قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

وليد نويهض

رفعت مذكرات الجلب السورية بحق 33 شخصية لبنانية وغير لبنانية درجة الاحتقان السياسي إلى حال من التوتر الذي يفتح ملفات داخلية وإقليمية معطوفة على تجاذبات أهلية يصعب التحكم بتداعياتها في حال انزلقت الطوائف والمذاهب إلى دائرة الاستقطابات التي شهدها البلد الصغير في العام 2004 وأدت إلى إطلاق موجات من الاغتيالات والتفجيرات والحروب الصغيرة. فالمذكرات ليست بريئة من حيث التوقيت لأنها جاءت بعد زيارة الرئيس السوري إلى طهران وقبل زيارة الرئيس الإيراني إلى بيروت.

التوقيت رسم علامة استفهام حول موجبات المذكرات ودوافعها. الجانب السوري يرى أنها مجرد خطوة قضائية عادية وبسيطة ويجب ألا تؤخذ باتجاه تفسيرات وتأويلات متسرعة في استنتاجاتها. الجانب اللبناني يرى في المذكرات خطوة سياسية في اتجاه يعطل احتمالات تطور العلاقات الإيجابية الرسمية بين دمشق وبيروت.

من الناحية القضائية تبدو المذكرات شكلية وعديمة الفعالية لأنها تحتاج إلى قنوات قانونية تمتلك صدقية في التعامل مع قضية خلافية لبنانية بشأن المحكمة الدولية. ومن الناحية السياسية تبدو المذكرات ضربة استباقية تعطل إمكانات الذهاب بعيداً في مسألة laquo;شهود الزورraquo; وما تحتمله من فتح ملفات متنوعة الانتماءات والولاءات.

لماذا إذاً صدرت المذكرات في هذا الظرف الذي يشهد فيه لبنان حالات من القلق بشأن الاختيار بين المحكمة الدولية أو الفتنة؟ قراءات كثيرة للخطوة وكلها تصب في اتجاه تعزيز التفسير السياسي لا القضائي للمذكرات. هناك من يرى فيها خطوة لقطع الطريق على ملف laquo;شهود الزورraquo; الذي يتضمن الكثير من الأوراق من بينها سورية الهوية والهوى الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تصويب البوصلة باتجاه يتناسب مع اتهامات سياسية تم ترويجها إعلامياً في هذا الإطار. وهناك من يرى أنها خطوة تخويفية لقوى laquo;14 آذارraquo; تحذرها من مغبة التمادي في موضوع المحكمة الدولية وعدم الاسترسال في المراهنة عليها. وهناك من يضع المسألة في إطارها المحلي لأنها تشكل إشارة سياسية للعودة إلى حال الانقسام السابق بعد أن اختلطت أوراق laquo;14 آذارraquo; بـ laquo;8 آذارraquo; وبدأت الألوان بالامتزاج والتداخل. وهناك من يقرأ المسألة في سياق احتمال عودة التوتر إلى العلاقات اللبنانية - السورية بعد أن شهدت حركة تصحيحية في السنة الماضية وأدت إلى الانفتاح وتحسن الأجواء وتطور التفاهمات وصعودها إلى درجة عالية من الدبلوماسية والشفافية. وهناك من يربط المذكرات بمتغيرات إقليمية بدأت معالمها بالظهور من خلال التقاطع الأميركي - الإيراني المدعوم سورياً في العراق وما سيرشح عنه من تعديلات في إطار التسوية الداخلية في لبنان. وأخيراً هناك من ينظر إلى الخطوة بأنها رسالة سورية باتجاه السعودية لأنها تشير إلى نوع من الضبابية (الرمادية) بين دمشق والرياض بعد انفتاح شهدته العلاقات إثر الزيارات المتبادلة والقمة الثلاثية التي عقدت في بيروت لتعزيز الهدنة الأهلية في بلاد الأرز.

قراءات كثيرة للمذكرات السورية وكلها تقريباً تصبّ في دائرة السياسة لا القضاء. وهي في مجموعها تطرح أسئلة تتجاوز حدود لبنان في اعتبار أن مفاعيل الخطوة وتداعياتها لها امتدادات إقليمية من شأنها أن تلعب دورها في إعادة تشكيل المشهد بعد أن أصبحت أسهم نوري المالكي هي الأقوى في بورصة تأليف الحكومة العراقية. فالمشهد السوري - الإيراني في طهران يمكن أن يخلط الأوراق مجدداً ويعيد فرزها إلى محاور تتشابه مع تلك الخطوط والخيوط العربية التي سبقت قمة الكويت الاقتصادية في العام 2009.

