قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد شهاب

لعبت الحواضر الشيعية الرئيسة -النجف وكربلاء- دورا مهما في الحراك السياسي داخل العراق، ودفعت الثمن باهظا، ما بين قتل واعتقال وتشريد وتهجير سكانها، ولاسيما المنتمين منهم لطبقة علماء الدين وأسرهم. وتشير بعض المصادر الحقوقية إلى الآلاف من الأسر العراقية التي تم تهجيرها قسرا وبصورة جماعية إلى خارج العراق، وتحديدا إلى إيران، حيث تعمدت السلطات العراقية تفريغ مدن العلم من المجتهدين والعلماء والفضلاء، ولاسيما بعدما خلع عدد منهم ثوب السكون وارتفعت أصوات النقد للظلم السائد.

ان شكوى علماء الدين تختلف من حيث التأثير عن شكوى غيرهم، فهم يتحصنون بترسانة شعبية لا تتوافر للآخرين، ويبرز ذلك بصورة واضحة بالنسبة إلى فقهاء المذهب الشيعي، التي تفضي مفاهيم الولاية ونيابة المعصوم هالة اضافية على مكانتهم في الوجدان الشعبي، وقد أفضت تلك المنزلة الرفيعة إلى منح فقهاء المذهب قدرة فريدة على قيادة حركات الثورة والتمرد والمواجهة. وكان علماؤهم من أبرز القادة الميدانيين. وتبدو هذه الصورة شديدة الوضوح في كربلاء، بعكس النجف التي نحت، بصورة عامة، الى التحصيل العلمي الرفيع، وابتعدت عن ساحات المواجهة، وخرّجت إلى العالم نفرا من أبرز الفقهاء والمرجعيات العليا على مستوى الطائفة.

ولا تتردد المؤسسة الدينية في النجف في السعي لإحكام هذا التوجه العلمي وإعادته الى مساره الهادئ، إذا مال إلى الثورة والنضال السياسي، كما حدث مع التحركات النشطة التي قادها السيد محمد باقر الصدر خلال فترة الستينيات والسبعينيات، إذ قدمت له بعض المرجعيات النافذة آنذاك نصيحة بالكفّ عن تأييد الناشطين في الساحتين السياسية والاجتماعية، وتجنبت الحوزة الدخول في صدامات أمنية تزعزع استقرارها العلمي، لذا درج العديد من الباحثين على وصف كربلاء بالمدينة الثورية، في مقابل المدينة العلمية وهي النجف.

يعتبر عصر حزب البعث الأكثر ضنكا على مسيرة علماء الدين في كلتا المدينتين، وبينما اقتصر الدور المرجعي في النجف، منذ إحكام البعث سيطرتهم على العراق، على الإفتاء الديني، وظل مراجعها يمارسون حياتهم بالحد الأدنى من التدريس والتواصل مع الجمهور، فإن كربلاء خلت تماما منذ أواخر العام 1969 من اي مرجعية تتواصل مع الناس، حتى على المستوى الإفتائي، فمرجعها البارز السيد محمد مهدي الشيرازي كان قد استقر رحاله في الكويت، قبل أن ينتقل إلى إيران في أواخر السبعينيات.

بالنسبة إلى مرجعية النجف، فيمكن اعتبار إطلالة السيد محمد باقر الصدر لحظة فارقة في تاريخها المعاصر، قدم الصّدر خلال حياته العديد من النظريات العلمية، وتقاطع بشدة مع الشأن العام، ولاتزال المجاميع العلمية تُدين للرجل الذي صاغ أطروحات متقدمة في مجال الاقتصاد والفلسفة والأسس المنطقية للاستقراء وغيرها، لكن أهم ما قدمه في المجال السياسي نظريته حول المرجعية الرشيدة، أعاد من خلالها تركيب العلاقة بين الفقيه المرجع والمجتمع، بحيث يأخذ الأول دور الشاهد، بينما يتسلم المجتمع مهام الخلافة، أي مسؤولية الحكم والإدارة.

قيَّد الصّدر ممارسة المجتمع لدوره الاستخلافي بقدرته على الممارسة الحرة، بعيدا عن حكم الاستبداد الذي يُحول المجتمع إلى قاصر يفتقر القدرة على استلام المهام المنوطة به، وفي هذه المرحلة يتصاعد دور الفقيه المرجع ليأخذ مكان laquo;الولايةraquo;، حتى إذا تخلص المجتمع من ذلك الظرف الطارئ، استعاد حقه في التصدي للشأن العام وحمل المسؤولية، فيما يعود الفقيه لأداء دوره كشاهد ومراقب، فظرف الاستبداد يجمع دوري الشهادة والخلافة في شخص الفقيه، فيما يحرر واقع الحرية بينهما.

قضى السَّيد الصدر شهيدا على يد النظام البعثي في العام 1980، لكن نظرياته ظلت حاضرة في فضاء النجف والعالم الإسلامي بصفة عامة، وأعتقد أنها أسهمت في توليد العديد من الآراء السياسية الحديثة، التي تجاذبت أطراف التفكير حول وضع الإسلام ومكانته في الدولة العراقية الراهنة، ودور مراجع الدين في الدخول أو الإحجام عن الشأن السياسي وقضايا السلطة. ولعل أبرز المحايثات هي السيرة العملية التي يتمثلها السيد السيستاني اليوم، وإصراره على تجنيب المرجعية الدخول كطرف في الحراك السياسي اليومي داخل العراق، وحثّه على الالتزام بالآليات القانونية، وإكتفائه بدور الشاهد الأمين، على الرغم من قدرته على الدخول في أدق التفاصيل.

يُعيد السيستاني صياغة دور الفقيه المرجع في الأمة، وفق الظروف والمعطيات التي تفرضها الساحة السياسية في العراق، ووضع الدولة العراقية في الخارطة السياسية للمنطقة، ويدفع الفقيه إلى أن يكون صمام الأمان، الذي يرأب الصدع، ويتيح الفرصة للمجتمع العراقي ونخبه السياسية أن تمارس مسؤولياتها من دون وصاية أحد، ضمن قناعة مُثبتة بالإيمان بصلاحية المجتمع على إدارة شؤونه، وأن الرشد السياسي عبارة عن عملية تراكمية تنضج مع التجربة وتتصاعد مع الممارسة، وهما وحدهما الكفيلان بإصلاح الأخطاء والارتقاء بالواقع السياسي في العراق.

من المؤكد أن ثمة مساحة واضحة من الاختلاف ما بين النظريتين في الحكم والإدارة وموقع الفقيه في الحياة العامة، لكن من المؤكد أن كلا الرجلين سعيا لتمكين المجتمع من أداء دوره بحرية تامة. ويمكن القول إنه لم تتوفر فسحة من العمر أمام الصدر ليرى العراق بلا طاغوت يتحكم برقاب أبنائه، فظلت نظريته طموحا يحتاج من يحملها إلى أرض الواقع. أما السيستاني فلم يقدم نظرية سياسية متكاملة الأركان، كما فعل الصدر، لكنه لم يوفر فرصة على أرض الواقع إلا واستغلها لتعزيز الإجماع الوطني حول الحكم المنتخب من قبل الأغلبية السياسية، مثبتا بذلك ثقته بالأكثرية، وقدرتها على اتخاذ القرار السليم، ومتجاوزا في الوقت ذاته كل الرهانات على بناء وطن طائفي،

أو عنصري في العراق.