سراب الوحدة الفلسطينية
عبدالله يحيى المعلمي
18/05/2009
منذ أن انتهت الحرب التي شنتها اسرائيل على غزة والأمة العربية بأسرها، والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، يتطلع إلى القاهرة بانتظار نتائج مباحثات الوفاق الفلسطيني بين فتح وحماس، تلك المفاوضات التي وان لم تكن تتناول أكثر من تشكيل حكومة انتقالية تمارس إدارة الشأن الفلسطيني لبضعة أشهر يتم خلالها إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلا ان الاتفاق عليها اضحى مستعصياً بدرجة قد تفوق صعوبة التوصل إلى حل نهائي لقضية فلسطين.
وتتحدث الأوساط الفلسطينية الآن عن إعادة تعويم حكومة سلام فياض التي تعتبرها حماس غير شرعية، وتعلن حماس ان في هذا الإجراء ما يعتبر نعياً لمحادثات الوفاق، وينكس الفلسطينيون رؤوسهم خجلاً وحزناً على حال قياداتهم التي تتنازع على قيادة سلطة لا تتسلط على شيء، وحكومة لا تحكم أحداً، ودولة لها علم ونشيد وليس لها وطن أو سيادة .. وفي الوقت ذاته تقف بلايين الدولارات حبيسة المصارف لا تجد طريقها إلى مباني غزة المهدمة، ومدارسها المحروقة، ومستشفياتها المنهارة، بسبب عدم اتفاق الفلسطينيين على كيفية إدارة هذه الأموال وتوجيهها .. وفي الجانب الآخر يضحك نتنياهو ملء شدقيه وهو ينظر إلى الفلسطينيين ويقول للعالم قولوا لي مع من تريدونني ان اتفاوض؟.. ويتطلع العالم إلى المشهد الحزين، وبدلاً من ان يبادر إلى مقاطعة الحكومة الجديدة في إسرائيل، وإلى عزل وزير خارجيتها المتهم بالفساد، والمعروف بالعنصرية ، والداعي إلى التصفية العرقية للعرب في إسرائيل، بدلاً من ذلك، فانه يرفع صوته بالنداء إلى العرب بأن عليكم ان تعملوا على توحيد الجانب الفلسطيني لنعرف من هو الطرف الذي سوف نتعامل معه.
قد يتساءل المواطن العربي، وحق له ان يفعل، لماذا يفعل الفلسطينيون بأنفسهم هكذا ؟ وهل المسألة فعلاً تنحصر في الخلاف حول من يتولى هذه الوزارة أو تلك ؟ والإجابة على ذلك هي أن المسألة قد أصبحت أكبر من حجم الفلسطينيين، وان قيادات الشعب الفلسطيني قد جعلت من نفسها مخالب لخدمة اغراض أبعد وأكبر من حجم هذه القيادات، والخوف في ذلك هو ان من يحرك هذه المخالب قد يضحي بها في أي وقت عندما تتحقق مصالحه، وعندئذ يبقى الشعب الفلسطيني عارياً من أي تغطية سياسية أو شعبية لموقفه.
أبعاد القضية تعود مرة أخرى إلى الصراع العالمي على القيادة والنفوذ، هذا الصراع الذي عادت إليه روسيا بقوة في صيف العام الماضي بحربها على جورجيا، وبدأت تحاور أمريكا حول مقايضة تاريخية تعترف بموجبها أمريكا لروسيا بالنفوذ في وسط آسيا وتكون أوراق التبادل منصبة على إيران وأوكرانيا، وضمن هذا الإطار فإن إيران تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي وتتمسك بأوراقها المتمثلة في حماس وحزب الله وفي تحالفها مع سوريا، وهي ليست في وارد التخلي عن أي منها دون مقابل صريح.
هذه الأوراق المتشابكة والمتماسكة والمترابطة والتي يزيد من تعقيدها الوضع الاقتصادي المهزوز للولايات المتحدة ودول الغرب، تتيح الفرصة لإسرائيل للنظر في مغامرة عسكرية ضد إيران تسعى من خلالها إلى تحقيق ثلاثة أهداف .. أولها فرض رؤيتها الذاتية للتسوية على أرض الواقع في فلسطين وانهاء فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية والاستعاضة عنها بسلطة وطنية محدودة الإطار على قطع متناثرة من الأرض في غزة والضفة الغربية مع سيطرة كاملة لإسرائيل على الموارد الطبيعية والمائية والأماكن المقدسة والمستوطنات .. والهدف الثاني هو تدمير البرنامج النووي الإيراني وإزالة ما تعتبره إسرائيل خطراً محتملاً عليها .. والهدف الثالث هو تقديم إيران هدية لأمريكا واعفاء أمريكا من مسئولية التعامل العسكري مع هذه القضية وبالتالي إتاحة الفرصة لأمريكا للتفاوض مع روسيا من واقع عسكري وسياسي جديد يساعدها على فرض رؤيتها على مستقبل شرق أوروبا ووسط آسيا وتقليص النفوذ الروسي في أوكرانيا وجورجيا ودول القوقاز المستقلة.
استمروا أيها الاخوة الفلسطينيون في ترتيب المقاعد على سفينتكم الغارقة .. واعلموا ان التاريخ لن يرأف بكم، وانكم سوف تصبحون الجيل القيادي الذي انتهت على يديه القضية !!














التعليقات