02/07/2009

مراجعات فقه الجهاد لـالقرضاوى: الجهاد فرض كفايةوالشيعة وضعوه فى أركان الإسلام

القاهرة - ماهر حسن



من المتوقع أن يثير هذا الكتاب جدلا واسعا بين التيارات الدينية على مختلف أطيافها وتوجهاتها، حول فكرة الجهاد وفلسفته، لأنه يتقاطع مع القراءات المعاصرة للجهاد، خاصة تلك التى يتبناها تيار الإسلام السياسى، وعلى غرار كتابه الأسبق laquo;فقه الزكاةraquo; جاء هذا الكتاب للدكتور يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، بعنوان laquo;فقه الجهاد.. دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته فى ضوء القرآن والسنةraquo;، والذى نشرته مكتبة وهبة فى جزأين، وتنشره laquo;المصرى اليومraquo;.

والكتاب يقدم مراجعات لفلسفة الجهاد ومفاهيمه، التى ظلت ملتبسة أو تم تطويعها على نحو متعسف وربطها عنوة بما هو سياسى على يد الجماعات الإسلامية التى كثيرا ما رفضت أفكار القرضاوى ثم عادت فى مراجعاتها لتتفق معها، وعلى حد تعبير القرضاوى نفسه، فإن هذا الأمر كان من الأسباب الرئيسية التى دفعته للعكوف ٧ سنوات لإنجاز الكتاب.

كنا فى الحلقتين السابقتين قد بدأنا قراءتنا فى أحدث كتب الدكتور يوسف القرضاوى (فقه الجهاد) قبل طرحه فى الأسواق بيومين أو أكثر ليس فقط من قبيل أن يكون لنا قصب السبق، وإنما للأهمية البالغة لهذا الكتاب الضخم الذى نعتبره laquo;كتاباً عمدةraquo; فى كل مايتعلق بفكرة الجهاد، من حيث مفهومه وأهدافه ومشروعيته وأصوله الفقهية المردودة للقرآن والسنة والسلف الصالح وآراء الفقهاء والعلماء الأوائل والمحدثين .

وتكمن أهمية الكتاب أيضاً فى أن صاحبه عالم جليل من الذين نذروا أنفسهم للعلم وأوقفوا حياتهم على الجهاد، وتتعاظم أهمية الكتاب فى كونه يعرض لصحيح الدين على نحو معتدل لامغالاة فيه ولا تطرف ولاتعصب لرأى دون الآخر إزاء القضايا ذات الصلة بالشأن الفقهى والحياتى،

لأن ماورد فيه من طروحات تفض الالتباس والعور، كما أن هذه الطروحات جاءت حول شؤون ظلت لعقود مثار جدل واختلاف وتنازع فكرى ولم تكن بمعزل عما استجد على الأمة العربية من مخاطر ومزالق واستهدافات.

نجمت عن ميلاد وبزوغ جماعات إسلامية متباينة ومتبنية نظرة أحادية الجانب استأثرت لنفسها بالصواب كله، والتى ظنته جهاداً منفلتاً من عقال أى ضوابط إسلامية، وقد انتحت هذه الجماعات جانباً من هموم وقيم اجتماعية وفقهية أصيلة للقرآن والسنة،

وظلت تتعسف فى اجتزاء ما يتوافق وأهدافها من القرآن والسنة، ومما يعمق ويعمم الفائدة من الكتاب أنه يؤسس - من منظور الاعتدال- لما يسمى حوار الحضارات والأديان والثقافات ويدعو للتخلى عن الجمود فى المواقف والأفكار سواء من جانبنا أو من جانب (الآخر).

وعلى ذلك فقد قدم القرضاوى مراجعات تاريخية وفقهية لفكر تلك الجماعات الدينية فى الداخل والخارج، التى اتخذها الآخر تكأة لوصم الإسلام بالعنف والإرهاب وعدم القبول بالآخر واعتباره عدوا طوال الوقت، غير أن القرضاوى لم يسم جماعة الإخوان المسلمين رغم ماينطبق عليها من توصيف الإسلام السياسى، كما دقق مفهوم الجهاد وضروراته ومحظوراته.

