تسويق أوباما مهمة تزداد صعوبة

14/05/2009

جميل مطر

كتب لي صديق أحترم آراءه في السياسة والأخلاق وتجاربه في حقل الصحافة. يقول في رسالته إن إحساساً تسرب إليه يشي بأنني غير مطمئن كل الاطمئنان إلى نوايا الرئيس باراك أوباما. ويعتقد أنني لا أشارك كثيراً من الزملاء والمعلقين من العرب وغيرهم حماستهم للرئيس الشاب الأسمر اللامع باراك أوباما.

لم أكن أعرف أن شيئاً من قلة الحماسة في ما أكتب عن أمريكا وأوباما تسرب إلى قارئ. وعلى كل حال لا أنكر أن حماستي لهذا الرجل عندما كان مرشحاً لم تصل يوماً إلى حد الانبهار، ولذلك لم يحدث أن أغفلت أحد أو بعض معايير التحليل النقدي لظاهرة سياسية كانت في رأيي بالغة الخطورة والأهمية. هذا الإغفال حدث لكثيرين ممن يكتبون في السياسة الأمريكية ويتحدثون عبر الفضائيات أو يقدمون البرامج السياسية في القنوات الأوروبية والأمريكية. أعجبتني في الرجل خصائص عديدة، وتوقفت طويلاً أمام مسيرة صعوده والظروف التي أنضجته سياسياً، وقرأت عن مرحلة انشغاله بالعمل العام بين فقراء شيكاغو من أقرانه السود. ومع ذلك لم أتخل في لحظة واحدة عن عادة بذر الشكوك في المسلمات التي تطرحها التطورات، والتأني في الحكم على القادة السياسيين عموماً والأمريكيين خصوصاً الذين يجري وباهتمام شديد ldquo;صنعهم ثم تعليبهم قبل تسويقهمrdquo;. لم أقلل يوماً من أهمية الدور الذي تلعبه شركات الإعلان في صنع قادة أمريكا، بل على العكس جعلتها هواية من هواياتي، أن أقارن بين وضع رجل السياسة الأمريكي وبين وضعه السابق على اتخاذ قرار ولوجه إلى السياسة، سواء كان القرار قراره أو قرار غيره. وشتان ما بين الوضعين بل بين الرجلين بعد أن تغيرت مواصفات أحدهما وقسماته ولون بشرته وعينيه وشعره.

من هم هؤلاء الرجال الذين جاءوا بأوباما إلى البيت الأبيض؟ تصادف أنني شاهدت حلقة في مسلسل يعرض في قناة تلفزيونية ببريطانيا يعرض للنفوذ الهائل الذي تتمتع به شركات فن الإعلان وخبرائه، سواء في مجال السياسة أو الثقافة أو العقيدة الدينية. ليس جديداً هذا النفوذ، فقد نبهني إليه أستاذ قدير علمني قواعد علم إدارة الأعمال. كان الدكتور مليكة عريان يُحضر معه إلى المحاضرة منتجاً من المنتجات ويشرح لنا العلاقة بين حجم مبيعات هذا المنتج وحجم الحملات الإعلانية التي تصاحب عمليتي تعليبه وبيعه. كنا في تلك الأيام نطلق على أي معجون للأسنان اسم ldquo;كولينوسrdquo;، رغم أن ldquo;كولينوسrdquo; كانت ماركة بين عشرات الماركات، ولكن الإعلان استطاع أن يجعلها مرادفاً للمنتج.

تذكرت ldquo;كولينوسrdquo; ومليكة عريان وأنا أقرأ للمعلق السياسي جون بيلجر مقالاً عن بيوت الإعلان في شارع ماديسون الشهير في نيويورك ودورها في صنع الرئيس الأمريكي وتعليبه وبيعه. يذكرنا بيلجر بالإعلانات التي كانت تروج للتدخين، وكان مصممو الإعلان ومنفذوه يعلمون حق العلم حجم الخطر الناتج عنه على صحة الإنسان. ونعرف الآن وتعرف أمريكا بأسرها أن شركات الإعلان عندما روجت للسجائر كانت تعرض حياة المستهلك للخطر، وبالتالي تتحمل أو يجب أن تتحمل مسؤولية مئات الألوف وربما الملايين الذين ماتوا تحت تأثير مفعول هذه الإعلانات. ونعرف أيضاً أن هذه الشركات يجب أن تتحمل مسؤولية الكوارث التي تسبب فيها الرئيس بوش الصغير، فقد صنعته وعلبته قبل أن تبيعه لجماهير الناخبين ليكون رئيساً لأمريكا. من منا لم يقف منبهراً أمام الإعلان عن ldquo;رجل مارلبوروrdquo; في صورته التي لم تبرح خيال المدخنين وغير المدخنين على امتداد عقود متتالية.

