سليمان الهتلان
في مهرجان طيران الإمارات الدولي للآداب الذي للتو اختتمت فعالياته في دبي، حضرت جلسة عن الرواية العربية شارك فيها ثلاثة من laquo;عمالقةraquo; الرواية العربية: إبراهيم الكوني، جمال الغيطاني وفاضل العزاوي.القاعة الصغيرة التي عقدت فيها الجلسة لم تمتلئ تماماً وغالبية الحضور كانوا شباباً من غير العرب. وبعد تلك الجلسة، رأيت إبراهيم الكوني على طاولة مخصصة للمؤلفين للتوقيع على كتبهم وكان الواقفون أمامه لا يتجاوزون الخمسة أشخاص. في المقابل، كان ثمة كتاب شباب، بعمل أو عملين، وكانت نظرات الإعجاب تطاردهم والمعجبون والمعجبات يلاحقونهم.
في اليوم التالي، رأيت إبراهيم الكوني يتوكأ على عصاه وسط الممر الكبير يمشي ببطء وحيداً. كتب الكوني عشرات الروايات وترجمة أعماله إلى لغات عدة. ربما وجد الكوني احتفاء بأعماله في المناسبات الثقافية التي تقام خارج العالم العربي أكثر مما يجده في أي بلد عربي. وبالتأكيد فإن رواية الكيميائي لباولو كويلو وجدت رواجاً في العالم العربي أكثر مما وجدته كل روايات إبراهيم الكوني مجتمعة.
ما هو السر في انتشار عمل أدبي وإخفاق آخر في الانتشار؟
في عالم اليوم، لا أظن أن laquo;نوعيةraquo; الكتابة وlaquo;قيمتهاraquo; هي المعيار. إننا في عصر تلعب فيه أدوات التسويق الدور الأكبر في انتشار أي laquo;سلعةraquo;. وهناك من يتعامل مع المنتج الأدبي laquo;كسلعةraquo; وبالتالي يتم تسويقها وفقاً لتلك النظرة. هنا ليس من العدل أن نطالب الكاتب أن يتحول إلى مسوق لمنتجه الأدبي أو أن يكتب وفقاً لما يطلبه الجمهور. لكننا ؟ في المقابل ؟ لابد أن نطالب الناشر العربي أن يتعلم أدوات التسويق المعاصرة للمنتج الأدبي الرصين. فهل لا بد من رواية تحكي تفاصيل laquo;الشمraquo; كي تكون رائجة؟
في مهرجان الآداب في دبي، رفض جمال الغيطاني فكرة laquo;قائمة الأكثر مبيعاًraquo; للكتب معتبراً إياها تسويقاً رخيصاً للمنتج التافه. وقال إن تلك القائمة لا تعكس أبداً مستوى المنتج الأدبي وإنما هي أداة لتسويق كتب المشاهير من ممثلين ونجوم التلفزيون.
وهو مخطئ في تعميمه فما أكثر الكتب الفكرية والسياسية والفلسفية التي تدخل قوائم الكتب الأكثر مبيعاً المحترمة مثل قائمة النيويورك تايمز وغيرها. صادف أن كان الفيلسوف الأمريكي اللبناني نسيم نيكولاس طالب، صاحب نظرية laquo;البجعة السوداءraquo; متواجداً في المهرجان.
وكتابه الشهيرlaquo; البجعة السوداءraquo; ما زال يتصدر قائمة المبيعات في العالم إذ بيع منه حتى الأسبوع الماضي مليوني نسخة وهو أكثر الكتب مبيعاً في الصين اليوم. هذا الكتاب الصادر عام 2007 يتناول أفكاراً فلسفية معقدة وتنبأ ؟ في سياق نظرية البجعة السوداء التي ابتكرها نسيم طالب ؟ بحدوث الأزمة المالية الراهنة مما ساعد اليوم في رواجه.
والمؤلف، نسيم طالب، أكاديمي وفيلسوف رصين فهل أساء له تصدر كتابه قوائم الكتب الأكثر مبيعاً؟ على العكس من ذلك تماما فقد ساعدت شهرة كتابه في laquo;الترويجraquo; لأفكاره حول laquo;العشوائيةraquo; والتنبؤ بحدوث الأقل احتمالا! وهو على الرغم من كل ما تحقق لكتبه من انتشار واسع في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الرصينة حريص جداً على المتابعة وحضور المؤتمرات واللقاءات في أماكن كثيرة من العالم. إنه ؟ بمعنى آخر ؟ يباشر بنفسه التسويق لأفكاره وكتبه وهو الثري الذي يكسب الملايين في الوقت الذي يخسر فيه عمالقة الاقتصاد العالمي والمفكر الشهير الذي يتألق في وقت تهافت نظريات اقتصادية كبرى بفعل أزمة المال العالمية!
و هنا أكرر السؤال: كيف يمكن أن نسوق للكتاب العربي الرصين بما يزيد من انتشاره في العالم العربي وخارجه؟ كيف تتسع مساحة القراءة من دائرة laquo;النخبةraquo; إلى قطاع أوسع من المجتمع؟ هل هي مهمة الكاتب أن يسوق بنفسه لكتابه أم أنها مسئولية الناشر أن يعفي الكاتب من معمعة التسويق والترويج لمنتجه الأدبي كي يتفرغ للإبداع ويضمن انتشارا واسعاً ولائقاً لكتبه وفكره؟
دور النشر في الغرب عموماً تتعامل مع الكاتب من خلال وكيل أعمال يتولى كافة الشئون المالية والإدارية في علاقة الكاتب بدار النشر ويعفي الكاتب من الدخول في تفاصيل مزعجة أو ثقيلة تتناول العلاقة المالية بين الكاتب والناشر وتسويق المنتج وترتيب مشاركاته في الندوات ومعارض الكتاب والمؤتمرات المهمة. ولهذا يجد الكاتب العربي، حينما تترجم أعماله إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية، تعاملاً من الناشر الأجنبي مختلفاً عما يجده من ناشر كتبه العربي، تعامل لابد أنه يشعره بالتقدير والاحترام!
لكن المناخ الفكري والثقافي في العالم العربي مختلف وأكثر تعقيداً. ولهذا على الكاتب العربي اليوم أن يترك برجه العاجي وأن يهبط إلى أرض الواقع ويتعامل مع الحقائق الجديدة في محيطه بلغة العصر وأساليبه.
وفي ذات الوقت لنا أن نطالب الناشرين العرب بتبني أدوات جديدة لتسويق الأعمال الأدبية الرصينة بأساليب معاصرة لكيلا تبقى المساحة الكبرى من laquo;حجم المبيعاتraquo; لأعمال هابطة تداعب غرائز المراهقين وتتلصص على أسرار المجتمع laquo;المنغلقraquo; دون حساب للأبعاد الفنية والقيمة الفكرية لتلك المنتجات.
وهي أيضاً مسئولية الناشر أن يعفي المثقف المحترم والكاتب القدير من ممارسات لا يجيدها سوى laquo;صبيان الصحافةraquo; تلك التي تسوق للتافه وتروج للهابط وللأسف باسم الأدب والثقافة!
هل من مبادرة للبحث في قضايا النشر وتسويق الكتاب في العالم العربي؟














التعليقات