عبدالعزيز حسين: العراقيون أبلغونا عن محاولة الانقلاب قبل إعلانها للرأي العام

لندن - رائد الخمار

في 29 يوليو 1979تلقت وزارة الخارجية البريطانية من السفير في الكويت اس جي كامبريدج برقية عاجلة تفيد بان وزير الدولة الكويتي لشؤون مجلس الوزراء عبد العزيز حسين قال للصحافيين ان العراقيين ابلغوا الكويت عن احباط محاولة الانقلاب في بغداد، التي احبطت في الاسبوع الاول لتسلم صدام الرئاسة، قبل اعلانها حتى في العاصمة العراقية.

نقل السكرتير الاول في السفارة عن مصدر كويتي رفيع قوله laquo;ان معلومات الكويتيين تفيد بان جذور المحاولة تعود الى عام 1975 ورتب لها عضو مجلس قيادة الثورة الحالي عدنان حسين رئيس مكتب الرئيس صدام حسين بالاتفاق مع جناح حزب البعث في سورياraquo;.
ووفق المصدر الكويتي كان صدام يتابع تطورات المؤامرة وخيوطها وينتظر الوقت المناسب للانقضاض على الانقلابيين وجاءت الفترة الحاسمة عندما اعترف محيي عبد الحسين الشمري سكرتير مجلس قيادة الثورة بما يجري.
ودعا صدام المجلس الى الانعقاد في جلسة طارئة وسريعة وبدأ محيي يسمي شركاءه في المؤامرة واحداً واحداً وعلى الفور تمت مرافقتهم الى خارج القاعة مكبلي الايدي. وقال المصدر انه تم توقيف 75 شخصاً حتى الآن لكن المذهل ان من بين الـذين كشفت اسماؤهم لم يكن هناك اي ضابط.
وأفادت البرقية ان الصحافة الكويتية نشرت تصريحات عبدالعزيز حسين حرفيا، وهي اشارت وفق مصادرها القريبة من السفارة العراقية الى laquo;ان من بين من اعدموا عدنان حسين ومحمد محجوب ومحمد العايش ومحيي عبدالحسين الشمري وغانم عبدالجليلraquo;. في حين ذكرت laquo;القبسraquo; ان بين من اعدموا 4 ضباط كبار. وكان من بين المتآمرين عبدالخالق السامرائي، الذي كان قد سُجن في عام 1973 في محاولة انقلاب ناظم الكزار وحميد علوان. وتناولت الصحافة الكويتية بالتحليل ما ذكر عن ان الانقلابيين طلبوا من دولة عربية مجاورة مساندة مظليين يلبسون الزي العراقي اذا استدعت الحاجة.

معلومات الاستخبارات
وفي الثالث والعشرين من مارس 1979 رفع السفير الكندي في بغداد تقريرا الى وكيل وزارة الخارجية في اوتاوا بعنوان laquo;الاسلام في العراقraquo;، ضمّنه رؤيته ما يجري في العراق بعد سقوط الشاه في ايران والصحوة الاسلامية ونمو laquo;الدعوةraquo; في ظل حكومة حزب البعث ورجلها القوي صدام حسين.
والتقرير، الذي عثرت laquo;القبسraquo; على نسخة منه في وثائق افرج عنها الارشيف الوطني البريطاني نهاية العام الماضي، كناية عن تقرير استخباري وضعته عيون الاستخبارات الكندية ووزع على وزارات الخارجية في laquo;دول صديقة بينها بريطانيا. وعلى التقرير خاتم كتبت عليه العبارة laquo;هذه الوثيقة ملك للحكومة الكندية وزعت على دول صديقة لتستخدمها الاستخبارات ولا يمكن اعادة نشر مضمونها سوى بإذن من الحكومة الكنديةraquo;.

