عادل مالك

اليوم الأحد 21 كانون الأول (ديسمبر) سيكون أقصر أيام العام الحالي، حيث يتوافق مع حدوث الانقلاب الشتوي وفيه تسقط اشعة الشمس متعامدة على مدار الجدي.
هذا في باب المعلومات العامة، لكن ماذا عن الأحداث الأخرى التي طغت على ما عداها من تطورات؟
دخل إلى عالم الأسلحة قبل بضعة ايام سلاح جديد أكثر فتكاً وفعالية واحتل عناوين الأخبار، وهو حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي والذي كان ولا يزال نجم الأحداث بلا منازع نظراً الى الطابع الاستعراضي والمثير والذي تمثل بقذف الرئيس جورج دبليو بوش بفردتي حذائه وهو المشهد الذي تابعه العالم على شاشات التلفزة.
وكالعادة انقسم الرأي العام في تعليقه على الحادث إلى قسمين: فريق المتعاطف بقوة مع laquo;قاذف الحذاءraquo;، والفريق الآخر الشاجب للفكرة والرافض لأن يكون استخدام الحذاء هو البديل عن القلم. ويضع أنصار هذه النظرية ما حدث وفق التصور التالي: رئيس الولايات المتحدة الذي دمّر العراق بالحرب المعلومة، وأمامه وجهاً لوجه مواطن عراقي عاش كل ما عاناه الشعب العراقي جراء الحرب التي اندلعت بذريعة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، فوجدها مناسبة للتعبير عن حال الغضب التي تعتريه، فانهال على الرئيس بوش قذفاً بحذائه، بعدما استنفد جميع الوسائل في الإعلام المرئي والمكتوب للتعبير عن آرائه. وهذا ما حدث. وحيال حال الاحباط التي تجتاح العالم، خصوصاً أهل المنطقة العربية من جراء سياسات ومواقف الرئيس جورج دبليو بوش، فقد اصبح حذاء منتظر الزيدي موضع اعجاب وتقدير كبيرين بين المحامين المتهافتين على الدفاع عن الإعلامي المعتقل، إلى راغب في شراء laquo;الحذاء التاريخيraquo; بأرقام خيالية، الأمر الذي أكد مرة جديدة درجة الاحباط النفسي التي خيّم على أهل المنطقة التي وجدت في التصرف المثير ذلك التعبير عن حال من الغضب غير المحدود.
في المقابل، فتح النقاش على مصراعيه حول مدى شرعية هذا الأسلوب في التعاطي بين حامل قلم وزعيم عالمي. وبقطع النظر عن الجانب الغرائزي والانفعالي عارض كثير من الإعلاميين الاستعاضة بالقلم واللسان بـ... الحذاء.
وعندما يصبح الحذاء شعاراً للفروسية والجرأة والشجاعة الخارقة، فهذا يعكس حال الاضطراب السائدة من المحيط إلى الخليج ولو تعددت الأسباب، لكن حالاً من الاجماع تلتقي حول توجيه الانتقاد اللاذع للتوجهات والسياسات التي اعتمدها الرئيس الذي يستعد للرحيل عن البيت الأبيض.
وهكذا غدا الحذاء شعار المرحلة (بالاذن من الزميل حازم صاغية على توارد الأفكار).
ويبقى السؤال: ماذا فعل laquo;السلاح الجديدraquo; الذي استخدم ضد الرئيس جورج دبليو بوش في الاسهام في حل ما يعاني منه العراق؟ لا شيء. ويمكن أن نضيف بالقول من وحي ما حدث: كأنها أحذية الدمار الشامل تثأر من الحرب المدمرة والتي خيضت تحت ذريعة اسلحة الدمار الشامل والتي لم يعثر عليها حتى الآن. على أن المواجهة بالحذاء التي حدثت في بغداد يجب ألا تحجب تطورات أخرى تشهدها المنطقة من بيروت إلى طهران مروراً بفلسطين وسورية ودول الجوار. ومن ابرز أحداث الأيام الأخيرة إعلان موسكو عن رغبتها في تزويد لبنان بعشر طائرات من طراز laquo;ميغ 29raquo; كهبة. وكان لهذا النبأ وقع كبير، إذ أنها المرة الأولى، تقريباً، التي تعلن فيها روسيا عن تزويد لبنان بهذا النوع من الطائرات، وفي هذا التوقيت بالذات. ولا يمكن أن يمر هذا التطور من دون تداعيات أو مضاعفات.
