قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كيف تتعايش دولة القانون مع مآزقها

محمد العربي المساري

حينما ظهرت في التلفزيون صورة شاب من سبتة ضمن معتقلي غوانتانامو، فكر أصدقاؤه في الحين في طريقة لانتشاله، فكلفوا محاميا معالجة ذلك الملف العويص. كان الأمر يتعلق بمواطن من أصل مغربي، يحمل الجنسية الإسبانية اسمه أحمد عبد الرحمان. ومن خلال موقع في الإنترنت أمكن حشد تضامن واسع. وأمكن كذلك، وهو الأهم، إقناع الرئيس أثنار، وهو الضالع مع بوش في الحرب على العراق، بأن يقوم بما يلزمه به القانون، من أجل مواطن إسباني. وبالفعل قام عون من سفارة إسبانيا بواشنطن بزيارة المواطن الإسباني الأسير في ظروف غير ملائمة للاستفسار عن أوضاعه الصحية. وقطعت حكومة أثنار خطوة أخرى، بأن انتزعت من حكومة بوش المواطن أحمد عبد الرحمان، نزيل غوانتانامو، لكي يحاكم في إسبانيا بقوانين بلاده. وكذلك كان. ونقل السجين إلى مدريد. وحقق معه القاضي غرزون. وبعد ستة شهور وجد القاضي الإسباني أن الشاب بريء فأخلى سبيله. وعاد أحمد عبد الرحمان إلى أهله بالحي الفقير الذي خرج منه ذات يوم ليهاجر بحثا عن عمل وفي سبيل التفقه في الدين. وهكذا تحقق حفظ حقوق مواطن وكرامته، بسبب شيء واحد وهو تشغيل آليات دولة القانون. توضح هذه النازلة التغير السياسي والثقافي الحاصل في بلد كان مثالا للاضطراب، وأصبح ينعم باستقرار يحسد عليه.

وحسب استطلاع ميداني أجراه مركز البحوث الاجتماعية (CIS) سنة 2004، ظهر أن المؤسسة الأولى التي يطمئن إليها الإسبان بنسبة عالية جدا (80%) هي الشرطة، بعد أن كان هذا الجهاز من قبل يحيل فقط على الرعب. وفي المقام الثاني تأتي القوات المسلحة، بنسبة الثلثين، ثم تأتي الحكومة والبنوك والتلفزيون والكنيسة. ويحدث هذا بعد قرون كانت تبدو فيها الكنيسة وكأنها هي وحدها أساس لحمة المجتمع والدولة في إسبانيا.

إن الوضع الحالي هو نتاج مجتمع تمتلك فيه 80% من العائلات محل سكناها، وهذا مكسب اقتصادي شاركت سياسات فرانكو في صنعه. ولكن المهم هو أن كبريات المعضلات التي تثير في بلدان أخرى اضطرابات شديدة، تصل إلى حد خلخلة النظام العام وتضع أسئلة حول المصير، تتم معالجتها في مجتمع مستقر ومتفائل وراض عن نفسه، وفق قواعد ومفاهيم تسهر عليها مؤسسات مقبولة، وذات مصداقية، وخلف ذلك أساسا مجتمع قرر فعلا أن لا يتكرر الماضي الذي كان قد وضع إسبانيا في الدرك الأسفل.

وما لا ينتبه إليه الكثيرون هو أن إسبانيا هي عدة إسبانيات. ففي 16 جهة توجد حكومة وبرلمان وجهاز قضائي ودستور وعلم يرفع على المباني الرسمية إلى جانب العلم الوطني. وحتى إقرار دستور 1978 كان التسليم بوجود التعددية تمرينا صعبا. ولكن ها هي الأوضاع توضح أن واحدا من أسباب تقدم إسبانيا هو أنظمة الحكم الذاتي السارية المفعول.

وتدور منذ أكثر من خمس سنوات مناقشة حول تطوير أنظمة الحكم الذاتي، وصولا إلى توسيع صلاحيات أجهزتها على حساب المركز، ولكن يجري النقاش في القنوات المؤهلة وبوسائل وآليات دولة القانون، ويتم في غمرة سريان الدورة الدموية بالشكل المعتاد للدولة الديمقراطية كما هو موكول أمرها للمؤسسات القائمة في مدريد.

وعلى سبيل المثال حاولت القوى السياسية في كاطالونيا أن تعدل دستور منطقة الحكم الذاتي بأن أضافت عبارة (ناسيون = أمة) في بنود الدستور الإقليمي، ولكن المحكمة الدستورية اعترضت، ولعلها تصدر في هذا الأسبوع قولها الفصل بأن تقضي بأنه لا توجد إلا أمة واحدة هي إسبانيا، تضم في حضنها شعوبا ذات هويات متميزة.