مقاطع محذوفة
يبدأ التقرير بالقول laquo;بعد الأحاديث مع طلبة ومدرسين ومراقبين من مختلف الرتب وفئات المجتمع، ومع مسؤولين وشبه مسؤولين عراقيين، يمثل شرائحَ منهم المثقفون وجيل المستقبل، لا اعتقد ان هناك عودة الى الدعوة الاسلامية في العراق يمكن ان تنقل البلاد الى حالة تشبه الحالة الايرانيةraquo;!
ويشير الى ان ما كان المثقفون العراقيون يجادلون في شأنه ان تعبير laquo;العودة الى الدعوةraquo; صهيوني المنشأ يتم ترويجه في الغرب لاثارة قلق مواطنيه ودفعه الى تأييد اسرائيل دولة دينية في وجه دول في الشرق الاوسط تتواصل فيها الاديان. وقصدت اسرائيل، كما يقول العراقيون، الى تعميم laquo;الدولة الاسلاميةraquo; في المثال الايراني على دول المنطقة خدمة لمصالح الدولة الدينية.

حزب في يد عشيرة
ويتحدث السفير، الذي لم يرد اسمه في التقرير، الذي حُذفت منه مقاطع، بان الانطباع العام في العراق انه لا عودة على الاطلاق الى المبادئ الدينية في الحكم ولا تفكير في العودة الى استخدام المساجد منابر سياسية للسيطرة على مقاليد البلاد.
ويتحدث علماء آثار واساتذة جامعات ورجال اعمال اجانب يعيشون في بغداد والجنوب منذ فترة طويلة، وضمن المسموح به في العراق، عن ان حزب البعث الحاكم لا يفكر على الاطلاق في لعب الورقة الدينية اداة سياسية، بل العكس هو حزب ليبرالي لا طائفي متعدد الافكار منفتح على جميع التيارات الدينية وعلماني، على رغم ان الطائفة السنية تحكمه وتسيطر عليه منذ تأسيسه، واصبح الآن في يد عشيرة قليلة العدد من تكريت.
ويتحدث السفير الكندي عن ان التكارتة لا يمكن ان يسمحوا على الاطلاق لفئة طائفية معينة باستخدام الدين والقوة البشرية في السيطرة على البلاد. ولا يبدو ان لزعماء الدين في العراق النية او القدرة على نشر مبادئ بسط الاسلام على انه اساس الدولة وتشريعاتها، كما هي الحال في ايران. ويتوافق جميع من تحدثوا الى السفير على ان تياري الحزب الشيوعي والبعث هما العائق الاساسي في وجه سيطرة الشيعة على مقدرات الحكم في بغداد.
ويبدو ان المواطنين -عموماً- راضون عن الاستقرار الذي أمنته هذه الحكومة على رغم مطالبتهم، ولو سراً، بمزيد من الحرية والتمثيل الشعبي والانفتاح على العالم.
ويلاحظ التقرير مدى التقدم الاجتماعي والخدماتي الذي بدأت الدولة تقدمه للمواطنين، إضافة إلى الضمانات للموظفين وكبار السن. كما تبدو الدولة مهتمة جداً بنشر العلم والمعرفة من دون أي وازع أو اعتماد الدين مرجعاً لكل شيء.
لكن العراق يلجأ إلى ورقة الإسلام للحصول على دعم الدول الإسلامية التي يمكن أن تخدم مصالحه. وهو خصص برنامج مساعدات للدول الإسلامية المحتاجة، علماً انه في بعض الحالات يقدم مساعدات لدول غير منحازة وغير اسلامية قبل دول اسلامية من دون الخوف من أي ردود فعل بين المواطنين، وأصبح هناك شعور بالفخر للعراقي عبر الانجازات التي حققتها حكومته.

حكومة فاشية
لكن السفير تحدث عن العراق وقال laquo;ان حكومته فاشية ولا تسمح ولن تسمح باستبدال المحاكم المدنية بمحاكم اسلامية شرعية، لكن الحكومة بدأت تنشر laquo;الدعوة الإسلامية المتنورة المتسامحةraquo;، كما أن القيادة بدأت تستخدم في مفرداتها بعض الآيات القرآنية خدمة لأهداف سياسية في معركة الزعامة التي تخوضها مع مصر. كذلك يستخدم حزب البعث اتهامات الإلحاد للشيوعيين لقطع الطريق أمام تمددهم في المجتمع العراقيraquo;.
ويلاحظ السفير أن المرأة العراقية لها حقوق كاملة، وهو شيء مميز في البيئة المحيطة بالعراق والدول المجاورة له، كما أن حملة مكافحة الأمية تساعد المرأة في الريف للخروج من المنزل ونيل العلم ومن ثم الحصول على حقوقها كاملة.
ويلاحظ التقرير ان لا شعارات إسلامية ترفع في العراق حتى في فترات الأعياد، بل تطغى اللافتات والشعارات الحزبية على الطرقات والساحات وفي المدارس، في حين أن الكتب مليئة بشعارات البعث والعلمانية.
ويشير إلى أن الريف العراقي له جذوره القبلية والدينية وتحتاج الحكومة زمناً طويلاً لإنهاء بعض العادات والطقوس الدينية.

