د. حسن حنفي

الحياة رموز. والدين والسياسة والثقافة رموز. والأشكال الأدبية كلها رموز. يعيش الإنسان في عالم من الرموز. ومهمته فك الشفرة ومعرفة دلالات الرموز. ضاقت الحياة بالعبارة. فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة كما لاحظ النّفّري. فتحولت إلى حروف، والحروف إلى أرقام حتى أصبحت الأرقام quot;الديجيتالquot; سمة العصر.

وتؤثر هذه الرموز في اللاوعي الديني والسياسي والثقافي وتنبثق منه. وتحليلها جزء من الأنثروبولوجيا الثقافية وسبر أغوار النفس. ولما كنا بعد عدة تجارب سياسية على مدى قرنين من الزمان منذ محمد علي حتى عبدالناصر نحاول بناء الأوطان. وتعثرت محاولاتنا عدة مرات بتكالب الغرب على محمد علي وإنهاء مشروعه، وتكالبه مرة ثانية، الاستعمار والصهيونية، للقضاء على عبدالناصر الذي أراد استئناف المشروع الأول، نهضة مصر، من أجل القضاء على استقلال مصر وتفردها في محيطها.

ومن ضمن هذه الرموز العلَم الوطني الذي يعكس بؤرة الحياة الدينية والجغرافية والسياسية. العلم الكوري بوسطه الدائرة المنقسمة إلى أنصاف دائرة، الرمز البوذي. والعلم السويسري والبريطاني وسطه الصليب رمزاً للمسيحية أو الصليب المعقوف رمزاً للنازية. والعلم التركي والمصري قبل الثورة وسطه الهلال والنجوم رمزاً للشهور العربية والانتماء الإسلامي. وقد يكون الرمز جغرافياً مثل شجرة الأرز في علم لبنان، وورقة الشجر في العلم الكندي. وقد يكون سياسياً مثل المطرقة والسندان في العلم السوفييتي والصيني للدلالة على ثورة العمال والفلاحين. وقد يكون النجوم التي ترمز للوحدات السياسية، أي الولايات، في الدول الاتحادية مثل الولايات المتحدة الأميركية أو تجارب الوحدة في الوطن العربي، الجمهورية العربية المتحدة، نجمتان، والوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، ثلاث نجوم. ومازال القوميون يأملون في علم عربي واحد به اثنتان وعشرون نجمة.

وقد تغني الألوان عن الرسوم والأشكال منذ الثورة الفرنسية في العلم المثلث الألوان الشهير، الأحمر والأزرق والأبيض بالطول في فرنسا، وبالعرض في إيطاليا. وقد يضاف إليها الأسود علامة على العهد البائد في ألمانيا. وقد تكون أرضيته حمراء إيثاراً للثورة على غيرها مثل العلم الصيني والسوفييتي، أو التحرر الوطني مثل العلم المغربي. وقد تكون الأرضية خضراء رمزاً للزراعة والأرض الخضراء في تركيا ومصر قبل الثورة. وقد تجتمع عدة ألوان، الأسود رمزاً للعهد البائد، والأحمر رمزاً للثورة، والأبيض رمزاً للسلام.

وقد توضع رموز الإيمان والقوة مثل السيف في علم المملكة العربية السعودية وquot;لا إله إلا الله محمد رسول اللهquot;. وفي الصراع السياسي يستبدل كلام بكلام مع تعدد الألوان الثلاثية وعليها quot;الله أكبرquot; توظيفاً للدين في الحرب كما هو الحال في العلم العراقي بعد حربي الخليج الأولى والثانية استنهاضاً للدين. أما صقر قريش فهم مخفوض الجناحين وليس كالنسر الأميركي الفارد الجناحين ليضم العالم كله شرقاً وغرباً. وعديد من البلدان الشمالية والأمم المتحدة تستعمل اللون الأزرق رمزاً على زرقة السماء وصفاء الروح وكتائب حفظ السلام quot;القبعات الزرقاءquot;.

