محمد حلمي عبدالوهاب

لم يكد الهوس الإعلامي بسبب مسلسل laquo;نورraquo; ينتهي، مخلَّفاً وراءه عشرات الحالات من الطلاق الأسري كان آخرها في الجزائر حين أعلنت زوجة أمام زوجها أنها لا تنفك تحلم بلقاء مهند laquo;ولو في الحلمraquo; فباتت ليلتها في بيت أبيها!!، حتى أطل شهر رمضان متخما كالعادة بعدد لا ينتهي من الأعمال الدرامية التي ربما تحتاج عاما كاملا لمتابعتها. حيث اعتادت القنوات التلفزيونية أن تشيع في هذا الشهر الكريم ثقافة متعوية تافهة ومتردية ثقافيا، محولة هذه المناسبة الدينية الرصينة إلى سوق متهافت لأسوأ مستويات التسلية الإعلامية.

وفي هذا السياق، يؤكد والتر أمبروست في دراسته laquo;The Riddles of Ramadan: Media, Consumer Cultureraquo; أن هذا المزيج العجيب من التسلية المبتذلة والإعلانات التلفزيونية الرخيصة تُعبر عن وجه من وجوه الثقافة التجارية الاستهلاكية وبناء تقليد مبتدع مُوازٍ أو مدعِّم لعولمة الكريسماس في التقاليد الأنجلو-أميركية، وأن ذلك يرتبط بقوة الدفع التي لا تكاد تقاوم للتتجير المتزايد للثقافة والوصول بها إلى أدنى المستويات الشعبية بقوالب مناسبة تكاد تسخر من الرصانة المفترضة للمناسبات الدينية.

فعلى الرغم من تنامي موجة الاستياء تجاه دراما العنف التلفزيوني، تبدو الأعمال الدرامية ذات المنحى الدّامي كما لو كانت جزءا من سياق العنف العام الذي يحكم فضاء الإعلام العربي ويوجه بوصلته في كثير من الأحيان حتى أصبح لا يبالي بالقيم قدر مبالاته بالربح، ولا يرتهن للمبادئ الأخلاقية العامة قدر ارتهانه لفلسفة laquo;ما يطلبه المشاهدونraquo;!!. وفي المحصلة، باتت الدراما صانعًا وموجهًا لأنماط العنف المختلفة بدلاً من أن تلعب دورها في محاربة تلك الظاهرة والتنفير منها.

وبطبيعة الحال، يزداد هذا العنف ضراوة في الكليبات الغنائية، حيث يقدم هذا الانموذج أشد عناصر اختزال المرأة في إطار الوظيفة الجنسية عنفاً، وذلك بتأكيده جانبا أحاديا من الرؤية الغنائية وهو الجانب الجنسي. وبحسب الدكتور المسيري فإن من العوامل المساعدة التي تُسهِّل للفيديو كليب أن يقتحمنا ما أطلق عليه laquo;الرقص الأفقيraquo;،rlm; ذلك الذي تنام فيه rlm;المغنية على الأرضrlm;rlm; فيما هي نصف أو ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدةrlm;rlm; لأسباب لا تغيب عن ذهن المشاهد.rlm;

الغريب في الأمر، أن ثقافة الفيديو كيب هذه باتت تحتل موقع الصدارة في الأعمال الدرامية كذلك، إذ لا يكاد يخلو عمل درامي من مشاهد كليبية لدرجة تبدو فيها بعض الأعمال السينمائية، بصفة خاصة، كما لو كانت عبارة عن فيديو كليب مطول!. والنتيجة الطبيعية لمثل هذا النوع من الرقص/الغناء هو ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة laquo;الاستلاب الناعمraquo; حيث لا يكون بمقدورنا إلا أن نستسلم لإغواء الصورة وأن نرفع الرايات البيض أمامها. فضلا عما يطلق عليه علم النفس laquo;العنف المُحَلى Sweetened Violenceraquo; والذي يخضع فيه المتلقي لإكراهات الغواية Seduce.

المتابع للأعمال الدرامية التي تعرض في رمضان هذا العام، يلاحظ دون أدنى مجهود كيف أنها تنطوي على جرعة زائدة ومبالغ فيها من مشاهد العنف ربما لم نشهد لها مثيلا من قبل. وكأن الهدف الأساسي لتلك الأعمال قد تحول من محاربة العنف إلى صناعته والترويج له. وفيما أثار مشهد الاغتصاب في مسلسل قضية رأي عام، والذي عرض العام الماضي، حالة من الهلع والسخط العام بين جموع المشاهدين مصحوبا بالاندهاش؛ لا يحتاج المشاهد إلى مزيد من العناء ليكتشف حجم العنف الموجود ضمن تضاعيف الأعمال الدرامية المعروضة هذا العام، وهو ما يبدو واضحا من خلال تترات البداية والنهاية، ومنها على سبيل المثال: الهاربة، بطولة تيسير فهمي، وكلمة حق، بطولة ميرفت أمين، وفي أيد أمينة، بطولة يسرا...إلخ.

