الإندونيسيون يعاقبون الإسلام الراديكالي 
05/05/2009
عبدالله المدني
أظهر الناخب الإندونيسي في كبرى الديمقراطيات الإسلامية مؤخراً نضجاً ووعياً لا مثيل لهما عند نظرائه في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم الإسلامي، وذلك حينما حسم أمره ومنح صوته في الانتخابات التي أجريت مؤخراً في بلاده لصالح مرشحين ينتمون لأحزاب غير إسلامية. وقد وجد الكثيرون من مراقبي الشؤون الإندونيسية في هذا التطور دليلا على مراقبة الناخب الإندونيسي لأداء نوابه مراقبة جيدة ومعاقبتهم إن استدعى الأمر بحجب صوته عنهم في الانتخابات التالية. وبعبارة أخرى، اضطر هذا الناخب أن يتحول إلى غيره بعدما وجد أن من اقترع له في الانتخابات السابقة، إما أنه غشه باسم الورع والصلاح والتقوى فيما هو في الحقيقة يعاني من الفساد والنفاق، وإما أنه باع عليه من معسول الكلام الكثير، لكن دون أن ينفذ أياً من وعوده ولا سيما لجهة الارتقاء بالمستويات المعيشية للغالبية الساحقة من المواطنين.
وإذا شئنا النفاذ بصورة أعمق إلى عالم السياسة الإندونيسية وما تمخضت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لوجدنا تراجع شعبية الأحزاب الإسلامية من 38 بالمئة خلال الانتخابات الماضية في عام 2004 إلى 26 بالمئة في انتخابات هذا العام، وذلك طبقاً لإحصاءات ومسوحات واستطلاعات المؤسسات المستقلة المعنية بهذه الأمور. ويمكن القول إن العامل الأبرز وراء تدهور شعبية الأحزاب الإسلامية إلاندونيسية - رغم بقاء تمسك الإندونيسيين بالإسلام - هو غرق هذه الأحزاب ورموزها في مظاهر الفساد والاستغلال والمحسوبية وسرقة المال العام. وهذه مظاهر عانت البلاد منها طويلا على مر العقود والأزمان منذ استقلالها في عام 1949، وفي ظل مختلف زعمائها. غير أن مأسسة الفساد ونفاذه إلى كافة أوصال مؤسسات الدولة والمجتمع والجيش، لم يحدث قط بالصورة التي حدثت في الحقبة السوهارتية (1966- 1998 ).
ومن هنا قيل إن الإرث الذي تركه سوهارتو يوم أطيح به في انتفاضة شعبية، يصعب على خلفائه حمله، كناية عن حجم ما كان قد تراكم على مدى ثلاثة عقود من الزمن من الترهل والفساد والفوضى. وقد صدق مثل هذا القول بدليل أن كل خلفاء سوهارتو ابتداء من يوسف حبيبي وانتهاء بميجاواتي سوكارنو بوتري ومروراً بعبدالرحمن وحيد، لم يستطيعوا اجتثاث الفساد، بل إن عهود بعضهم شهدت المزيد من الفساد والإفساد كنتيجة لعدم حسم الأمور أو تراخي القبضة على مفاصل الدولة أو عدم فتح قنوات الاتصال مع المواطنين إلا عبر دائرة ضيقة من الموالين.
الملايين من الإندونيسيين هم في الأساس من أتباع الإسلام المتسامح المعتدل، ولا يشغلهم سوى تحسين أحوالهم، وليس الالتهاء بأمور هامشية كالإصرار على قانون يمنع اليوجا.
ومع مجيء الرئيس الحالي سيسيليو بامبانج يودويونو خلفاً لميجاواتي تحت شعار اليد الطاهرة والكف النظيف والقضاء على الفاسدين وسراق المال العام وجلبهم للعدالة، شاع جو من الارتياح في صفوف المواطنين، سرعان ما استغله حزب quot;الرفاه الإسلاميquot; - الذي كان وقتذاك لم يمض على خروجه إلى النور سوى عامين - للتحالف مع حكومة يودويونو، على أمل إقناعها بتطبيق الشريعة الإسلامية (الهدف الأسمى لتيار الإسلام الراديكالي في إندونيسيا، رغم أن مئات الآلاف، بل الملايين من الإندونيسيين هم في الأساس من أتباع الإسلام المتسامح المعتدل، ولا يشغلهم سوى تحسين أحوالهم المعيشية، وليس الالتهاء بأمور هامشية مثل الإصرار على قانون يمنع ممارسة رياضة اليوجا أو نشر الصور والرسومات الفاحشة، مثلما دأب حزب quot;الرفاهquot; على فعله.
