وحيد عبد المجيد
كان في إمكان الوفد المصري المفاوض في كامب ديفيد، برئاسة الرئيس الراحل أنور السادات، أن يحقق نتيجة أفضل في المفاوضات التي غيرت مسار الصراع العربي الإسرائيلي برمته. فلم يكن اتفاقا الإطار، اللذان تم التوصل إليهما في مثل هذه الأيام قبل 30 عاماً، مجرد محطة في صراع مديد، وإنما كانا نقطة تحول جوهرية في تاريخ ذلك الصراع.
وعلى الرغم من أن laquo;إطار اتفاق لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيلraquo; أتاح إبرام معاهدة استعادت مصر بموجبها سيناء المحتلة في حرب 1967 كاملة، مازالت الشروط الإسرائيلية التي قبلها وفدها المفاوض تعطل ممارستها لبعض جوانب سيادتها على هذه المنطقة من أرضها.
وربما كان ممكناً الحد من هذه الشروط لو لم يتأثر الأداء التفاوضي المصري بالخلافات بين الرئيس السادات وبعض أعضاء الوفد الذي ذهب معه إلى كامب ديفيد، وبين هؤلاء الأعضاء أنفسهم.
وإذا صح أن قيادة منظمة التحرير تتحمل مسؤولية أولى عن تبديد فرصة مؤتمر كامب ديفيد لغيابها عنه، في رأي من يظنون أنه كانت هناك مثل هذه الفرصة، فقد ساهم الأداء التفاوضي المصري الذي أضعفته الخلافات في النتيجة الهزيلة التي انتهى إليها المؤتمر والمتضمنة في laquo;إطار السلام في الشرق الأوسطraquo;.
وقد اعترف مؤخراً الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي شمل ذلك المؤتمر برعاية كاملة، بأنه لم يبذل جهداً كافياً لوضع أساس أفضل لحل قضية فلسطين. ويعني ذلك أنه كان فى الامكان أفضل مما تم التوصل إليه، لو أن الوهن لم يصب الموقف التفاوضي المصري بفعل الخلافات في داخله. وهذا هو ما يراه د. بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية وعضو الوفد المفاوض في كامب ديفيد. وقد أشار إلى ذلك في كتابه (طريق مصر إلى القدس) قائلاً إنه كان يعتقد أن الانسحاب المتزامن على كافة الجبهات يمكن تحقيقه في كامب ديفيد لو أصر السادات على ذلك.
وبغض النظر عن سلامة هذا التقدير من عدمه، فالأرجح أنه كان ممكنا تحقيق نتائج أفضل في مؤتمر كامب ديفيد. ولكن الخلافات التي شغلت الوفد المصري المفاوض كانت أحد العوامل التي حالت دون ذلك.
وكانت هذه الخلافات، التي سبقت مقدماتها المؤتمر، ظاهرة إلى حد أن الرئيس كارتر لاحظ بعض جوانبها في وقت مبكر، وخصوصاً الخلاف بين الرئيس السادات وبعض أعضاء الوفد. كما حاول مناحيم بيغين رئيس وفد إسرائيل حينئذ استغلال هذه الخلافات حين سعى كارتر لإقناعه بإبداء شيء من المرونة. فكان يرد بأن المشكلة في الوفد المصري بسبب ما أسماه laquo;عصابة وزارة الخارجيةraquo;.
وإذا أردنا العثور على أصل أو جوهر المشكلة بين السادات وأعضاء الوفد المصري، وسط ركام الروايات الكثيرة والمتعارض بعضها، فربما نجده في الشكوك التي راودت أبرز أعضاء الوفد المصري فيما اعتقدوا أن السادات يضمره ولا يصرح به. فقد سيطر عليهم هاجس مؤداه أن السادات مستعد لقبول ما كان يُطلق عليه في ذلك الوقت laquo;حلاً منفرداًraquo;، أي تسوية لاستعادة سيناء وإغفال قضية فلسطين. ويبدو أنهما كونا هذا الانطباع قبل مؤتمر كامب ديفيد، ومنذ أن وافق السادات خلال القمة المصرية ndash; الإسرائيلية في الإسماعيلية في 27 ديسمبر 1977، على أن تعقد اللجنة المشتركة بين الطرفين اجتماعاً في القدس المحتلة، على نحو بدا مفاجئاً للإسرائيليين الذين لم يعهدوا مثل هذا laquo;الكرمraquo; حتى من حلفائهم، وفق ما ذكره زئيف شيف وايتان هابر وأيهود يعاري في كتابهم laquo;عام الحمامةraquo;. وكان ميل السادات للاستهانة بالعرب، بعد الهجوم الحاد الذي تعرض له منذ زيارة القدس، يعطي انطباعاً بأنه لا يحفل إلا بالأرض المصرية التي كانت محتلة.
كما انتاب كلا من محمد ابراهيم كامل (عضو الوفد المصري المرافق) وبطرس غالى بدرجات متفاوتة، ومن وقت إلى آخر خلال أيام المؤتمر الثلاثة عشر، شعور بأن السادات لم يكن يدرك بالضبط ما يريد تحقيقه على حد تعبير محمد إبراهيم كامل.
وكانت علاقة السادات الشخصية الوثيقة مع كارتر سبباً آخر للشكوك التي انتابت بعض أبرز أعضاء الوفد المصري بشأن سلامة موقفه. وقد تندر كل من كامل وغالي على الرئيس السادات بسبب هذه العلاقة، وخلص كل منهما بطريقته إلى نتيجة يمكن تبسيطها في أنه كان مستعداً لعمل أي شيء من أجل صداقته مع كارتر. وخصص كامل الفصل الثاني والعشرين بأكمله في كتابه عن كامب ديفيد لهذا الموضوع، وجعل عنوانه (من أجل عيون كارتر)!