وقبل ذلك حاول الباسكيون تمرير شيء من هذا القبيل بواسطة تصويت في برلمانهم. وكانوا في الواقع يرغبون في أن يكون لجهة الباسك وضع قانوني يتمثل في laquo;دولة مشاركةraquo; في الدولة الإسبانية. ولكن حينما وصل الأمر إلى البرلمان المركزي في مدريد تم رفض ما أبرمه البرلمان الباسك. وفي الانتخابات التي أجريت على إثر ذلك ترجحت كفة الحزبين الاشتراكي والشعبي في إقليم الباسك وأزيحت الحكومة التي كانت تستند إلى الحزب الوطني الباسكي المنادي بتقرير المصير.

ولكن تستمر المناقشة حول أمور أخرى مثل مكانة اللغة المحلية والمركز الذي للغة القشتالية في دواليب الحكم الذاتي، ومسألة التمويل، أي كم يبقى من الجبايات المحصلة في صناديق الحكم الذاتي، وكم يتم تفويته منها إلى الحكومة المركزية، وكذلك تناقش مسألة لغة التلقين في المدارس، ويدور النقاش حول مزايا تقوية حظوظ اللغة الجهوية والاستفادة من الامتيازات التي تتيحها لغة الدولة المركزية.

وفي غمرة هذا وذاك، يوجد في الباسك حزب إقليمي لا يتستر على تطلعه إلى الاستقلال، ويوجد في كاطالونيا حزب قديم يطالب لا أقل ولا أكثر بإقامة الجمهورية، واسمه الرسمي المصرح به في قوانينه الأساسية، التي على أساسها يشارك في الانتخابات، وفي الحكومة الإقليمية منذ 1980، هو حزب اليسار الجمهوري. ولهذا الحزب 21 نائبا في البرلمان الكاطالوني المؤلف من بين 135. وفي البرلمان المركزي بمدريد لهذا الحزب 3 نواب من بين 350.

أي أن الديمقراطية الإسبانية لا ترى ضيرا في الاعتراف بوجود حزب جمهوري، في بلد ليس فقط ملكيا، بل إن للملك فيه شعبية لا تضاهى. وكان جواب الناخبين على طروح الحزب الجمهوري المذكور، هو أن عدد نوابه في البرلمان المركزي هبط من 8 إلى 3 في ما بين 2003 و2009.

وفي كل من كاطالونيا والباسك، وفي غيرهما، تبرز أوضاع تثير أحيانا توترات قوية. فبسبب الإرهاب تقرر منع بعض الأحزاب في الباسك لتأييدهم العنف. ولكن حدث أيضا أن سجينا باسكيا شن إضرابا عن الطعام لمطالبة بنقله إلى سجن في مسقط رأسه.

وبعد 135 يوما رضخت الحكومة وأعلن وزير الداخلية أن الاستجابة للمطلب راجعة إلى تجنب موت السجين الانفصالي، ولتسهيل نقله إلى المستشفى لكي يعالج. وكان الرجل متهما بالتآمر على حياة الملك في عملية حكم عليه بسببها بـ20 عاما. وبمناسبة مقال كتبه أحد قادة الحزب الوطني الباسكي، إينياكي أناغاسطي، وهو سيناضور، شتم فيه الملك وأسرته، انتقده كل من قيادة الحزبين الاشتراكي والشعبي. ولم تتقرر متابعته.

وفي نوازل أخرى تتعلق بالصحافة، تمت محاكمة مدير مجلة ورسام كاريكاتوري نشرا رسما مشينا لولي العهد وزوجته، وحكم عليهما بـ10 أشهر سجنا و3000 أورو غرامة لكل منهما. وبسبب إحراق صورة الملك بمناسبة زيارة ملكية إلى كاطالونيا منذ عامين، حكم على المقترفين بـ2700 أورو. وكانت تنظم يوميا وقفات احتجاجية ضد الزيارة بمشاركة بضع عشرات يوما بيوم في عدة نقط من كاطالونيا، ولكن الشرطة كانت تتتبعها فقط تلافيا لوقوع انزلاق. وهذه أمور لو حدثت في ديمقراطية شكلية ذات أوضاع مهزوزة لكانت قد أدت إلى زلازل سياسية.

إن آليات دولة القانون تشتغل على أساس قاعدتين. وجود مؤسسات مقبولة وذات مصداقية، ووجود فاعلين يقبلون قنوات دولة القانون لتصريف النقاش حول الشأن العام، بموضوعية ونزاهة، حتى إذا وقعت انزلاقات أو مواقف شاذة، كانت هناك مؤسسات وأجهزة مكلفة فرض احترام القانون، على الجميع وقبول من الجميع.

وفي ظل دولة القانون يتأتى تصريف الخلافات بعقلانية وواقعية ويتأتى للمجتمع أن يتعايش مع مآزقه.