سلام خياط
أقرأ في كتاب الأئمة الأربعة، للدكتور مصطفى الشكعة، الذي شغل كرسي أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة عين شمس، وتقلّد منصب عميد كلية الآداب فيها، قبيل أو إبان نشر الكتاب العام 1979.
الكتاب بحث علمي منهجي نزيه، مؤصل بالأسانيد والمراجع، يتناول بصبر وعمق وتجرّد سير ومناهج الأئمة الأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، فيذكر مرابض مولدهم ونشأتهم وأصولهم وأحسابهم وأنسابهم وتلامذتهم وشيوخهم ومريديهم، ويعرّج على مواقفهم من الخلفاء وحكام ذاك الزمان، ويمر على ما اشتهر من فتاواهم ومسارات أسفارهم.
لا أدّعي معرفة بالمؤلف، ولا أدري إن كان حياً لأدعو له بالسلامة وطول العمر، أو راحلا فأستنزل على روحه شآبيب الرحمة.. كذلك لا أنوي الترويج لكتاب، لربما، لم يبق منه على رفوف مكتبات المرحلة الراهنة أثرٌ يذكر، وقد نجد نسخاً منه قابعة في ركن معتم في أقبية وأدراج الأرشيف. لكن موجات العنف وتصعيد النزعات العرقية والطائفية التي تجتاح أصقاع الأرض، من تخوم باكستان وكهوف أفغانستان، ومرابع لبنان وأرض الرافدين واليمن و.. و.. مرورا بكل الأمصار التي تتناحر فيها الطوائف باسم الدين والمذهب والعرق، إلى جانب تصاعد وتائر فتاوى الفقهاء المعاصرين، من تضييق في الرؤية وضبابية في الأفق، والحض والتحريض السافر والخفي على المزيد من العنف. كل ذلك يقتضي، بل يوجب على كل ذي بصر وبصيرة، التصدي للظاهرة النشاز، والجهر بعالي الصوت بحجب أو تقليص أو تقنين سطوة الإفتاء على البسطاء والعامة، بعد أن ازدهر سوق الفتاوى، وادعى أبوّتها أكثر من أب، وتبنّتها أكثر من حاضنة، ولاسيما أن الفتاوى في معظمها توصد باب العقل، تعسّر ولا تيسّر، توهم لا تهدي ولا ترشد.
الأئمة الأربعة الأخيار وأساتذتهم وتلاميذهم وتابعوهم يوم جلسوا للفتوى كان حضورهم ضرورة حياتية ملحّة، وكان مفهوما ومبررا أن يجلس الفقيه طوال يومه، يُستفتى فيُفتي، يُسأل فيجيب، وكانوا كلهم، هم ومشايخهم ورواد مجالسهم ينزعون للتيسير في أمر دينهم لتستقيم للعباد أمور دنياهم. إن يوما من أيام الإمام الشافعي، مثلا وليس حصرا، تفصح عما كان يحتمه وجود الفقيه من ضرورة وخطورة أيضا؛ كان للشافعي حلقة في المسجد الحرام في مكة، حين يكون في مكة، وثانية بالمسجد الكبير في بغداد، حين يكون في بغداد، وغدت حلقته أكبر وأرحب في جامع عمرو بالفسطاط في مصر، وكانت حلقة متنوعة العلوم والمعارف.. فما يكاد يفرغ من صلاة الفجر حتى يجيئه أهل القرآن يسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا ليحضر أهل الحديث يستفتونه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا لتتحول الحلقة للمناظرة والمذاكرة، يعقبهم أهل العربية والعروض والشعر حتى يؤذن بانصراف النهار. كان وجود الفقيه وفتاواه ضرورة قصوى يوم لم يكن ثمة قوانين وضعية تنظم العلاقات العامة والخاصة في حياة الأفراد والجماعات والمجتمع، غير أحكام القرآن الكريم والحديث والسنّة النبوية، وكان لا بد، والحياة متجددة كل يوم بل كل ساعة، أن يجدّ جديدٌ في المعاملات والعلاقات، ولكل جديد أحكام، وكان أولئك الأخيار يلجؤون بعد مستحكم آيات القرآن الكريم، لصحيح الأحاديث، ثم للسنّة النبوية، فإن لم يجدوا لجؤوا للإجماع والقياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة، ثم.. ثم إعمال الرأي والفكر فيما لا يوجد عنه نص ولا يلحق به قياس. كان وجود الفقه، والفتاوى، مبررا يوم لم يكن هناك مطابع ولا آلات استنساخ ولا إذاعات ولا فضائيات، ولا هواتف محمولة ولا شبكات إنترنت.. إلخ.
كان وجود الفقيه ضرورة يوم لم تكن العلوم ميسّرة ولا وجود للمدارس والجامعات ومراكز البحوث، يوم لم يكن قد ولد نيوتن أو داروين ولا أينشتاين ولا مدام كوري ولا فيثاغورس ولا غاليلو ولا كوخ مكتشف عصيات السل، ولا الذي (نسيت اسمه) مكتشف البنسلين، أو مكتشف أشعة الليزر وأختيها تحت الحمراء وفوق البنفسجية، كان ذلك قبل الفتح المبين بالضلوع بعلم الجينات، وقبل النبوغ في تشريح فصوص الدماغ وإدراك سطوة العقل.
كان انتشار الفقهاء في أمصار الأرض إثر الفتوحات الإسلامية معقولا، (يقال إن عددهم جاور الواحد والعشرين فقيهاً، معظمهم من أصول فارسية سوى اثنين من العرب، هما النخعي والشعبي)، وقد فات على الكثيرين أن إمام السنّة، أبو حنيفة، والذي ينسب إليه علم الفقه، كان من أصل فارسي واسمه الكامل: النعمان بن ثابت بن المرزبان. فلئن كان انتشار الفقهاء وازدهار شجرة الفتاوى، مبررا ومقبولا في ذاك الزمن البعيد، فإنه يثير الشبهات في الوقت الراهن الذي ينشطر فيه (الفقهاء والمتفيقهون) انشطار الأميبا، حتى قيل إن الفتاوى صارت تباع وتشترى، وتخضع للعرض والطلب، ويقترع على سطوتها وتأثيرها على العامة والبسطاء، كما يقترع على الحصان الرابح في حلبة السباق.. أو في المقهى على لعبة النرد.
















التعليقات