سعود البلوي

في زمن الخليفة المأمون، سنة (247هـ/861م)، كان هناك رجل من بني هاشم، ذو قرابة بالخليفة، اسمه عبدالله بن إسماعيل الهاشمي، معروف بالتقوى والتمسك بالدين. وكان له صديق مسيحي اسمه عبدالمسيح بن إسحاق الكندي، وهو قريب من الخليفة مكاناً ومنزلة. جرى بين الرجلين حوار عقائدي، ابتدأه الهاشمي برسالة للكندي يدعوه بها إلى الدخول في الإسلام، فرد عليه الكندي برسالة مطولة يدعوه بها إلى اعتناق المسيحية.
وقد أشار العالم المسلم أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (362-440هـ) إلى الرسالتين في كتابه quot;الآثار الباقية عن القرون الخاليةquot;، إلا أن هناك آراء حديثة تشكك في صحة الرسالتين، وصحة نسبتهما إلى كاتبيهما. وبغض النظر عن أحقية الشك هذه، فسوف أحاول هنا تسليط الضوء على أبرز ما جاء فيهما من خلال الكتاب، الذي يحوي الرسالتين، الصادر عن quot;دار التكوينquot; في دمشق عام 2005.
يفتتح الهاشمي رسالته إلى الكندي بالسلام، معللاً ذلك بأنه تشبه بما نقله الرواة الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان quot;إذا فتح كلامه مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في مخاطبته إياهم ولا يفرق بين الذِّمي والأمي ولا بين المؤمن والمشرك وكان يقول إني بعثت بحسن الخلق إلى الناس كافة ولم أبعث بالغلظة والفظاظةquot;.
ثم يسوق سبب كتابته هذه الرسالة بالقول:quot;حملني إليك وحثني على ذلك محبتي لك إذ كان سيدي ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم يقول محبة القريب ديانة وإيمان على أني كتبت طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أوجبه لك عندنا من حق خدمتك لنا ونصحك إيانا وما أنت عليه من محبتنا وتظهره من مودتنا والميل إلينا وما أرى من إكرام سيدي وابن عمي أمير المؤمنين أيده لك وتقريبه إياك وثقته بك... كاشفاً عما نحن عليه من ديانتنا هذه التي ارتضاها الله لنا ولجميع خلقه... إذ يقول تبارك وتعالى (ملة إبراهيم حنيفاً)، ويقول وقوله الحق (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)، ويقول أيضاً مؤكداً (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)quot;، مؤكداً أنه يدعوه بالحسنى، منطلقاً من قوله تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) لعله ينتبه، ويرجع إلى الحق، ويرغب فيما يتلى عليه.
ويبرر الهاشمي دعوته صاحبه لترك المسيحية والدخول في الإسلام، بأنه تبحّر في عامة الأديان وقرأ كثيراً من كتبها وخاصة كتب النصارى القديمة والحديثة. وأنه قام بمناظرة المسيحيين على اختلاف مذاهبهم، ومنهم: تيموثلوس الجثليق، الذي يعتبِره متقدماً على أبناء طائفته بفضل الرئاسة والعلم والعقل. ويرى أن الطائفة اليعقوبية quot;هم أكفر القوم وأخبثهم قولاً وشرهم اعتقاداً وأبعدهم من الحقquot;. أما النسطورية، الطائفة التي ينتمي إليها صديقه عبدالمسيح الكندي، فيعتبر أتباعها quot;أقرب بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر، وأكثرهم ميلاً إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حمد نبينا صلى الله عليه وسلم أمرهم ومدحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وعنق أصحابهquot;. معللاً ذلك بأن quot;الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه، قبل نزول الوحي عليه بما مكّن الله له وصار إليه. فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر تواده لهم وإطالة محادثتهم... وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويحبونه طوعاً، ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرquot;، مستدلاً بقوله تعالى (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون).
ويشير صاحب الرسالة إلى أنه التقى الرهبان، ودخل الكنائس والأديرة، ورأى عن كثب طريقة الصلوات والعبادة. وجادل المطارنة والأساقفة، مسقطاً ما بينه وبينهم من حواجز، مانحاً إياهم الأمان أن يتكلموا بما يريدون quot;غير مؤاخذ لهم ولا متعنت عليهم في شيء، كمناظرة الرعاع والجهال والسقاط والعوام السفهاء من ديانتناquot;.
ويجدد الهاشمي الدعوة لصاحبه للدخول في الإسلام، طالباً منه أن يعبد الله وحده لا شريك له، مقراً بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويدعوه إلى إقامة الصلوات، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام. والجهاد في سبيل الله quot;بغزو المنافقين وقتال الكفرة والمشركين ضرباً بالسيف، وسبياً وسلباً، حتى يدخلوا دين الله، ويشهدوا أن لا إله إلا هو وأن محمداً عبده ورسوله، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرونquot;. ويطلبه التصديق بيوم البعث الذي يكافئ فيه الله سبحانه الحسنى بالحسنى ويجزي المسيء بإساءته، فيدخل أولياءه وأهل طاعته الجنة، ثم يأتي بالآيات القرآنية التي تصف نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار.
ويؤكد أنه إنما يذكّر صاحبه، فيقول:quot; فإن أنت آمنت وقبلت ما يتلى عليك من كتاب الله المنزل، انتفعت بما ذكّرناك وكتبنا به إليك، وإن أبيت إلا المقام على كفرك وضلالك وعنادك للحق، كنا قد أجرنا إذ عملنا بما أمرنا به، وكان الحق هو المنتصف منك إن شاء اللهquot;.
وحينما أتى على الزكاة قال: quot;فهي ربع العشر إذا أتى على المال وهو في ملك صاحبه حول كامل، فتصرف ذلك على المساكين من ملتك والفقراء من أهلكquot;. ولم يفته أن يرغّب صاحبه بالنكاح قائلاً: quot;وتنكح من النساء ما أحببت، لا جناح عليك في ذلك ولا لوم ولا إثم ولا عيب، إذا أنت تزوجتها بولي وشاهدين، وآتيتها من المهر ما طابت به نفسك ونفسها مما تيسر. ولك أن تجمع بين أربع نساء وتطلق من شئت إذا كرهتها أو مللتها أو شبعت منها ولك أن تراجع بعد الاستحلال من أحببت منهن أيهن تبعتها نفسك... وتتمتع من الإماء بما ملكت يداك، وتختتن لتقيم سنّة أبينا خليل الرحمن وسنّة إسماعيل أبينا وأبيكquot;.
وأخيراً، يدعو عبدالله بن إسماعيل الهاشمي صديقه عبدالمسيح بن إسحق الكندي أن يدع ما هو عليه من كفر وضلال، في القول بالأب والابن وروح القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، مشفقاً عليه أن يكون من أهل النار. وطالبه أن يكتب بما صح لديه من دينه، وما قامت به الحجة آمناً في ذلك مطمئناً إلى أوسع الأمان quot;إذ كان لا إكراه في الدين، وما دعوناك إلا طوعاً وترغيباً في ما عندنا وعرّفناك شناعة ما أنت عليهquot;.