صلاح الجورشي
هل يمكن القول بأن الإسلام كدين قد أصبح مهددا في مستقبله؟
لعل أهم مبرر لطرح مثل هذا السؤال هو الصورة السيئة الرائجة حاليا عن الإسلام والمسلمين في العالم بمختلف قاراته، وهي صورة أصبحت تقلق حتى المسلمين أنفسهم، سواء أكانوا جاليات تعيش في دول غربية أو حتى شعوب البلاد الإسلامية. ويكفي للمسلم أن يسافر سواء أكان متدينا أم لا، ويختلط بشعوب كثيرة، حتى يحس بأنه متهم ضمنيا، وأنه يتعرض لنوع من الإقصاء المستبطن أو المعلن عنه بطرق متعددة. وهو ما أكدته الاستفتاءات وعمليات سبر الآراء التي تواترت خلال السنوات الماضية في دول غربية عديدة، والتي كشفت عن ارتفاع ملحوظ في نسب الأفراد والجماعات المعادية للإسلام والمسلمين، وآخرها ما حدث في سويسرا حين قررت أغلبية الذين شاركوا في الاستفتاء منع بناء مآذن جديدة، أو في بريطانيا حيث ارتفعت نسبة القائلين بأن الإسلام يشكل تهديدا لهوية بلادهم، وأن التنوع الثقافي لم يجنوا منه سوى الكوارث. وبناء عليه يمكن القول بأنه نادرا ما ينتاب أمة من الأمم مثل هذا الإحساس بأنها منبوذة بسبب خصوصياتها الدينية والثقافية، وذلك رغم وزنها الاستراتيجي وأهميتها التاريخية.
كما تسيطر حالة من الإحباط في أوساط واسعة من المسلمين، مما يؤكد أن الإسلام لم يتمكن حتى الآن من تجاوز المأزق التاريخي الذي تردى فيه أتباعه منذ خمسة قرون، وهو ما جعلهم الأقل حظا في العلوم وفي اكتساب شروط القوة، والأكثر عرضة للاستغلال والتدخل والاحتلال رغم كثرة عددهم (1.6 مليار مسلم) وما تتوفر عليه أوطانهم من ثروات. حتى بعض الأطراف التي عزمت على التصدي لمثل هذا الإذلال والتهميش اختارت أسوأ الوسائل، وحولت المعركة باسم جهاد غير محصن بالأخلاقيات الواجبة إلى اختطاف للأبرياء وقتل للمدنيين، واعتداء على الآمنين من بني جلدتهم أو من الأجانب الذين تحميهم الأعراف والشرائع والمعاهدات. وهي وضعية جعلت الكثيرين يتوقعون بأن ذلك كله قد يقلص من حظوظ استمرار الإسلام في المستقبل.
كتب السيد بشير بن يحمد صاحب مجلة جون أفريك (27 ديسمبر 2009) التي تصدر بباريس مقالا هاما دافع فيه عن وجهة نظر تتميز بالجدية والطرافة، فهو خلافا لما سبقت الإشارة إليه يعتقد بأن حظوظ الإسلام في المستقبل ستكون قوية، ويبني توقعه على مؤشرات عديدة، من بينها قوله بأن الإرهاب الذي يبرره أصحابه باسم الإسلام ليس في حالة صعود وتوسع، وإنما هو على العكس من ذلك في حالة تراجع ملحوظ، وأن تنظيم القاعدة حاليا في اتجاه الأفول ويواجه مأزقا أيديولوجيا وعسكريا. أما المؤشر الثاني الذي يعتبر أكثر أهمية هو قوله بأن الدول التي لا تزال محكومة بأنظمة مستبدة قد أصبحت أقلية داخل الدائرة الإسلامية، وهذه الأقلية هي للأسف محصورة داخل المنطقة العربية لأسباب عديدة لم يتطرق إليها، أما بقية الدول الإسلامية فإن غالبيتها أصبحت نسبيا محكومة بأنظمة تستند على الآليات الديمقراطية. أما العامل الحاسم الذي أكد عليه صاحب المقال لتبرير تفاؤله بمستقبل الإسلام فإنه يتعلق بالتحولات الهامة التي حصلت في أوضاع النساء المسلمات، خلافا للمظاهر المغلوطة التي يستند عليها البعض للتحريض على الإسلام، واصفا تلك التحولات بـ quot;الثورة الصامتةquot;.
يمكن أن نضيف لهذه المؤشرات، الإقبال المتزايد على اعتناق الإسلام، خاصة داخل المجتمعات الغربية، مما جعل منه أكثر الأديان استقطابا وجاذبية، وهي لعمري ظاهرة مدهشة وتحتاج إلى بحث عميق عن أسبابها. إذ رغم هذا الضجيج الذي يملأ الفضائيات والصحف المؤثرة عن quot;جمود الإسلام ووحشيتهquot;، ورغم التخلف السائد الذي تشكو منه قطاعات واسعة من المسلمين، فإن هناك نساء ورجالا من قلب الحضارة المتفوقة والمتحكمة في مسار الإنسانية يقررون يوميا الانتقال إلى هذا الدين. هل يعود ذلك فقط إلى الأزمة القيمية التي تشهدها الحضارة الغربية نتيجة هيمنة الرأسمالية المتوحشة، وإحساس الفرد بالضياع في عالم يفتقر للمعنى ويختزل الإنسان في بُعدٍ واحد؟ أم أن هناك جوانب قوية في الإسلام تشد هؤلاء إليه وتجعلهم يفضلونه على غيره من الأديان؟ إنها في كل الحالات ظاهرة تبدو للبعض غير عادية.