وفى الحلقتين السابقتين أحال القرضاوى فكرة الجهاد لأصولها الفقهية، مدققاً معناها ومغزاها بين القرآن والسنة، ومواقف الراشدين مثل أبو بكر وعمر بن الخطاب وكيف تعاطى الراشدون مع فكرة الجهاد قولاً وعملاً، فضلاً عن أقوال وآراء الأئمة والأمة بين إسقاط الجهاد أو المغالاة فيه، وهى فى مواجهة عدو متربص يلتمس الرائع ويختلق التهم للإجهاز على الأمة ،

وبالطبع لم يفت الدكتور القرضاوى أن يقدم قراءة نقدية لأفكار اثنين من أهم الكتاب والمفكرين الإسلاميين التى استمدت منهما جماعات الإسلام السياسى سياقها الفقهى والفكرى العام، وهما سيد قطب وأبو الأعلى المودودى .

ذكر القرضاوى ثلاث فئات لكل منها رؤية مختلفة للجهاد ( فئة تعلن الحرب على العالم كله، وفئة وسطية، وثالثة تريد إخماد جزوة الجهاد كلية)، كما عرض لنماذج من الجماعات التى تبنت فكرة الجهاد على نحو متطرف، ثم قام بعضها بمراجعة أفكارة وبعضها ظل ثابتاً على مغالاته لم يبرحها، مثل تنظيم القاعدة الذى لم يراجع قناعاته منذ تأسس وإلى الآن،

بل تمنى القرضاوى على هذا التنظيم أن يتأسى بما فعلته الجماعات الجهادية فى مصر والجزائر من مراجعات، ولأن الكتاب تقاطع مع هموم راهنة وملحة ساد فيها الالتباس والتخبط على أكثر من صعيد، ولتعميم الفائدة من كتابه، حدد القرضاوى الفئات التى يتوجه إليها بهذه الدراسة الجامعة، وهم علماء الشرع وأصحاب فكرتى حوار الثقافات والأديان والحقوقيون من المشرعين القانونيين والدستوريين والمؤرخون الإسلاميون والجماعات الإسلامية التى تأسست على فكرة الجهاد وجماعات الإسلام السياسى، والمفكرون المهتمون بالفكر الإسلامى والسياسيون وصناع القرار فى العالم.

ودعا القرضاوى لترجمة الكتاب ليقرأه الآخر فيقف على ما للإسلام من اعتدال، ويعلم أنه براء من تهمة العنف ونبذ الآخر إجمالاً، وعدم القبول بإقامة جسور للحوار معه .

كما دعا القرضاوى العسكريين فى الداخل والخارج، وكذلك المثقفين والمستشرقين لقراءة هذه الدراسة، ثم عرض لحقيقة ومفهوم الجهاد وحكمه شرعاً، وهل هو فرض أم تطوع، وبماذا يتحقق فرض الكفاية فى الجهاد ومتى يكون فرض عين، وكيف يتحقق أداء فرض العين فى الجهاد وتحدث عن جهاد الدفع وجهاد الطلب، فالأول ndash; حسب قوله - مرتبط بمقاومة العدو إذا دخل أرض الإسلام واعتدى على أهلها، والثانى هو مبادرة العدو فى عقر داره لتوسيع أرض الإسلام .

وعرض القرضاوى للجهاد إذا كان يتبع المعاملات أم العبادات والنحو الذى يأتى عليه إذا كان قتالاً، كما أن اعتباره من المعاملات لا يفصله عن الدين، وفى حلقتنا الثالثة هذه نواصل القراءة فى فقه الجهاد كما عرض له القرضاوى .

