علي بيكدلي

تمر منطقتنا اليوم بأدق مراحل حياتها السياسية، لذا تشهد نشاطا واسعا من الدبلوماسية الجلية والخفية. فقد أصبحت إيران وإسرائيل اللاعبين الرئيسيين في هذا الصراع السياسي. وهما الدولتان اللتان تُكنّان العداء لبعضهما البعض. وقد انسحبت الولايات المتحدة الأميركية -كلاعب أساس - إلى ما وراء الساحة السياسية. ويعود السبب في مواجهة إسرائيل لإيران إلى أن هذا الكيان لم يلتزم القوانين الدولية، كما أنه كسب في تجاربة قصفه للمنشآت النووية في العراق عام 1981 وسوريا في العام 2008. وقد عرض كل من هذين اللاعبين نوعا جديدا من الدبلوماسية خلال الأسابيع الماضية.
فقد عرضت إيران دبلوماسيتها المزدوجة: laquo;المرونة والقوة في نفس الوقتraquo;. فمن جهة يطرح مستشار سماحة المرشد الأعلى في الشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، سياسة المرونة أمام دول (5+1)، ومن جهة أخرى تبدي إيران رد فعل سياسيا- عسكريا باختبارها 9 صواريخ يصل مداها 2000 كلم، مما أربك إسرائيل والغرب أيضا.
سياسة إطلاق الصواريخ تعني في أهدافها أنه إذا اتخذت إيران سياسة المرونة إزاء الغرب فهذه السياسة تنم عن موقع القوة، حيث تعد مثل هذه الإجراءات من الأساليب المعمول بها في الدبلوماسية العامة.
وترتكز سياسة دول (5+1)، وكذلك إسرائيل على إبطال مفعول رافعات القوة الإيرانية في المنطقة وهذا الموضوع هو الدبلوماسية الخفية والجلية بالتحديد.
يؤكد التقارب بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل والغرب، والهدنة بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية، وزيارات هاشمي رفسنجاني (رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام) ومهدي كروبي (الرئيس السابق للبرلمان الإيراني) إلى العربية السعودية، والوساطة الأردنية لحل الخلافات بين سوريا وإسرائيل، واجتماع دول حوض المتوسط في باريس، ولقاء بشار الأسد وإيهود أولمرت في هذا الاجتماع، وبعض التصريحات غير الودية التي أدلى بها المسؤولون العراقيون تجاه إيران، وزيارة رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان لبغداد واحتمال إبرام اتفاق سياسي وأمني بين أنقرة وبغداد، وأهم من كل هذا إعداد المسودة الخاصة بالمعاهدة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، تؤكد كل هذه الأمور أن الغرب يريد أن يجتث مصادر النفوذ الإيراني في المنطقة.
لذا، وبسبب انحسار شعبية جورج بوش في الأشهر الأخيرة لإدارته، وكذلك الزلزال السياسي في إسرائيل، وعدم التنسيق السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، يمكن أن نتصور بعض الامتيازات لإيران. فبما أن بلادنا تحولت حاليا إلى قوة إقليمية وفاعلة في النظام الدولي يجب عليها أن تنظر بواقعية وشمولية وتراعي القواعد الجديدة للعبة، لتتحرك وبمهارة في اتجاه تحقيق المصالح الوطنية.
وما يمكن استنتاجه من قراءتنا للسلوك الإسرائيلي أن إسرائيل تنسق سياساتها العامة مع الأوساط الأميركية حيث إذا شعرت بقلق كبير في وقت ما وإذا انغلقت منافذ آمالها الدبلوماسية في علاقاتها مع الغرب، نستطيع آنذاك أن نعتبر التهديدات الإسرائيلية بمثابة خطر. فقد أقامت إسرائيل مناورات عسكرية وأخذت تطرح
الخيار العسكري أكثر من السابق، لكنها لم تصل إلى مرحلة اتخاذ القرار في أوساط السلطة.
وفي الوجه الآخر للمعادلة -أي العلاقة بين أي عمليات احتمالية إسرائيلية وبين نهاية الفترة الرئاسية لجورج بوش- يجب أن نقول إن رؤساء الولايات المتحدة الأميركية يسعون عادة كي لا يورِّثوا لخلفائهم أي مواضيع غامضة. وقد أكدت التجربة الخاصة باحتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران في اللحظات الأخيرة لحضور جيمي كارتر في البيت الأبيض، أكدت على هذا السياق السياسي، حيث يصدق الأمر خاصة على الرؤساء الذين يقضون الولاية الثانية لعهدهم. وعليه يمكن أن نتوقع أن تتفق الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الغرب على بعض المواضيع وذلك قبل نهاية ولاية الرئيس جورج بوش.
يشير علي أكبر ولايتي بصراحة إلى الاتفاق والتفاهم بين إيران ودول (5+1)، ويتخذ وزير الخارجية الإيراني من الولايات المتحدة الأميركية موقفا ناعما حيث يمكن أن نستنبط -وفقا للردود الإيجابية للغربيين- أن اتفاقا في طور الحصول، لكننا لم نعرف شكله بعد. فالموضوع هو أن الطاقة الزمنية لحلحلة القضية النووية الإيرانية بدأت تبلغ نهايتها حيث يجب أن يصل الملف النووي الإيراني إلى نتيجة دبلوماسية خلال الأشهر المقبلة. ويبقى الخيار الآخر وهو أن الغربيين يدّعون أن إيران ستنتهج سياسة الصبر والانتظار حتى انتخاب الرئيس الأميركي القادم، حيث من المحتمل أن يكون باراك أوباما هو الرئيس. ليست القضية في موضوع انتخاب الرئيس الأميركي laquo;من سيفوزraquo;، بل إن القضية المهمة هي صيانة المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية. فمن المعلوم أن باراك أوباما قد غيّر لهجته إزاء إيران، حيث -ورغم شخصيته الهادئة- يسير وفقا لمصالح الولايات المتحدة الأميركية، والانتظار حتى فوزه في الانتخابات الرئاسية ليست سياسة ناجحة قطعا. لذا علينا أن نترك هذا التصور.
في الحقيقة تقع إسرائيل اليوم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، فيما كانت إسرائيل دوما هي التي تختفي تحت ظلال الولايات المتحدة الأميركية، حيث نشهد حاليا وضعا معاكسا. لا يمكن لأي قوة أن تتحاشى طاقات الأوساط الصهيونية، حيث لا يمكن لباراك أوباما نفسه أن يغض الطرف بسهولة عن هذه الأوساط القوية. وفي النهاية يؤكد التقييم الدبلوماسي أن الجمهوريين لن يسمحوا أن تقع الورقة الرابحة للاتفاق مع إيران بيد الديمقراطيين. هذا هو أساس السبب الذي نطرحه كي تتفاهم إيران مع الولايات المتحدة الأميركية حتى نهاية ولاية الرئيس جورج بوش.

- ترجمة: يوسف عزيزي