رغم ذلك، يجب ألاّ يؤدي هذا التوقع المتفائل إلى حالة من الاطمئنان الزائف لدى المسلمين، فهم والإسلام ليسا شيئا واحدا، والجاذبية التي يتمتع بها هذا الدين ليسوا هم مصدرها، وهو ما يقوله ويردده الكثير من معتنقيه الجدد. بمعنى آخر: مستقبل الإسلام ليس مرتبطا بمستقبل الذين ورثوه عن أجدادهم كما ورثوا الأسماء واللغات والأوطان. ويمكن التدليل على ذلك بمساحة الاجتهاد التي يتمتع بها بعض المسلمين الذين يعيشون في الغرب، والذين تمكنوا من أن يتحرروا من العوائق التي لا تزال تتحكم في قطاعات عريضة من مواطني البلدان الإسلامية. وهو ما جعل البعض يتوقع بأن تجديد رسالة الإسلام قد تتم على أيدي هؤلاء الذي يتمتعون بحرية التعبير والإبداع، إلى جانب استفادتهم من مكاسب الحضارة الحديثة وإنجازاتها العديدة، وإن كان جزء من الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب لا تزال مهددة بالاختراق من قبل بعض الجماعات الراديكالية.
كما يجب الانتباه أيضا إلى مؤشرات أخرى تسير في الاتجاه المعاكس، ومن تلك المؤشرات الاستعداد المتواصل للانتكاس لدى قطاعات واسعة من المسلمين. مثل هذه الموجة من المحافظة الدينية التي تتخذ من المظاهر وبعض السلوكيات القشرية بديلا عن الأفكار والمقاصد الكبرى التي جاء بها الإسلام. صحيح، قد تكون هذه المظاهر مجرد ردود فعل مؤقتة وظرفية على ما يجري من تحولات تحمل في طياتها حالة من الاختلال في التوازن لدى الأفراد والجماعات، غير أن نزعة المحافظة التي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة تحت غطاء نمط من السلفية quot;الجديدةquot;، والتي تمكنت من استقطاب عدد واسع من الشباب، جاءت لتعصف بكثير من البديهيات التي ظننا بأنها قد استقرت في النفوس والعقول والسلوكيات، فإذا بها تسقط بحجة تعارضها مع القرآن والسنة، مثل تعليم البنات، وحق المرأة في الشغل، والكثير من حقوق الإنسان المنتهكة في البلدان الإسلامية، والانتخابات.. وغيرها من ثوابت النظام الديمقراطي. وإذا بهذه الأوساط تحاول أن تعود بمجتمعاتها إلى نقطة الصفر، زاعمة بأنها ستعمل على إعادة أسلمة المجتمعات والدول.
هذا يعني أن معركة المستقبل ليست مضمونة حتى الآن، وأن هناك وجهين للقضية.. يتعلق الوجه الأول بجهود ضخمة لا بد أن تبذل على الأصعدة الثقافية والعلمية، إلى جانب الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذا لكي يحصل تقدم ثابت ومتصاعد داخل المجتمعات الإسلامية.
أما الجانب الآخر الذي يجب الإقرار به، فهو يتمثل في ضرورة العمل على ألاّ يبقى الإسلام رهينة لدى المسلمين، وهي عملية معقدة وصعبة، إذ كيف يتم الفصل بين الدين ومعتنقيه؟ لكن مع ذلك تبدو العملية ضرورية ليصبح الإسلام شأنا عالميا وليس خصوصية لمجوعة من الشعوب، تحتكره لنفسها دون أن تستفيد منه أو أن تجعله في متناول الإنسانية. تصوروا لو كان النفط غير موجود إلا في منطقة الخليج العربي، وقرر أصحابه احتكاره ورفضوا بيعه لأي جهة أخرى في العالم، لكانت النتيجة أن يفقد قيمته من جهة، ولحرمت الإنسانية من الثورة الكبرى التي أحدثها البترول في أكثر من مجال، هذا ما تريد أن تصنعه بعض الجماعات مع الإسلام، مع الفارق في الدلالة والتعقيد والخطورة. ولعل هذا ما قصده محمد عبده، عندما قال بأنه زار أوروبا فوجد إسلاما ولم يجد مسلمين، ورجع إلى الشرق فوجد مسلمين، لكنه لم يجد الإسلام. إنها ليست (فزورة)، وإنما هي مشكلة فلسفية شديدة التعقيد، ومرتبطة بأي حديث عن مستقبل الإسلام.
- آخر تحديث :













التعليقات