يقول الكتاب laquo;إن شريعة الإسلام فى شؤون العبادة تفصِّل وتحدِّد وتنظِّم، لأنها لا تتغيَّر كثيراً بتغيُّر الأزمان والبيئات والأحوال، وفى شؤون المعاملة تدع مجالاً رحباً للعقل المسلم، ليجتهد ويجدِّد ويضع الأُطر والتفصيلات حسب حاجات الزمان والمكان، وما يقتضيه تطوُّر الإنسان،

ولهذا جاءت السياسة الشرعية فى (منطقة العفو) التى تركها المشرع الحكيم قصداً بدون نصوص ملزمة، توسعة وتيسيراً على الناس، كما أن بعض العبادات الكبرى مثل (الزكاة) هى فى الواقع من صُلب شؤون الحياة، فهى تدخل فى النظام المالى والنظام الاجتماعى فى الإسلام، ولها علاقة بالاقتصاد والسياسة، وأيضا فإن الجهاد إذا كان مشروعاً، وصحَّت فيه النية،

والتُزمت فيه حدود الله، وأخلاقيات الإسلام يعد من أعظم ما يتعبَّد الله به، ويتقرَّب إليه، وقد اعتبره الإمام أحمد أفضل ما يتطوَّع به المسلم. ومن ثمَّ جاء فى فضله وبيان منزلته عند الله، ومقدار ما لأهله من مثوبة ما لا يكاد يحصى من آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلمraquo;.

ويضيف laquo;لعل هذا ما جعل الشيعة الإمامية يعتبرونه من أركان الإسلام، مخالفين بذلك أهل السنة، الذين اقتصروها على الخمسة المعروفةraquo;.

وعن حكم الجهاد شرعا هل هو فرض أم تطوع؟ وهل هو فرض أم ندب؟ وإذا كان فرضاً: فهل هو فرض عين على كل مسلم، أو هو فرض كفاية؟ وماذا عن جهاد الطلب و جهاد الدفع؟.. انطلاقا من هذه الأسئلة يعرض القرضاوى لجوانب الاتفاق والاختلاف بين آراء الفقهاء الفقهية والمنهجية المتعلقة بالجهاد، موضحاً أن الإمام أبوبكر الرازى (الجصاص) تعرض لذلك فى تفسيره (أحكام القرآن)، فحكى عن ابن شُبرُمة والثورى وآخرين:

أن الجهاد تطوُّع وليس بفرض، (وهو يريد بالجهاد هنا: القتال، كما يريد به جهاد الطلب)، وقالوا: إن قوله تعالى: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُraquo; ليس على الوجوب بل على الندب، كقوله تعالى: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَraquo; (البقرة:١٨٠)،

وقال أبوحنيفة وأبويوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار: laquo;إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة، إلا أنه فرض على الكفاية، إذا قام به بعضهم كان الباقون فى سَعة من تركهraquo;.

وقد ذكر أبوعُبيد أن سفيان الثورى كان يقول: ليس بفرض، ولكن لا يسع الناس أن يُجمعوا على تركه، ويجزئ فيه بعضهم على بعض، فإن كان هذا قول سفيان، فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية، ومن الواضح أن هذا كلَّه فى جهاد الطلب والتوسُّع فى أرض الأعداء،

وليس فى جهاد الدفع والمقاومة للغزاة.وما أورده الجصَّاص عن ابن شُبرمة ومَن وافقه من تأويل قوله تعالى: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُraquo; (البقرة:٢١٦)، أنه على الندب، وليس على الوجوب: خلاف الظاهر والمتبادر من اللفظ، كما فى قوله تعالى: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُraquo; (البقرة:١٨٣): أى: فرض عليكم .

وقال القرضاوى: laquo;إن الجصاص فرِّق بين حالة الأمن وحالة الخوف، أو (جهاد الطلب وجهاد الدفع)، حيث قال بالنص laquo;معلوم فى اعتقاد جميع المسلمين: أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم، أن الفرض على كافة الأمة أن ينفِر إليهم مَن يَكُفُّ عاديتهم عن المسلمين.

وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين، وسبى ذراريهمraquo;. ولكن موضع الخلاف بينهم: أنه متى كان بإزاء العدو مقاومون له، ولا يخافون غلبة العدو عليهم: هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شُبرُمة: إنه جائز للإمام والمسلمين ألا يغزوهم وأن يقعدوا عنهم.

