قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة - نادية مطاوع

الخلوة الشرعية داخل السجون بين السجناء (رجالاً ونساء)، واحدة من القضايا المثارة على ساحة الرأي العام في مصر حالياً ، ووصلت إلى البرلمان، ونقابة الأطباء وجمعيات حقوق الإنسان، خصوصاً أن دراسات أكدت أن عدم تمكين السجناء من هذا أدى إلى انتشار عدد كبير من الأمراض الخطيرة داخل السجون مثل الإيدز، نتيجة لانتشار الشذوذ الجنسي بين السجناء. وهناك الآن ثلاث قضايا منظورة أمام المحاكم في هذا الشأن، بينما تقدم بعض النواب بمشروع قانون إلى مجلس الشعب المصري للسماح للسجناء بالخلوة الشرعية بنسائهم أسوة بما يحدث في عدد من الدول العربية الأخرى والأوروبية.
أصدر مركز laquo;ماعتraquo; للدراسات الحقوقية في القاهرة دراسة عن تقنين الخلوة الشرعية في ظل السياسات الإصلاحية في السجون المصرية، أكد فيه أن عدم تطبيق هذا النظام في السجون أدى إلى انتشار الشذوذ الجنسي بين السجناء، مما أدى بدوره إلى انتشار أمراض خطيرة بينهم أشهرها الإيدز. واعتبر التقرير إلى أن أحوال السجون في كثير من البلدان العربية ومنها مصر تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، مما يفقدها دورها الرئيس كمؤسسة للإصلاح والتهذيب، كذلك حذر تقرير أصدرته لجنه حقوق الإنسان البرلمانية في مجلس الشعب المصري من سوء الأوضاع داخل السجون، وانتشار مرض الإيدز فيها نتيجة للشذوذ الجنسي بين السجناء، وتتفق هذه الدراسات والدراسة التي أجراها من قبل الأستاذ في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتور أحمد المجدوب، أكد فيها أن نسبة الشذوذ في السجون تصل إلى 40 % وكذلك دراسة أخرى أجراها الدكتور ظريف شوقي في المركز نفسه، أكدت أن الحرمان الجنسي للمسجونين يدفعهم إلى القيام بسلوكيات شاذة، وقد يُكره المسجون على ممارسة هذه الأفعال في البداية من خلال العنف أو التهديد، ولكنه يقبل عليها بعد ذلك، وتصبح مرضاً متمكناً منه، وأشارت الدراسة إلى أن هذا المرض يزداد بين السجناء بسبب الحرمان من النساء.
حرمان جنسي
يوجد داخل السجون المصرية حوالي 600 ألف سجين وسجينة، موزعين على 44 سجناً منهم 455 ألفا متزوجون، وأكد رئيس الجمعية العربية للإصلاح الجنائي محمد زارع أن السجون المصرية مثلها مثل عدد كبير من السجون العربية تعاني من مشكلات التكدس وسوء أوضاع المساجين داخلها، وانعدام الرعاية الصحية والاجتماعية، ونتيجة لهذا ظهرت حالات الشذوذ بكثرة داخلها، ولهذا صار من الضروري إقرار مبدأ الخلوة الشرعية داخل السجون للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة التي تؤدي إلى انتشار الأمراض بين السجناء وأخطرها الإيدز، كما أنها تجعل السجين يفشل في ممارسة حياته الطبيعية بعد الخروج من السجن، كما أن حرمان زوجة السجين من ممارسة حقها الشرعي مع زوجها يدفعها إلى طلب الطلاق، وبالتالي تنهار الأسرة كلها، وأضاف لهذه الأسباب طالبنا مراراً بضرورة إقرار مبدأ الخلوة الشرعية داخل السجون المصرية، أسوة بما يحدث في سجون السعودية والكويت والمغرب وموريتانيا، ولا ينطبق هذا المطلب على السجون المصرية فقط، بل لابد من تطبيقه في سجون الدول العربية التي تعاني من المشكلة نفسها مثل تونس والأردن وسورية والجزائر وغيرها.
دعاوى قضائية
المحامي منتصر الزيات تقدم بثلاث دعاوى قضائية نيابة عن ثلاث من زوجات السجناء السياسيين، يطالب فيها بمنحهن الحق في لقاء أزواجهن في السجون، واستند الزيات في دعواه إلى فتوى دينية أصدرها مفتي مصر السابق الدكتور نصر فريد واصل، وفتوى أخرى أصدرها المفتي الحالي الدكتور علي جمعة تبيح الخلوة الشرعية للسجناء مع زوجاتهم، بل إن الدكتور علي جمعة أباح في فتواه الزواج داخل السجن، واستندت الفتاوى إلى أن العقوبة في الإسلام شخصية لا تتعدى الجاني إلى غيره، وأكدت أن الخلوة بين المسجون وزوجته ليست ترفيهاً بل هي واجب كالصلاة والصيام، لأنها تحقق الغرض من الارتباط بالزواج وهو بناء أسرة سليمة اجتماعياً، ووجود نسل صالح مما يحقق هدفين، الأول هو توبة السجين توبة نصوحاً نظراً لارتباطه بأسرته، وبالتالي سيحرص على عدم العودة للسجن مرة أخرى، والثاني هو الحفاظ على الأسرة من التفكك والانحراف خصوصاً الزوجة الصغيرة.