ما أشبه أوباما برجل مارلبورو. ابتسامة ساحرة وأسنان لا شائبة تشوبها، كأسنان كل مشاهير هذه الأيام، بيضاء وخلابة وأحياناً براقة. كدنا، وبخاصة خلال الأيام الأخيرة، نتعامل مع ظاهرة أوباما كما كنا نتعامل مع رجل مارلبورو بانبهار واقتناع كامل بأن ldquo;ماركة أوباماrdquo; توحي بالثقة وتدفعنا إلى شرائها وتفضيلها على غيرها من الماركات. ولا أنكر أن جموع الشعب الأمريكي، وربما شعوب أخرى في أنحاء الكوكب، ساعدت رواج ماركة أوباما لحاجتها الشديدة إلى أي شيء يزيح عن صدرها كابوس جورج بوش وكوابيس قادة آخرين في شتى الدول. ولا ننكر في الوقت نفسه، ضخامة الحملة الإعلانية التي رافقت ترشيح أوباما وتكلفت مئات الملايين منها 75 مليوناً فقط للإعلانات التلفزيونية، بما جعلها حملة غير مسبوقة في تكاليفها وتقنياتها وإبداع خبرائها وغير مسبوقة أيضاً في نتائجها. ويكفي أنها تحدت مسيرة التاريخ الاجتماعي الأمريكي وجاءت برجل أسود وعائلته إلى البيت الأبيض.

وبعد الفوز تقاسمت شركات الإعلان وأجهزة الإعلام مسؤولية بيع الرئيس الجديد وهي مهمة أصعب من مهمة تسويق مرشح، فما كان وعوداً خلابة خلال الحملة أصبح التزامات ثقيلة، وما كان لباقة وفصاحة في العرض أصبح سياسات وقرارات، بعضها غير جذاب، وأكثرها مثير للخلاف والشقاق. وما كان فضولا ورغبة في العرف والتحقق أصبح محاسبة وتدقيقاً وتحقيقاً. وما كان إبداعاً في ابتكار أفكار وتسويق أحلام أصبح جهداً متواصلاً للإجابة عن أسئلة صعبة. كيف يستقيم مع وعود أوباما تلميح هيلاري كلينتون إلى أن الانسحاب من العراق لن يكون كاملاً وشاملاً، وأن 70 ألفاً من الجنود الأمريكيين سيقيمون على أراضي العراق لسنوات طويلة مقبلة؟ هل مازالت المؤسسة العسكرية وجماعات الضغط اليهودية مهيمنة على عمليات صنع السياسة في البيت الأبيض؟ كيف نفسر الإصرار على فتح جبهة حرب جديدة يسقط فيها يومياً عشرات الضحايا المدنيين وقد وعدتم الناس بتفضيلكم الأساليب الناعمة وكراهيتكم للحرب؟ كيف تبررون استمرار روبرت جيتس في وزارة الدفاع وهو الشريك المتضامن في سياسات بوش العدوانية وسكوته على جرائم التعذيب؟ لماذا هذه الاستدارة شبه الكاملة نحو استكمال دائرة الحرب ضد الإسلام؟ هل من تفسير لتأجيل أوباما النظر في القضية الفلسطينية والموقف من مؤتمر ديربان الثاني والتصعيد ضد إيران غير أنه لا يريد الدخول في مواجهة مع جماعات النفوذ والضغوط الصهيونية؟ هل ظهرت خلال المائة يوم علامة مؤكدة على نية أوباما في تهدئة مظاهر استمرار الحصار حول روسيا؟ لماذا عاد أوباما عن صلابته التي ظهر بها عندما تصدر الساحة السياسية في الولايات المتحدة بجملة من الأفكار الشجاعة حول إصلاح الرأسمالية؟ لماذا لم يتمكن أوباما من الاستفادة بشكل مناسب من شعبيته وصورته لتغيير سياسات غير مناسبة لبلاده في دول أوروبية وروسيا والصين وأمريكا اللاتينية؟ ولماذا لا أشعر بالاطمئنان وحولي مطمئنون عديدون؟

أشعر بأن جهوداً كثيرة تبذل الآن لإقناع الدول العربية النافذة بأن تدفع شعوب العرب جميعاً وحكوماتها لتقديم حوافز جديدة ل ldquo;إسرائيلrdquo; تتناسب وصلابة نتنياهو وكراهيته المعلنة هو ووزير خارجيته للعرب. قيل للمسؤولين العرب أن لا شيء يدفع أوباما إلى التحرك إلا إجراءات وتشريعات جماعية عربية في اتجاه التطبيع مع ldquo;إسرائيلrdquo; غير مرتبطة بأي التزام ldquo;إسرائيليrdquo; مسبق. أوباما يريد الثمن مقدماً بحجة أنه غير مستعد للدخول في مواجهة مع الكونجرس حول القضية الفلسطينية خاصة أن الكونجرس لا يطالب بأقل من تقديم ldquo;مكافأةrdquo; من الحكومة الأمريكية والحكومات العربية ل ldquo;إسرائيلrdquo; على ما تقدمه من خدمات استخباراتية عن إيران وحركات مقاومة عربية وكردية وعن الدور الذي تمارسه لإثارة المشكلات لروسيا في جوارها القريب. سيكون محك الاطمئنان من عدمه حجم الضغوط التي سوف يتعرض لها المسؤولون العرب، وأعرف أنها بدأت وأسمع أن بعضهم بدأ يعد الرأي العام في بلاده لعلاقة مع ldquo;إسرائيلrdquo; جديدة، نوعاً وشكلاً، ومنفصلة عن الحقوق الفلسطينية وجرائم ldquo;إسرائيلrdquo; وتهديدها المتصاعد لاستقلال القرار الوطني في أكثر من دولة عربية.