وقد يوضع في بعض الشعارات السياسية المصحف مع السيفين دليلاً على القوة المستندة إلى الكتاب. والخطورة أن تكون هناك قوة تستمد من الكتاب شرعيتها دون رقابة من الكتاب عليها. الخطورة أن يتحول الكتاب إلى مصدر للعقوبات باسم تطبيق الشريعة، والوقوع في النصية والحرفية دون الواقع ومصالح الناس quot;واحتمى أبوك بالنصوص.. فدخل اللصوصquot;. الخطورة أن يرمز الكتاب إلى التقليد والعلم المكتوب. فالعلم ليس في كتاب بل في قدرة العقل على فهم قوانين الطبيعة واستقراء قوانين التاريخ، قيام المجتمعات وسقوطها، العلم الطبيعي والعلم الإنساني.

ومن الرموز المرئية طريقة تحية الرؤساء العرب والمسلمين الرجال مثل تقبيل الوجنتين والأنف والكتف واليدين طبقاً لدرجة علو الرؤساء. وقد أثرت هذه العادة في الرؤساء الأوروبيين في استقبالهم للرؤساء العرب بتقبيل الوجنتين، بالإضافة إلى عادتهم في تقبيل الرؤساء الرجال للرئيسات النساء. فتقبيل الرجل للرجل حتى ولو كان رئيسا له مغزى، وتقبيل الرجل للمرأة له مغزى آخر. وكلاهما تقاليد اجتماعية تختلف من شعب إلى آخر.

والأخطر هو رمز quot;العصاquot;، عصى المارشالية التي كان يمسك بها رئيس الجمهورية الثانية في مصر، الصولجان الذي يجمع بين السلطة العسكرية والسلطة السياسية. ومثلها عصا رومل. وعصا أخرى يمسك بها الرئيس السوداني ويرفعها عالياً لتحية الشعب وهو تراث ديني قديم منذ عصا موسى التي كان يتكئ عليها نظراً لكبر سنه، ويهش بها على غنمه لأنه كان راعياً. هي العصا السحرية التي تلقفت كل عصي السحرة، والقادرة على التغلب على كل القوى الأخرى حتى استقر في الاستعمال اليومي تعبير quot;العصا السحرية.

واستمر ذلك في سيف المعز، وكرباج الوالي وعصا الشرطي في الطريق العام، والأمن المركزي ضد مظاهرات الطلاب والعمال، والناظر والمشرف في المدرسة يهش بها على الطلاب كما يفعل راعي الغنم. وهي عصا الفتوة كما صور نجيب محفوظ في quot;التوت والنبوتquot; وفي ملحمة quot;الحرافيشquot;. وهي عصا الأب ضد أبنائه وبناته من أجل quot;سُك على بناتكquot;. وهي رمز العقاب والقرع والتأنيب والتهذيب والتربية.

وفي الأمثال العامية quot;العصا لمن عصىquot;. وكلاهما، العصا والعصيان، من اشتقاق واحد. فالعصا جزاء العصيان. وهو ما يفسر قسوة الأمن المركزي في قمع المظاهرات، وسحْل المعارضين، وضرب الطلاب والعمال المعتصمين.

والسؤال الآن، ما هو الرمز أو الرموز التي يمكن أن تعتز بها الحياة الدينية والسياسية والثقافية العربية؟ حتماً، ليست العصا أو الهراوة بيد الشرطي أو السيف بيد السياف أو حبل المشنقة. ما الذي تعتز به الثقافة العربية عبر قرونها الطويلة كي يكون رمزاً لها. الشعر العربي، المتنبي وأبو فراس؟ الآثار العربية والإسلامية من عجائب الدنيا، تاج محل، قصر الحمراء بغرناطة، الجامع الأزرق باسطنبول، القلعة بالقاهرة، مسجد الحسن الثاني بالمغرب أو كوالالمبور في ماليزيا أو روما بإيطاليا؟ وهي في النهاية قصور ومساجد للزعماء وليست من آثار الشعوب. هل رموز العلم الرياضي كالحسن بن الهيثم أو الطبيعي كجابر بن حيان أو الفلسفي كابن رشد؟ وهل بالضرورة أن يمسك الرئيس بيده شيئاً يرفعه فوق رؤوس الناس! ولماذا يكون بالضرورة quot;العصاquot;؟