لكن، وبغض النظر عن طبيعة الأعمال المعروضة (كليبا غنائيا أو عملا دراميا)، تبقى الصورة أقوى من الكلمةrlm; المجردة والتي، رغم بالغ تأثيرها، إلا أنها rlm;تُوجدُ مسافةً ما بينها وبين القارئrlm;rlm; الأمر الذي يسمح له أن يتأمل معناها ويحلل مضمونها ويقف على مغزاهاrlm;، فيما الصورة rlm;أشبه ما تكون بالفيروس الذي يغزو أشد المناطق ضعفا وأقلها مناعة.

فكلاهما لا يترك مجالا للعقل أن يتأملrlm;،rlm; أو للجهاز العصبي أن يستريحrlm;،rlm; وإنما يقتحمان العقل اقتحاماrlm; لا راد له، اللهم إلا غلق العين والأذن وجهاز التلفاز!. هذا بالطبع إن كنت قابعا في بيتك، لكن ماذا يفيد غض البصر وغلق الأذن فيما أنت مار بالشارع تحاصرك شاشات الإعلانات الضخمة وبوسترتات النجمات العاريات وتصم آذانك أصوات الكاسيت والدي في دي في السيارات المارة وفي المحلات؟!!.

ليس غريبا، والحالة هذه، أن تحتوي أغلب المسلسلات المعروضة قدرا هائلا من الـ ACTION، أو أن يتسم معظمها بطابع عنيف، إن في الرؤية الفنية أو المعالجة أو حتى في مضمون الرسالة الفنية التي يفترض تقديمها، والأهم من هذا وذاك في تشكيل وعي الشباب بصورة خاصة.

هنا يبدو التساؤل مشروعا حول الأسباب التي تدفع بانتقال العنف من laquo;سطوة الجسد الغريزيraquo; إلى laquo;قسوة الجسد العنيفraquo; خاصة، وأن المناخ العام تشوبه لغة الحرب إن لم تكن قائمة بالفعل. ألم تشكل الحرب الإسرائيلية-اللبنانية الأخيرة عاملا في الدفع بإنشاء قناة ام بي سي آكشن التي ضمت عقيب انتهائها لباقة قنوات ام بي سي؟!!.

ألا تساهم مشاهد القتل والعنف والدمار التي تدور في كل من فلسطين والعراق ولبنان وتطالعنا بها نشرات الأخبار على رأس كل ساعة في قابلية المتلقي لاستضافة جرعة جديدة من العنف الخيالي يقوم بديلا عن عنف الواقع أو هروبا منه؟!! ألا يبدو اهتمام الفضائيات بمواد العنف وكأنه بمثابة صب الزيت على النار؟!.

لقد ساهم انتقال العنف من دائرة الأفلام إلى الفيديو كليب في توسيع قاعدته بين صفوف المراهقين من الشباب. فضلا عن عدم اقتصاره على نوعية الأغاني أو بلد دون آخر، فأغنيات المطربة المصرية laquo;مي كسابraquo; تنتهي عادة، وفي مشهدها الأخير، بحملها هي وحبيبها على ناقلة إسعاف!!.

مثلما يغلب العنف على نوعية الأغنيات الشعبية، فأغنية laquo;حواraquo; السورية للمطرب ربيع الأسمر، على سبيل المثال، تحكي قصة الدنجوان العاشق المخدوع الذي اكتشف لتوه أن زوجته خانته مع شريكه الأجنبي، ومن ثمة يستعين بشلة laquo;بلطجيةraquo; مأجورين لضرب الزوجة وعشيقها والذي يسقط مضرجاً بدمائه، ليسحق رأسه حذاءُ الزوج المفجوع!!، أما حواء laquo;الخائنةraquo; فقد كان جزاؤها القتل خنقاً بعدما باغتها الزوج في الحانة تراقص بعضا من laquo;أولاد الليلraquo;!!.

الأعجب من ذلك، أن ثمة كليبات تروج لضرب من laquo;العنف الساديraquo; كأغنية المطرب اللبناني عزيز عبدو laquo;ولعت النارraquo; وفيها تعذبه حبيبته بالجلد والكي فيما هو مشدود إلى الكرسي، قبل أن تمن عليه بقبلة حانية على جبينه المهشم وقد لُطِّخَ بالدماء!!. بل إن بعض هذه الكليبات تأخذ طابعا laquo;حركياraquo; في رؤيتها لطابع العنف، فأغنية المطرب المصري مصطفى قمر laquo;خبينيraquo;، ورغم طابعها الرومانسي الجميل، إلا أن المعالجة التصويرية أبت أن تفوت على المشاهد رؤية دراما العنف الحركي أو أن تحرمه من صوت دوي الرصاص الذي يخترق مقاطع الموسيقى الحالمة!! وكأن الإثارة هي الهدف والوسيلة والغاية معا!!، وكأن العنف أصبح خيارا استراتيجيا كالسلام العربي!!. ومع ذلك، لا نزال نتساءل: ما هذا الكم الرهيب من العنف الذي بات يتشكل ويتدخل في أعمق تفاصيل حياتنا؟!.