فمن حيث المبدأ قام الجيش اللبناني ومنذ نشأته وحتى اليوم على استخدام السلاح الغربي، وإذا قبل لبنان العرض الروسي السخي، وهذا ما هو ظاهر حتى الآن، فهو يعني في جملة ما يعني تدريب مجموعة من الضباط الطيارين اللبنانيين على استخدام هذا النوع من الطائرات، وهذا ما تم التفاهم عليه على ما يبدو، وهناك أمور أخرى تطرحها laquo;الهدية الروسيةraquo; ومنها الجانب السياسي والجوانب الاستراتيجية الأخرى.
لقد اعتمدت واشنطن حتى الآن عدم التعليق المباشر على هذا التطور المهم، والتساؤل المزدوج: هل هي خطوة تنطوي على laquo;التحدي الروسيraquo; لأحد مناطق نفوذ الولايات المتحدة في العادة؟ أم ان توافقاً ما تم التوصل اليه بين واشنطن وموسكو في الآونة الأخيرة؟
منذ عودة روسيا في الآونة الأخيرة للبروز من جديد كقوة عظمى مقابل القوة التي سيطرت على العالم بشكل أحادي لما يزيد على عقدين، وحيال اللغط الكبير الذي أحاط بالقرار الروسي المفاجئ، روى وزير الدفاع اللبناني الياس المرّ حقيقة ما جرى على الشكل التالي:
laquo;في الاجتماع مع وزير الدفاع الروسي لدراسة تسليح الجيش اللبناني، ابلغني أن هناك قراراً من الحكومة الروسية بمساعدة الجيش اللبناني. وسلمني لائحة مؤلفة من خمس صفحات تتضمن مساعدات للجيش. اطلعت على اللائحة فرأيت أنها مساعدات ذات حجم كبير من قذائف للدبابات الروسية الموجودة لدى الجيش اللبناني وقذائف للمدافع وذخيرة وسواها وهي هبة ضخمة. لكنني اعتبرت ان دولاً كثيرة كالجانب الاميركي والغربي قدمت مثل هذه المساعدات وبقي الجيش اللبناني مكانه على صعيد التجهيزraquo;. وهنا قال الوزير المرّ لزميله الروسي: laquo;اسمح لي بعدم قبول هذه الهبة، فحرصاً على روسيا الارثوذكسية وكأول وزير مسيحي ارثوذكسي يزور العاصمة الروسية، اعتبر أنه إذا كانت روسيا مستعدة لدعم الجيش اللبناني إلى أقصى الحدود ومن دون قيد أو شرط كما تقولون، آمل أن تنقلوا الجيش اللبناني من مرحلة إلى مرحلة لنضع سقفاً معيناً تبدأ منه دول أخرى إذا أرادت مساعدة الجيشraquo;.
وهنا طلب وزير الدفاع اللبناني أن تمنح موسكو الجيش سرباً من عشر طائرات laquo;ميغ 29raquo;. وعلقت المحادثات لبعض الوقت أجرى خلالها وزير الدفاع الروسي اتصالات على مستوى رفيع ثم عاد إلى طاولة المفاوضات وأبلغ الوزير المرّ بالموافقة على الطلب، مضيفاً: laquo;أن المساعدة الروسية غير مقرونة بأي شروطraquo;. ورد المرّ: laquo;هذه المساعدة هي أكثر بكثير مما توقعناraquo;.
وهناك رواية أخرى تتحدث عن أن مبادرة تزويد لبنان بطائرات laquo;ميغ 29raquo; جاءت من موسكو. وأن الجانب اللبناني فوجئ بها للوهلة الأولى.
وبقطع النظر عن التفاصيل، فقد أوجد هذا التطور واقعاً جديداً للبنان على صعيد تعزيز جيشه الوطني، الأمر الذي لم يحدث من قبل إلا بصورة محدودة. ثم ان طبيعة الجيش اللبناني القتالية هي دفاعية اكثر من هجومية، فهل ستغيّر الهبة الروسية هذا الواقع؟ ولأن روسيا كغيرها من الدول الكبرى ليست جمعية خيرية، لذا يطرح السؤال عن ثمن الهدية الروسية. كما يطرح سؤال آخر حول رد الفعل الإسرائيلي والذي بدأ منذ الآن بطرح المقولة الدائمة من حيث عدم إحداث أي تغيير أساسي في ميزان القوى!
ووسط الكلام الذي يمزج بين الوقائع والتمنيات، على أهل المنطقة أن يعوا أن الرئيس الأميركي الجديد سيكون مختلفاً بالتأكيد عن سلفه جورج دبليو بوش، لكنه لن يجلب المن والسلوى للبنان والمنطقة.