصورات مثلاً؟
إن كل شيء بات معقولاً في عالمنا هذا الطريف، العنيف، المفتوح على شتى الاكتشافات والاحتمالات. لكن من المنطقي أن يكون الجنس الطبيعي، ldquo;خالقrdquo; الجنس الصناعي قد استدرك مخاطر انقلاب ldquo;المخلوقrdquo; على ldquo;الخالقrdquo; فأودع في المخلوق مفاتيح وصمامات أمان تمنعه من التمرد والتغلّب. ومع ذلك يبقى الخطر قائماً، إذ قد يتواطأ بشر طبيعي مع بشر صناعي على أمر ما، فينشأ في سياقه أو نتيجةَ تحققه وضعٌ جديدٌ يتمكّن فيه ومعه البشر الصناعي من حماية تمرده على نحوٍ يؤدي الى تكثير أنصاره من البشر الصناعيين وتغليبهم على ldquo; أعدائهم ldquo; من البشر الطبيعيين.
قبل أن يجنح بنا الخيال إلى توقعات ومشاهد ldquo;فوق خياليةrdquo;، يقتضي أن نتذكر توقعات أخرى، أكثر واقعية إنما أشد هولاً، أظهرتها دراسة كانت قد وضعتها الأمم المتحدة وأخرى قام بها المركز الوطني الأمريكي للأبحاث، يتضح منهما أن حرارة الأرض سترتفع بمعدل ثلاث درجات حتى العام ،2100 ما ينذر بذوبان ثلوج ldquo;غرينلاندrdquo; القريبة من القطب الشمالي والتي تغطي الثلوج 85 في المائة من مساحتها البالغة 2،2 مليون كيلومتر مربع بسماكة تصل الى مستوى ثلاثة الآف متر مكعب.
لكن، ماذا لو ارتفعت حرارة الأرض إلى درجة أدت الى ذوبان جليد قارتي القطب الشمالي والقطب الجنوبي؟
يؤكد مدير معهد ldquo;بوتسدامrdquo; لأبحاث آثار المناخ هانس شيلنهوبر ان ما يفصلنا عن متوسط درجة الحرارة أثناء العصر الجليدي هو 5 درجات حرارية فقط، ldquo;خمس درجات ونصبح في عالم آخر تماماًrdquo;، كما يقول.
مع هذه الظاهرة القيامية تتحقق ldquo;نهاية الجغرافياrdquo;، كما تحققت قبلها في زعم فوكوياما ldquo;نهاية التاريخrdquo;، فيغرق العالم برمته في مياه المحيطات، وقد ذابت فيها وضاعفت من حجمها ملايين الكيلومترات المربعة من ثلوج القطبين وجليدهما. ومع العالم الغريق يغرق أيضا ويفنى الجنس البشري الطبيعي والجنس ldquo;البشريrdquo; الصناعي. ldquo;ولله غيبُ السماوات والأرض...rdquo; (سورة النحل، الآية 77). صدق الله العظيم.















التعليقات