دلالات وإشارات
ويشدد السفير على أن الحكومة وخططها التنموية تركز على التحديث وlaquo;لم نسمع على الإطلاق أن التيارات الدينية تهاجم خطط التحديث أو تهاجم العصرنة أو جعل المرأة تشارك في الجيش والشرطة أو أي عمل إداري أو في الصناعة مع الرجلraquo;.
لكن التقرير تحدث عن دلالات واشارات وملامح تفيد أن بعض الاتجاهات الدينية تظهر بين حين وآخر في المناسبات الدينية مثل عاشوراء وغيرها، حيث يتم استغلال هذه الاحتفالات لنشر بعض مبادئ الإسلام السياسي وفق الطريقة الخمينية.
ولا يهتم الحزب الحاكم ابداً بمن يقول ان ايفاد البعثات الدراسية الى الخارج تزيد من العلمنة وتُبعد العراقيين عن اصول الدين.
ويلاحظ ان تأثير الثورة الخمينية انعكس قلقاً في صفوف القيادات العراقية، لكن السلطة ممسكة بالموقف وهي تضرب اي مستغل للدين بهدف سياسي، وطالما بقي رجال الدين بعيدين في خطابهم عن السياسة لا احد يقترب منهم على الاطلاق.

لا آية الله
ينبه التقرير الى ان الحكومة العراقية عازمة على عدم قبول سفير ايراني في بغداد يحمل لقب آية الله، كما انها قلقة من لجوء الخميني الى محاولة استغلال الشعور الطائفي لدى شيعة العراق ضد الحكم العلماني لحزب البعث.
وينقل السفير عن مهندسين اجانب، يعملون في حقول النفط او المشاريع العمرانية في الجنوب حيث الكثافة الشيعية تزيد على 90 في المائة من السكان، قولهم انه ليس لدى فئات الشبان اي تفرقة دينية واي احساس بالغبن من الاجانب العاملين في خطط التنمية او المشاريع الانتاجية للبلاد خلافاً للحال في كربلاء او النجف حيث يطغى الطابع الديني على الحياة العامة.
ويشير الى ان المدرسين الاجانب في الجامعات العراقية الجنوبية يشيرون الى شعور ديني متأصل بين الطلاب الذين يتحدرون من قرى معزولة او من قرى او تجمعات قريبة من المدن المقدسة لدى الشيعة.
ويشدد على ان الشيوعيين يركزون على الشباب الصغير القادمين الى الجامعات من قرى يعتبر الدين من اسسها الاجتماعية ويحاول الشيوعيون دائماً التأثير سلباً في تفكير هؤلاء.
وينهي السفير تقريره بالقول laquo;ان العراق دولة تقدمية متحضرة اكثر من محيطها، وهي قابلة للانفتاح من دون الاساءة الى المشاعر الدينية لكل الطوائف وفئات الناسraquo;.
وتوقع ان تؤدي التغييرات التي حدثت في ايران الى محاولة استخدام المناطق الجنوبية وسكانها ورقة ضاغطة في اي خلل في العلاقات بين طهران وبغداد خصوصاً ان الخميني الذي امضى فترة 13 عاماً منفياً في العراق بنى شبكة علاقات واسعة مع رجال دين فيها، وقد تشيّع له بعضهم واصبحوا من اتباعه، لكن بعض رجال الدين الشيعة لا يزالون يعتبرون مده مخالفاً للوفاق الاجتماعي.