صلاح نصر كان على رأس كتيبة الضباط الأحرار المسؤولة عن قصور الملك بالاسكندرية

عبدالناصر سجن أبي ولكنه ظل يحبه ويدافع عنه ورفض نشر ما يثبت قتل المشير
أبي أنشأ جهازا متطورا للمخابرات ولكن في دولة من العالم الثالث
أصيب بجلطة بعد هزيمة يونيو وقال له عبدالناصر quot;البلد محتاجة لكquot;
كتابات هيكل عن أبي افتراءات لا أساس لها من الصحة... ومصطفى أمين سبب كراهية الناس له
صلاح نصر كتب للسادات: لن أخرج من السجن على يد مصطفى أمين
حكايات اعتماد خورشيد وصفائح الذهب خزعبلات... وسعاد حسني كانت في رأي أبي quot; عميلة خائبةquot;
كان طيباً وحنوناً... يخاف الله ويبكي لبكاء الأطفال
القاهرة- سامي كمال الدين
صلاح نصر..اسم ما إن يذكر حتى تختلط المخيلة بمشاهد كابوسية لا يربط بينها رابط..معتقلات وسجون وجواسيس وتقارير أمنية ونساء وجنس ومال ومشاهد تكريم ومشاهد هزيمة ومحاكمات ودموع وضحكات شماتة وصيحات تؤيد وأخرى تندد... ضجة من الصور والأصوات يثيرها اسم الرجل في ذهن من يسمعه أو يقرأه وهو في ذلك معذور فلقد كان ولا يزال صلاح نصر هو صاحب الاسم الذي من السهل أن تثار من حوله الحكايات بالحق وبالباطل... والسؤال: ماذا لو لم يسقط النظام الذي كان يعمل فيه صلاح نصر? ماذا لو لم تحدث كارثة يونيو67? ماذا لو كان صلاح نصر ورجالات هذا العصر هم المنتصرون? هل كان لوقع اسمه الآن في الآذان نفس ما له من وقع مخيف? وبماذا يشعر أحد ورثه هذا الاسم.. ما هي مشاعر الابن?
التقينا الدكتور هاني صلاح نصر طبيب العيون الشهير فحدثنا عن أبيه...
صف لي احساسك حين كبرت وعرفت أن والدك هو quot; صلاح نصر quot;?
الحقيقة أصابني احساس غريب, مزيج من التناقض والدهشة, فالرجل الذي رباني واسمه quot; صلاح نصر quot; كان رجلاً طيباً, تقياً, يخاف الله, اذا شاهد طفلاً يبكي, يبكي مثله, وكان طوال وقته منشغلاً عنا ومهموماً بعمله, كان يأخذني في رحلات ويشترى لي هدايا.
أما صلاح نصر الذي قرأت عنه وسمعت عنه فقد كان رجلاً لا أعرفه, ومثل هذه الكتابات عنه ما هي الا كذب وتدليس واشاعات لا علاقة لها بهذا الرجل الحنون الذي عرفته, والذي استطاع أن يدير جهاز مخابرات شهد له العالم ببراعته وقدرته وأدائه المتميز.
دور الوالدين
كيف ترى دور والدك ليلة 23يوليو1952?
والدي كان أركان حرب الكتيبة 13 وكان المحرك الرئيسي لهذه الكتيبة, والتي كانت مهمتها الرئيسية الاستيلاء على قصور الملك بالاسكندرية وتأمين الاذاعة, وأوكل لوالدي ولعبدالمنعم عبدالرؤوف الاستيلاء على قصور الملك, وفي هذه الكتيبة كان أكبر عدد من الضباط الأحرار الذين استطاع صلاح نصر تجنيد أغلبهم لصالح الثورة.
كيف ترى علاقته بجمال عبدالناصر وما سر التحول بينهما?