ساند المجلس القومي لحقوق الإنسان تلك الدعاوى القضائية المطالبة بحق السجناء سواء كانوا رجالاً أم نساء في ممارسة حقهم في الخلوة الشرعية، وهو ما دفع النائب الإخواني أكرم الشاعر إلى التقدم بمشروع قانون إلى مجلس الشعب للسماح للمسجونين الذين أمضوا أكثر من عام كامل في السجن بخلوة شرعية مع الزوج أو الزوجة في مكان خاص يعد لذلك داخل السجن مرة كل شهر، ووفقاً لضوابط تضعها إدارة السجن، إلا أن وزارة الداخلية المصرية اعترضت على هذا الاقتراح بأن تطبيق هذا المبدأ سيفرغ العقوبة السالبة للحرية من مضمونها الذي يعتمد على الإيلام والحرمان، إضافة إلى صعوبة توفير الأماكن المخصصة لهذه الخلوة، الطريف في الأمر أن وزارة الداخلية ناقشت فكرة تعدد زوجات السجين وتساءلت في ردها على نواب الشعب، هل ستحرص الداخلية على العدل بين الزوجات في هذا الحق؟ أم تترك مسألة العدل للزوج؟
انتقائية
الغريب في الأمر، أنه رغم هذا الرفض المعلن من وزارة الداخلية إلا أن الوقائع تؤكد أن الوزارة تطبق هذا المبدأ بشكل انتقائي داخل السجون، ومن أشهر الوقائع التي تثبت هذا واقعة زواج الشيخ عمر عبدالرحمن الزعيم الروحي لتنظيم الجماعة الإسلامية في مستشفى سجن ليمان طره العام 1983، ويذكر أن زوجة الشيخ أنجبت له ولده عمار أثناء سجنه، بل إن إدارة مصلحة السجون تنظم خلوة شرعية لبعض المساجين السياسيين مع زوجاتهم كمكافأة لهم حال تعاونهم مع السلطات، مثلما حدث بعد مبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف العام 1997، ويطبق هذا النظام الآن في سجون المنصورة والفيوم ووادي النطرون وطره، ويتم هذا إما في إحدى غرف عنبر مستشفى السجن، إذ توجد غرفة مغلقة يلتقي فيها الزوجان، وإما في خيمة تُقام في نهاية عنبر الزيارة إذ يختلي المسجون بزوجته لمدة محددة، يتبادل بعدها مسجونون آخرون المكان، ويكفي اليوم لستة مساجين للقاء زوجاتهم.
نتيجة لهذه الانتقائية في تطبيق هذا المبدأ زادت مطالبة منظمات حقوق السجناء، ومنظمات حقوق الإنسان بضرورة تطبيق هذا المبدأ، وبسرعة إصدار القانون الذي يسمح لكل السجناء بالخلوة الشرعية بنسائهم في السجون، ويعطي الحق نفسه للسجينات في لقاء أزواجهن أسوة بما يحدث في عدد من الدول العربية مثل السعودية والكويت والمغرب وموريتانيا، بل إن نقابة الأطباء انضمت لهذه المطالبات وأكد نقيب الأطباء الدكتور حمدي السيد في ندوة عقدتها النقابة تحت عنوان laquo;الرعاية الصحية في السجون -الواقع والمأمولraquo; أن حرمان السجناء من العلاقات الجنسية المشروعة أدى إلى انتشار الأمراض بين السجناء، ومنها الإيدز نتيجة لانتشار الشذوذ الجنسي بينهم، وقال الدكتور حمدي السيد لـlaquo;أوانraquo; إن هذه القضية إنسانية في المقام الأول، وإننا سنظل نطالب بمنح السجين حقه في لقاء زوجته لمنع انتشار الأمراض بين السجناء، خصوصاً أن هناك عدداً كبيراً من الأمراض النفسية والعضوية تنتشر بين السجناء نتيجة لحرمانهم من ممارسة هذا الحق.
ضرورة نفسية
يرى أستاذ علم النفس في جامعة عين شمس الدكتور إلهامي عبدالعزيز أن تطبيق الخلوة الشرعية للسجناء داخل السجون ضرورة نفسية، إذ إنه يساعد السجين على الإصلاح، كما أن ممارسة الجنس هي حاجة أساسية للإنسان كالطعام والشراب، وإحساس الإنسان بأنه محروم من ممارسة حقوقه الطبيعية يؤدي إلى عجزه عن التواصل مع الحياة فيما بعد، مما يجعله عرضة للإصابة بالأمراض النفسية ولا يتم إصلاحه على الإطلاق.
وبالتالي يفقد السجن أحد أهم أهدافه، كما أنه قد يؤدي إلى إصابة السجين بالأمراض النفسية كالإحباط والاكتئاب، أو إصابته بالأمراض الجنسية المترتبة على الممارسات الشاذة، إضافة إلى انتشار مرض الإيدز، وهذه الآثار لن تصيب السجناء فقط بل إنها ستمتد إلى زوجاتهم، وأضاف أن هذه الخلوة تعتبر حصانة للسجين ولزوجته.
آثار إيجابية
أما من الناحية الاجتماعية فترى أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة عزة كريم ضرورة تطبيق هذا المبدأ في السجون لما في ذلك من آثار اجتماعية جيدة إذ إنه سيؤدي إلى تقليل معدلات طلاق الزوجات السجناء للضرر الواقع عليهن من السجن أو الاعتقال، وبالتالي ستقل معدلات التفكك الأسري، كذلك ستقل معدلات انحراف الزوجات، وأضافت هذا الحق يعتبر حقاً شرعياً للسجناء مثل الطعام والشراب فهل يحرم السجين من الطعام والشراب، حتى نحرمه من هذا الحق؟
وتطالب الدكتورة عزة بأن يتم تقنين هذا الحق بحيث يسمح للسجين إذا ثبت حسن سيره وسلوكه طوال فترة السجن أن يخرج في إجازة يقضيها مع أسرته، ويمارس حقه الشرعي مع زوجته سواء في السجن أو في المنزل، وبذلك يمكننا ربط السجين بالمجتمع مرة أخرى، وتشجيع باقي السجناء على الالتزام وحسن السير والسلوك.