ولم يكن هذا صحيحاً في معظم الأحيان. فقد اعتزم السادات الانسحاب من المؤتمر، وعزم على أن يحزم حقائبه، مرتين. كانت الأولى في مساء 10 سبتمبر حين استلم المشروع الأميركي الذي نص على أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من سيناء على مراحل. أما المرة الثانية فكانت في 15 سبتمبر عندما أصر بيغين على إبقاء المستوطنات الإسرائيلية في سيناء، بحيث تتمتع بحكم ذاتي زعم أنه لا يتعارض مع السيادة المصرية. ومع ذلك، فقد أخطأ السادات عندما تعامل مع كارتر بانفتاح زائد عن الحد إلى درجة أنه صارحه مسبقا، ومنذ البداية، المدى الذي يمكن أن يبلغه في التنازل عن الموقف الافتتاحي المتضمن في المشروع المصري حول إطار السلام.
ووجه الخطأ، هنا، هو أن المفاوض الذي يكشف أوراقه منذ اللحظة الأولى يضعف موقفه مهما كان الحق معه. فإذا بدأ المفاوض بالتصريح بنوع الحل الذي يمكنه أن يقبله في النهاية، يكون قد حرم نفسه من حرية الحركة والقدرة على المناورة في الطريق إلى مثل هذا الحل.
ويعني ذلك أن السادات أضعف قدرة الوفد المصري على إجراء أفضل مساومة ممكنة، في الوقت الذي اعتقد أنه يدعم هذه القدرة عبر الحفاظ على العلاقة الطيبة والوثيقة مع الوسيط الأميركي أملا في أن يمارس هذا الوسيط ضغطاً على الطرف الآخر (إسرائيل).
غير أن كبار أعضاء الوفد المصري الذين اختلفوا مع السادات، وعلى رأسهم كامل وغالي، لم يطرحوا بدائل محددة أو على الأقل واضحة في رواياتهم عن ذلك الخلاف. كما لا يبدو من هذه الروايات، وغيرها، أن حواراً جاداً حدث بين السادات وأعضاء الوفد المصري في كامب ديفيد. ولذلك فالصورة التي يمكن استخلاصها من مجمل روايات وشهادات أعضاء الوفد، ومما رواه آخرون من أعضاء الوفد الإسرائيلي، هي أن الأداء التفاوضي المصري كان أقرب إلى العشوائية منه إلى العمل المنهجي المنظم والمدروس جيداً
وتبدو هذه نتيجة لا مفر منها لضعف تقاليد إدارة الخلافات على مختلف المستويات وعدم القدرة على العمل ضمن فريق، وعدم وجود سوابق لخلافات بين رئيس الجمهورية (وهو من هو في قمة الهرم السلطوي في دولة شديدة المركزية) ومن يعتبرهم معاونين أو مساعدين له، وعدم إدراكه الطابع الخاص جداً بل الاستثنائي لمفاوضات شديدة الحساسية بالنسبة إلى هؤلاء أو كبارهم على وجه التحديد، ونوع اللحظة التاريخية التي أجريت فيها تلك المفاوضات والأجواء بالغة التوتر التي أحاطتها بسبب المعارضة الواسعة لها والتي انطوى جانب منها على عنف لم تكن له سابقة في العلاقات العربية ndash; العربية.
وبالرغم من عدم وجود ما يؤكد تعمد السادات إخفاء معلومات عن أعضاء الوفد، فنادراً ما كان يبلغهم تفاصيل ما دار في جلسات ثنائية بينه وبين الرئيس أو وزير الخارجية الأميركي. وتفسير ذلك أنه لم يتعود على التعامل مع معاونيه بشفافية، ولم يدرك في الوقت نفسه أن ما قد يجوز في الإدارة اليومية العادية للسياسة الخارجية لا يصح في مفاوضات شديدة الحساسية.
وزاد من حدة هذه المشكلة أن السادات كان ينتابه من وقت إلى آخر شك في مدى التزام بعض معاونيه بالقواعد المرعية في أداء عملهم، وخصوصاً من زاوية الاتصال بشخصيات مصرية لم يكن يطيقها ويعتبرها من المعارضة. وينطبق ذلك على محمد إبراهيم كامل وعضو آخر في الوفد المصري في مؤتمر كامب ديفيد هو نبيل العربي الذي كان يرأس الإدارة القانونية في وزارة الخارجية في ذلك الوقت.
وليس هذا إلا قليلاً من كثير من مظاهر الخلافات في داخل الوفد المصري، والتي لم تكن كلها بين رئيسه وأعضاء فيه، وإنما كان جانب منها بين هؤلاء الأعضاء بعضهم البعض، وعلى رأسهم كامل وغالي اللذان ذهبا إلى المفاوضات دون أن يعلم أحدهما ما أعده الآخر.
فقد استُبعد غالي من مجموعة العمل التي كونها كامل للإعداد للمؤتمر. وبالرغم من أن العلاقة بينهما لم تكن عدائية، فقد شابها الحذر المتبادل عادة بين من تتداخل مهام مناصبهم.
ولذلك فلم يكن غريبا، بل ربما كان طبيعياً في ظل هذه الأجواء، أن يفشل الوفد في الحفاظ على تماسكه عندما وصل المؤتمر إلى ما اعتبره العالم كله نجاحاً كبيراً. فقد أصر كامل على الاستقالة وإعلان معارضته ما قد تم التوصل إليه، وقد رفض إرجاء ذلك حتى يعود الوفد إلى القاهرة لكي لا يضطر إلى حضور مراسم التوقيع في حديقة البيت الأبيض.












التعليقات