لكن الجمهور كما ذكر القرضاوى يفرض جهاد الطلب فرض كفاية: وقال آخرون: على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا، حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية، وهو مذهب أصحابنا ومَن ذكرنا من السلف: المِقداد بن الأسود وأبى طلحة وآخرين من الصحابة والتابعين.

وقال حذيفة بن اليَمَان: الإسلام ثمانية أسهم، وذكر الجهاد كسهم منها، وحدثنا جعفر قائلاً: laquo;حدثنا أبوعُبيد، حدثنا عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث أو غيره، عن ابن شهاب (الزُّهْرى) قال: كتب الله الجهاد على الناس، غزوا أو قعدوا، فمَن قعد فهو عُدَّة:إن استعين به أعان، وإن استُنفِر نفر، وإن استغنى عنه قعد.

وهذا مثل قول مَن يراه فرضا على الكفاية. وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار، فى أن الجهاد ليس بفرض، يعنون به أنه ليس فرضه متعيِّنا على كل أحد كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية وينبه القرضاوى إلى ما يتعين التنويه له من أهمية هذه الأقوال المهمة التى ذكرها الإمام الجصاص عن عدد من فقهاء الأمة، فيهم من الصحابة مثل: ابن عمر،

ومن التابعين مثل: عطاء وعمرو بن دينار، ومن الأئمة مثل: الثورى وابن شُبرُمة: أنه ليس واجبا على المسلمين: أن يغزوا الكفار إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم، إنما يجب الجهاد فى حالة الخوف من شرهم وعدوانهم على المسلمين. فيما يرى أبوجعفر النحاس فى كتابه (الناسخ والمنسوخ) لهذه الآية الكريمة: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْraquo; (البقرة:٢١٦)، وذكر ما ورد فيها عن السلف من أقوال، ثم ناقشها قولا قولا.

ومنها ما قاله قوم أن هذه الآية ناسخة لحظر القتال عليهم، ولِمَا أمروا به من الصفح والعفو بمكة. وقال قوم: هى منسوخة: وكذا قالوا فى قوله عز وجل: laquo;انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاًraquo; (التوبة:٤١)، والناسخة: laquo;وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌraquo; (التوبة:١٢٢). وقال قوم: هى على الندب لا على الوجوب. وقال قوم: هى واجبة، والجهاد فرض.

وقال عطاء: هى فرض إلا أنها على غيرنا. يعنى أن الذى خوطب بها الصحابة. وقال أبوجعفر: فهذه خمسة أقوال: فأما القول الأول: وهو أنها ناسخة، فبيِّن صحيح وأما قول مَن قال: إنها منسوخة، فلا يصح، لأنه ليس فى قوله عز وجل: laquo;وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةًraquo; (التوبة:١٢٢). نسخ لفرض القتال. وأما قول مَن قال: هى على الندب، فغير صحيح، لأن الأمر إذا وقع بشىء لم يُحمل على غير الواجب، إلا بتوقيف من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو بدليل قاطع.

وأما قول عطاء: إنها فرض، ولكن فرض على الصحابة، فقول مرغوب عنه، وقد ردَّه العلماء، حتى قال الشافعى رحمه الله فى إلزامه: مَن قال: laquo;وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَraquo; (النساء:١٠٢)، إن هذا للنبى صلى الله عليه وسلم خاصة، ولا تُصلَّى صلاة الخوف بعده، فعارضه بقوله عزَّ وجلَّ: laquo;خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاraquo; (التوبة:١٠٣).

فقول عطاء أسهل ردًّا من قول مَن قال: هى على الندب، لأن الذى قال هى على الندب قال: هى مثل قوله عزَّ وجلَّ: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُraquo; (البقرة:١٨٠) .

قال أبوجعفر: وهذا ليس على الندب، وقد بيناه فيما تقدم. وأما قول مَن قال: إن الجهاد فرض بالآية، فقوله صحيح، وهو قول حذيفة، وعبدالله بن عمرو (٨)، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضا واجبا، لأن نظير: laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُraquo; (البقرة:٢١٦)، laquo;كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُraquo; (البقرة:١٨٣).