الغريب أن هذا الحزب الذي يحيط نفسه بهالة من المصداقية والتقوى، متهم اليوم بانغماس رموزه في قضايا رشوة وإفساد للذمم، ويجري التحقيق معهم، الأمر الذي فشل حزب quot;الرفاهquot; معه في الوصول إلى هدفه وهو الحصول على 15 بالمئة من الأصوات الانتخابية (أي أقل من 1 بالمئة من الأصوات، وهو ما لا يتيح له نيل أي مقعد برلماني) مقارنة بنسبة 7.2 بالمئة في انتخابات عام 2004. وقد حدثت هذه الانتكاسة لهذا الحزب الإسلامي الذي يزعم انه الأكبر اليوم في إندونيسيا، رغم المبالغ الطائلة التي أنفقها على حملاته الدعائية، والتي تقاطعت في بعض الأحايين من جهة الشكل والخطاب مع حملات الأحزاب العلمانية - فالهدف هو الاستيلاء على صوت الناخب بأية طريقة، ولتسقط المبادئ بعد ذلك.
جملة القول إن كل المؤشرات تؤكد بأن الفائز الحقيقي في انتخابات إندونيسيا البرلمانية لعام 2009 والتي شارك فيها 38 حزباً سياسياً متنوع الاتجاه، والتي لن تظهر نتائجها الرسمية قبل التاسع من مايو هو الرئيس يودويونو وحزبه (الحزب الديمقراطي)، وأن الخاسر الأكبر هم الإسلاميون الذين نظر إليهم في وقت من الأوقات على أنهم البعبع الذي سيجتاح هذه البلاد ويحولها إلى بؤرة للتطرف. الأمر الآخر المثير في هذه الانتخابات، هو الصورة المثيرة للشفقة التي ظهر بها حزب quot;النضال من أجل الديمقراطيةquot; بقيادة رئيسة الجمهورية السابقة ميجاواتي سوكارنو بوتري. هذه الصورة التي حتما ستحاسب عليها في يوليو القادم حينما يجتمع أركان الحزب لانتخاب قيادة حزبية بديلة. ولسنا هنا بحاجة إلى التذكير بما فعلته هذه السيدة يوم أن دانت لها السلطة على طبق من ذهب في أعقاب سقوط سوهارتو، وتواري يوسف حبيبي وتخبط عبدالرحمن وحيد. صحيح أن التركة التي ورثتها كانت ثقيلة والساحة التي وجدت نفسها فيها فجأة كانت مليئة بمتصارعين من الحجم الثقيل، والأوضاع التي وجب عليها مواجهتها كانت شاقة وصعبة، إلا أن الصحيح أيضاً هو أنها تركت الأمور دون حسم لزمن طويل وجعلت عملية صنع القرار بيد مجموعة ضيقة من المقربين واللصيقين بها داخل قصر مرديكا الرئاسي، أي فعلت تماماً ما فعله سلفها عبدالرحمن وحيد، الأمر الذي تشوهت معه صورة حزب quot;النضال من أجل الديمقراطيةquot; العلماني، بالطريقة نفسها التي تشوهت بها صورة حزب النهضة الإسلامي بقيادة عبدالرحمن وحيد. هذا الحزب الذي كان في وقت من الأوقات يحشد الملايين من الأنصار في الشوارع بإيماءة من زعيمه، بل الأمر الذي استفاد منه طرفان بارزان ساعيان إلى السلطة هما: حزب جولكار الذي كان قد أسسه الديكتاتور الراحل سوهارتو ضمن ديمقراطيته الصورية، وحزب quot;التنمية المتحدquot; الإسلامي التوجه، الذي أكمل صورة ديمقراطية سوهارتو الهزلية بالانغماس في مشاريعها مقابل بعض فتات الموائد السياسية.
ورغم أن كل المؤشرات تفيد بفوز ساحق للرئيس يودويونو وحزبه، فإن الأمر لا يخلو من بعض المصاعب أمام الأخير كنتيجة لاتهامات يروجها الخاسرون حول حدوث عمليات تزوير واسعة في الاقتراع، مستخدمين تساؤلات حول كيفية إتمام انتخابات نظيفة في يوم واحد في أرخبيل مكون من 17 ألف جزيرة ويسكنها أكثر من ربع بليون نسمة.















التعليقات