تلك القمة الاقتصادية تحولت فجأة إلى سياسية بعد صدور خطاب المصالحة من الرياض وبدأت على إثره خطوات تعزيز الانفتاح بين السعودية وسورية ما أنتج لاحقاً معادلة سين سين في لبنان وظهرت بوادر التحسن بين أطياف بلاد الأرز وخط الاتصال بين بيروت ودمشق.

تطور العلاقات السعودية - السورية وتحسنها بين دمشق وبيروت وتراجع حدة التوتر المذهبي بين الطوائف اللبنانية وجهت إشارات باتجاه الاستقرار ولكنها في مجموعها كانت بحاجة إلى دور مصري يعزز تلك المسيرة ويضعها في إطار إقليمي أوسع يتناول الملف الفلسطيني (المصالحة) والساحة العراقية (حكومة وحدة وطنية). هذا الأمر لم يتحقق ما ترك أثره السلبي على الملفين الفلسطيني (فشل توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة) والعراقي (تراجع حظوظ إياد علاوي في تشكيل الحكومة الوطنية).

عدم نجاح التفاهم السعودي - السوري في تطوير المصالحة اللبنانية وتعميم إيجابياتها إقليمياً باتجاه القاهرة ومنها نحو العراق وفلسطين أدى إلى نوع من الجمود ومن ثم النكوص بالتعهدات ما ساهم في تعديل التوجهات فتأخرت المصالحة الفلسطينية ورست المناقصة الأميركية على المالكي.

هذا التحول الجيوسياسي يرجح أن يترك انعكاساته على الساحة اللبنانية باتجاه دفعها إلى دائرة التوتر والعودة مجدداً إلى تجاذبات تتشابه كثيراً مع فضاءات العام 2004. فالنكوص في دائرة العراق كانت رسالة سورية - إيرانية باتجاه لبنان وفلسطين ما يؤشر إلى احتمال عودة البرودة إلى العلاقات السورية - السعودية وتبعثر معادلة سين سين وتأخر توقيع المصالحة الفلسطينية في القاهرة.

المتغير المذكور لايزال في بدايته ويحتاج إلى أطوار للتبلور وإعادة التمركز في محاور إقليمية تعيد استقطاب التوجهات العامة. فالبرودة بين الرياض ودمشق تتطلب عودة السخونة بين القاهرة والرياض وهذا ما ظهر بعد زيارة وزير الخارجية المصري إلى جدة أمس الأول واجتماعه مع وزير الخارجية السعودي للتنسيق الثنائي بشأن الملفات الفلسطينية (تعثر المفاوضات المباشرة) والعراقية (تشكيل الحكومة) واللبنانية (دعم المحكمة الدولية).

التنسيق السعودي - المصري بعد فتور العلاقات على إثر التعارض في التعامل الثنائي مع الملف اللبناني وامتداده الإقليمي السوري - العراقي - الفلسطيني يرسل إشارة باتجاه احتمال عودة المحاور السابقة إلى الاستقرار على قاعدة معادلة دولية أخذت تكشف الولايات المتحدة عن أوراقها في بلاد الرافدين.

مذكرات الجلب السورية بحق 33 شخصية لبنانية وغير لبنانية ليست قضائية كما تبدو الصورة وإنما خطوة سياسية يمكن متابعة ملامحها من خلال المتغيرات التي ظهرت بوادرها الإقليمية في موضوع العراق وملاحقه المتمثلة في عودة البرودة إلى خط دمشق - الرياض والسخونة إلى خط الرياض - القاهرة. وفي حال تطور الثنائية إلى محورية سياسية إقليمية تصبح حالات التوتر مفهومة في الملف الفلسطيني (تعثر المفاوضات وتأخر توقيع المصالحة) والملف اللبناني (التجاذب الأهلي على المحكمة الدولية)... وأخيراً صدور مذكرات جلب بحق مجموعات محسوبة على قوى 14 آذار. إنها سياسة والسياسة مصلحة والضحايا مجرد أرقام في الحسابات.