قال حذيفة: الإسلام ثمانية أسهم؛ الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصيام سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهى عن المنكر سهم. ونظير الجهاد فى أنه فرض يقوم به بعض المسلمين عن بعض: الصلاة على المسلمين إذا ماتوا ومواراتهم، قال أبوعُبيد: وعيادة المريض، ورد السلام، وتشميت العاطس. وأما قول مَن قال: الجهاد نافلة، فيحتجُّ بأشياء، وهو قول ابن عمر وابن شُبرُمة والثورى.

ومن حجتهم: قول النبى صلى الله عليه وسلم، رواه ابن عمر: laquo;بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والصلاة، والصيام، والزكاة، وحج البيتraquo;.

قال أبوجعفر: وهذا لا حُجَّة فيه، لأنه قد رُوى عن ابن عمر أنه قال: استنبطتُ هذا - ولم يرفعه - ولو كان رَفْعُه صحيحا لَمَا كانت أيضا فيه حُجَّة، لأنه يجوز أن يترك ذكر الجهاد ههنا، لأنه مذكور فى القرآن، أو لأن بعض الناس يحمله عن بعض، فقد صحَّ فرض الجهاد بنص القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتراض أبى جعفر على حديث ابن عمر بأنه قال: استنبطتُ هذا ولم يرفعه: مردود بأن الحديث متفق عليه، ومشهور برفعه عن ابن عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مما يحفظه خواصُّ المسلمين وعوامُّهم. وكذلك رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعا عن جَرير بن عبدالله.

وقد روى ابن أبى شيبة بسنده عن يزيد بن بِشر السَّكْسَكى، قال: قدمت المدينة، فدخلت على عبدالله بن عمر، فأتاه رجل من العراق، فقال: يا عبدالله بن عمر! ما لك تحج وتعتمر، وقد تركت الغزو فى سبيل الله؟! قال: ويلك! إن الإيمان بُنى على خمس: تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتحج، وتصوم رمضان. كذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم الجهاد حسن ويقول القرضاوى: laquo;لعل مما يؤكد قول ابن عمر:

أن الله تعالى ذكر صفات المتقين فى أول سورة البقرة، وصفات المؤمنين فى أول سورة الأنفال، وأول سورة المؤمنين، وصفات أولى الألباب فى سورة الرعد. وذكر صفات عباد الرحمن فى أواخر الفرقان، وذكر صفات المحسنين فى سورة الذاريات، وصفات الأبرار فى سورة الإنسان، ولم يذكر (الجهاد) ضمن خصالهم وأوصافهم. وهذا - فى رأيى - يدلُّ على أنه ليس بواجب على المكلَّفين فى كل حال، كالصفات المذكورة لهؤلاء. إنما هو واجب بوجوب أسبابه كردِّ عدوان المعتدين،

ودرء الفتنة فى الدين عن المؤمنين، وإنقاذ المستضعفين، وكالخوف من هجوم الأعداء المتربصين، وإذا وجب الجهاد بسبب من الأسباب ينوب فيه بعض الناس عن بعض. وقد رأى ابن المبارك: الجهاد فرض فى عهد النبوة، وروى مسلم فى كتاب الإمارة من صحيحه، من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: laquo;مَن مات ولم يغزُ، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من النفاقraquo;. ص٦٩

قال ابن سَهم (الراوى عن ابن المبارك): قال عبد الله بن المبارك: فنرى ذلك كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال النووى: وهذا الذى قاله ابن المبارك محتمَل. وقد قال غيره: إنه عام. والمراد: أن مَن فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد فى هذا الوصف. ومن هنا قال بعض العلماء: إن الجهاد كان واجبا على الصحابة لا على من بعدهم. كما نقله أبو جعفر النحاس عن عطاء.

على أن هنا قيد مهم فى الحديث، فالوعيد ليس على مجرَّد ترك الغزو، بل ضمَّ إليه أمرا آخر، وهو أنه: laquo;لم يحدِّث به نفسهraquo;: أى لم يخطر على باله، ولم يدُر يوما فى فكره. وهذا أخصُّ من مجرَّد الترك. والمطلوب من المسلم إذا لم يجاهد بنفسه: ألا يغيب أمر الجهاد عن فكره وخاطره.

