محمد خرّوب
يتوقف السودانيون عند محطات وتواريخ عديدة، وهم في كتابهم السياسي والوطني المعاصر، سيضيفون الرابع من اذار 2009، الى تلك المحطات التي اسهمت في شكل او آخر، سلباً او ايجاباً في سودان ما بعد العام 1956 بما هو عام الاستقلال الناجز بعيداً عن ذلك التاريخ الملتبس والغامض والمفتوح على قراءات عديدة قبل ذلك العام اياً كانت التوصيفات واياً كانت التسميات واياً كانت الارتباطات بمصر شمالاً ام بالامبراطورية التي لم تكن تغيب الشمس عن اراضيها الممتدة عبر المحيطات وعلى مساحة المعمورة..
وسيكون ذلك العام عام استقلال السودان 1956، هو عام دفن تلك الامبراطورية التي شاخت وآن ان يعود المستعمرون الانكليز الى حجمهم الطبيعي الذي لا يتجاوز حدود جزيرة مقيمة على مياه الاطلسي تقع بين اوروبا (الاقرب اليها) واميركا الشمالية التي كانت مستعمَرة لها، ما لبثت احدى دولتيها (الولايات المتحدة) ان وضعتها تحت عباءتها وبدا قادتها الجدد (بعد افول شمس الامبراطورية) مجرد اتباع لواشنطن وكان توني بلير على وجه التخصيص اكثر الذين ابدوا طاعة عمياء لقرارات الادارة الاميركية الراحلة .
لم نبتعد عن الحال التي سيدخلها السودان اليوم بعد ان يصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر حسن البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور.
سيثير القرار - وكما هو متوقع - ردود فعل عديدة، متباينة ومتناقضة، بين مرحب ومندد، بين مبتهج بأن العدالة الدولية تشق طريقها في المشهد الدولي الراهن وان سياسة الافلات من العقاب قد انتهت لصالح الانتصار لحقوق الانسان والضعفاء وغيرها من المصطلحات والتصريحات والمفردات، وسيكون هناك - وخصوصاً في بلاد العرب - من يرفض قراراً كهذا ويمنح لنفسه مساحة اضافية للحديث عن ازدواجية المعايير وتسييس قضية دارفور لاسباب لا تخفى على احد وربما - بل من المؤكد - ان تجد بين العرب من يتحدث في شكل خجول ويحاول امساك العصا من المنتصف كما يحدث منذ عقدين تقريباً في بلاد العرب، بعد ان وصلت الخصومات بينهم الى درجة العداء، وبعد ان بددت الانقسامات الافقية والعامودية ما تبقى من توقعات او آمال باحتمال رأب الصدوع او التجسير على الهوّات التي باتت تفصل بين معظم الانظمة العربية وشعوبها واحياناً بين نظام ما وشعبه وانظمة اخرى نجحت في جلب شعوبها الى دائرتها بسياسات ومقاربات عديدة تبدأ بالعصا ولا تنتهي بالجزرة، وما بينهما كثير في انتهاك حقوق الانسان وتغييب الدساتير والدوس على القوانين وقمع الحريات العامة وتغذية الانقسامات الداخلية على اسس طائفية ومذهبية وجهوية وغيرها من تلك الاساليب التي تتفتق عنها ادمغة مفكري ومنظري ووعاظ بعض تلك الانظمة..
قد يكون الثاني من آب 1990 (غزو الكويت) البداية الحقيقية لتكريس الانقسام او اشهاره في الصفوف العربية، وللمتابع والمدقق ان يلحظ المحطات العديدة والكوارث التي تلاحقت في المشهد العربي تفتيتاً وانقساماً وتناحراً وتباعداً واختلافات، بعضها مفتعل لخلق المزيد من المبررات والاعذار للاستقالة من العروبة والتخلص من همومها، وكان مؤتمر مدريد 1991 الذي تلا حرب تحرير الكويت هو الترجمة المباشرة والخطوة الاولى على طريق التيه الذي يتواصل عربياً حتى الآن..
ما علاقة كل ذلك باليوم، أي الرابع من اذار 2009؟.
لأن العرب، بدءاً من اليوم سينقسمون على هذه القضية، وليس مهماً ان المتهم هو رئيس جمهورية ما يزال على رأس موقعه ام لا، وليس مهماً معرفة اسباب تقدم مسألة دارفور جدول الاعمال الدولي في سرعة قياسية فيما تهمل قضايا اخرى او يجري الطمس عليها وتغييبها او النظر الى وقائعها على انها لا ترقى الى مرتبة الدخول الى اروقة المحكمة الجنائية الدولية وتعيين مدع عام خاص لها، وبالتأكيد لن يكون مهماً او مؤثراً ان يكون السودان غير مُوَقِّع على معاهدة روما وبالتالي ليس عضواً في هذه المحكمة.
انقسام العرب سيكون في الفقه القانوني، الذي لا يبرع فيه عرب اليوم ولم يكن ذات يوم موضع اهتمامهم، لكنها الموضة في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة وهي ايضاً طقس من طقوس مرحلة ما بعد الحادي عشر من ايلول..والحرب الاميركية على الارهاب.
لكن الذي سيكون مؤكداً اعتباراً من اليوم، هو تواصل خروج العرب من التاريخ واستمرار فشلهم في استيعاب طبيعة ما يدور على الساحة الدولية من الاعيب ومناورات وصفقات واحبولات وافخاخ يجري ترتيبها او افتعالها بهدف تأمين مصالح استراتيجية واخرى اقتصادية وثالثة ثقافية، وهو ما اكدته احداث دارفور والطريقة الفجة والفاشلة التي تعاملت بها امة العرب منذ اندلاعها وهنا لا يمكن اعفاء اي جهة من مسؤولياتها في ايصال الامور الى هذه المرحلة بعد ان اعتقدت ان المزيد من العناد سيؤتي اكله..
ما بعد الرابع من اذار (سودانياً) ... لن يكون ما قبله.
ماذا انتم فاعلون ؟
















التعليقات