وفى اختلاف العلماء فى الجهاد بين الوجوب والندب أورد القرضاوى رأى الجصاص فى آية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}:

وتعرَّض الإمام الجصاص فى (أحكام القرآن) لبيان معنى الآية الكريمة، وهى قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:٢١٦] قال: (هذا يدلُّ على فرض القتال؛ لأن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ}: بمعنى فُرض عليكم، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:١٨٣].

ثم لا يخلو القتال المذكور فى الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرَفه المخاطبون، أو لم يرجع إلى معهود؛ لأن الألف واللام تدخلان للجنس أو للمعهود، فإن كان المراد قتالا قد عرَفوه رجع الكلام إليه نحو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:٣٦]، وقوله: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة:١٩١]، فإن كان كذلك فإنما هو أمر بقتال على وصف، وهو أن نقاتل المشركين إذا قاتلونا.

فيكون حينئذ كلاما مبنيا على معهود، قد عُلم حكمه، مكررا ذكره تأكيدا. وإن لم يكن راجعا إلى معهود، فهو لا محالة مجمل مفتقر إلى البيان، وذلك أنه معلوم عند وروده: أنه لم يأمرنا بقتال الناس كلهم، فلا يصحُّ اعتقاد العموم فيه، وما لا يصحُّ اعتقاد العموم فيه، فهو مجمل مفتقر إلى البيان، وبيّن القرضاوى أوجه الاختلاف بين أهل العلم فى فرض الجهاد وكيفيته عند مصيرنا إلى قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:٥].

وخلاصة كلام العلاَّمة الجصاص: أن القتال الذى كُتب على الأمة وفُرض عليها: قد بُيِّن فى آيات سابقة، وهو قتال مَن يقاتلونها، كما بيَّنت السورة. بناء على أن {الْـ} فى {الْقِتَالُ} للعهد، فإن لم تكن {الْـ} للعهد، وكانت للجنس، فالنصُّ هنا (مجمل) يفتقر إلى (البيان)؛ لأن الله تعالى لم يأمرنا بقتال الناس كلِّهم، فلا يصحُّ اعتقاد العموم فيه. وما كان كذلك، فلا يؤخذ منه حكم عامٌّ بفرضية القتال على المسلمين كافَّة، بل يفتقر إلى دليل آخر يبيِّن الإجمال الذى فيه. وأن الجهاد على اختلاف صور تناوله الفقهى ورد لدى الحافظ ابن حجر للآراء فى الجهاد ويقول القرضاوى:

أورد هنا ما لخَّصه الحافظ ابن حجر من قول الفقهاء عن حكم الجهاد، فإن بعض الكتَّاب فى عصرنا يتحدثون عن هذه الموضوعات التى اختلف فيها المتقدمون، بما انتهى إليه بعض العلماء المتأخرين، ويوهمون القارئ كأن الأمر متفق عليه، ولا كلام فيه. وفى هذا تدليس على القارئ غير المطلع، وتضليل له عن الحقيقة.

فقد رأينا من خيار الصحابة والتابعين مَن قال: إن الجهاد مطلوب على الندب، وليس على الوجوب. ومَن قال: هو واجب على الصحابة وليس على من بعدهم. كما قال عطاء وابن المبارك. وهناك مَن قال: هو واجب فى حالة الخوف لا فى غيرها ورأينا الإمام الجصاص يقول: إن القتال الذى فُرض علينا فى الآية هو قتال مَن يقاتلوننا، وهو القتال المذكور فى سورة البقرة: {وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [آية:١٩٠].

وذكر الحافظ ابن حجر فى (الفتح) فى شرح ما ذكره البخارى فى (باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية فى ذلك، قال: وللناس فى الجهاد حالان: إحداهما فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم. والأخرى بعده.

فأما الأولى: فأول ما شُرع الجهاد: بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا. ثم بعد أن شُرع: هل كان فرض عين أم كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما فى مذهب الشافعى.

وقال الماوردى: كان عينا على المهاجرين دون غيرهم. ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح فى حق كل مَن أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.

وقال السُّهيلى: كان عينا على الأنصار دون غيرهم. وتؤيده مبايعتهم للنبى صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه، فيُخرَّج من قولهما: أنه كان عينا على الطائفتين، كفاية فى حق غيرهم. ومع ذلك فليس فى حق الطائفتين على التعميم، بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينةَ طارق، وفى حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء. ويؤيد هذا ما وقع فى قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح فى ذلك.

وقيل: كان عينا فى الغزوة التى يخرج فيها النبى، صلى الله عليه وسلم، دون غيرها. والتحقيق: أنه كان عينا على مَن عيَّنه النبى، صلى الله عليه وسلم، فى حقه ولو لم يخرج.

الحال الثانية: بعده صلى الله عليه وسلم، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم العدو، ويتعيَّن على مَن عينه الإمام، ويتأدَّى فرض الكفاية بفعله بالسنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلا عنه، ولا تجب فى السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن مُبدَلها كذلك.

والتحقيق أيضا: أن جنس جهاد الكفار متعيِّن على كل مسلم: إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه، والله أعلم) وقال الإمام ابن القيم:(والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.

أما الجهاد بالنفس، ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال، ففى وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به (أى بالمال) وبالنفس فى القرآن سواء، كما قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:٤١].

وعلَّق النجاة من النار به، ومغفرة الذنب، ودخول الجنة به أيضا، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف:١٠-١٢].

وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك، أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} [الصف:١٣]، أى: ولكم خَصْلة أخرى تحبونها فى الجهاد، وهى: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف:١٣]، وأخبر سبحانه أنه: {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:١١١]،

وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهى التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكَّد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكَّد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذى عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم)، وعن حكم الجهاد عند جمهور الفقهاء:

فإن الجهاد فرض كفاية، وإن ذهب بعضهم إلى أنه فرض عين. كما رُوى عن بعض السلف: أنه من باب التطوع لا الفرض. قال الخِرَقى فى مختصره: (والجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به قوم، سقط عن الباقين) وشرحه الإمام ابن قدامة فى (المغنى) فقال:(معنى فرض الكفاية: الذى إن لم يقُم به مَن يكفى، أثم الناس كلهم،

وإن قام به مَن يكفى، سقط عن سائر الناس. فالخطاب فى ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثم يختلفان فى أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات، فى قول عامة أهل العلم.

وحُكِى عن سعيد بن المسيّب: أنه من فروض الأعيان، (كما رُوى عن أبى طلحة الأنصارى وأبى أيوب والمقداد بن الأسود من الصحابة رضى الله عنهم)؛ لقول الله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:٤١]، ثم قال: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [التوبة:٣٩]، وقوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة:٢١٦]. وروى أبو هريرة رضى الله عنه: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: laquo;مَن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاقraquo;. رواه أبو داود . ص٧٤.

وردَّ ابن قدامة على هذا القول بقول الله تعالى: {لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء:٩٥].

وهذا يدلُّ على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم. وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ} [التوبة:١٢٢]. ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا، ويقيم هو وسائر أصحابه. فأما الآية التى احتجوا بها:

{انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة:٤١]، فقد قال ابن عباس: نسخها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، ويحتمل أنه أراد: حين استنفرهم النبى صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، وكانت إجابته إلى ذلك واجبة عليهم، ولذلك هجر النبى، صلى الله عليه وسلم، كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلِّفوا، حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك يجب على مَن استنفره الإمام؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم: laquo;إذا استنفرتم فانفرواraquo;.

وما قاله الإمام ابن قدامة هو الصحيح، فإن الآية التى استدلُّوا بها جاءت فى سياق استنفار رسول الله لهم، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ...} الآية [التوبة::٣٨]، وعند استنفار الإمام لفرد أو جماعة يصبح الجهاد فرض عين عليهم بالإجماع.