أقول لك شيئاً قد تستغربه فرغم أن عبدالناصر حكم على والدي بالسجن أربعين عاماً, الا أن والدي كان يعشق الرئيس جمال عبدالناصر, وربطتهما صداقة قوية جداً, وقد قضى والدي في السجن سبع سنوات, ورفض في عهد أنور السادات أن يُستخدم للتشهير بجمال عبدالناصر وعصره, برغم أنه كان يمتلك من الأوراق التي ساومه عليها الرئيس السادات والتي كانت من الممكن أن تحدث تحولاً في الصورة الذهنية المرتبطة بالرئيس عبدالناصر لو تم نشرها فبهذه الأوراق ما يثبت قتل المشير عبدالحكيم عامر وليس انتحاره كما زعم.
اذن والدك وأنت تريان أن المشير قتل ولم ينتحر?
بالتأكيد, وأبي - رحمه الله - يرى ذلك وكان لديه الدليل القطعي على قتل المشير وبالوثائق التي تركها والدي وهي معنا الآن, ومنها سجل استخدام السموم عن طريق جهاز المخابرات, والذي ينفي نفياً قاطعاً أن المشير انتحر بالسم الذي ادعوا أنه تناوله, هذا الكلام ليس من عندي ولكنه مثبت في سجل جهاز المخابرات حيث ان الجرعة التي حصل عليها المشير عامر كانت سابقة جداً قبل تطور الأحداث ابتداء من 15 مايو 1967 والتي أدت في النهاية الى حدوث النكسة, وفي الحقيقة لم يكن أحد يتصور حدوث نكسة وأن هناك مشكلة تستلزم عزل القائد العام للقوات المسلحة عن رئاسته لها.
وهناك رواية قصها علي والدي دعني أرويها لك, فأثناء تحديد اقامة المشير ونقله الى المريوطية تم الاعتداء عليه وذلك بعد نقاش سياسي تطور الى تبادل الألفاظ النابية, ثم الاعتداء البدني عليه أعقبه دس جرعة السم له في مشروب عصير الجوافة, وقد أكد الشهود أن جثة المشير عامر خرجت من استراحة المريوطية التي كانت تحت اشراف المخابرات العامة مع جثتين, في الغالب انهما من قادة الحرس.
تمثيلية
لماذا يرى والدك أن تنحى الرئيس جمال عبدالناصر كان مجرد تمثيلية مدبرة مسبقاً اخترعها عبدالناصر ورفاقه?
لأن والدي كانت لديه التفاصيل كاملة, ويعرف ما قام به أفراد الاتحاد الاشتراكي ويعرف أيضاً ما كان يصنعه السيد سامي شرف, فالمتظاهرون جاؤوا من الصعيد حيث تحركوا ووصلوا الى القاهرة مبكراً قبل أن تتم اذاعة البيان, وتم حجزهم داخل اللوريات التي حملتهم حتى تمت اذاعة البيان, وبعد البيان تم اطلاق سراحهم بعد ذلك.
وبماذا تفسر المظاهرات التي خرجت تطالب بعدم تنحى عبدالناصر في سورية ولبنان وليبيا.. هل تم شحن الصعايدة في لوريات الى هناك أيضاً?
أنت تعرف أن الشعب العربي عاطفي, ويحتاج الى شرارة لكي ينطلق ويتحرك والحقيقة أن الخطة وضعت ونفذت, وبعد ذلك شارك الشعب العربي في التمثيلية.
رغم حب والدك لعبدالناصر - حسب روايتك - الا أنه استقال ثلاث مرات?
ذلك أن الرئيس جمال عبدالناصر كان يريد أن يوكل لوالدي أشياء لم يكن والدي راغباً فيها ولا راضياً عنها, أول استقالة قدمها والدي كانت بسبب استقالة المشير عامر العام 1962, فكما تعرف أن صلاح نصر انحاز للمشير رغم أن صلاح نصر كان وسيطاً نزيهاً في التعامل بين الصديقين عبدالناصر وعبدالحكيم عامر, وهو الذي أقنع المشير بالعودة.
أما الاستقالة الثانية فكانت بسبب قضية الاخوان المسلمين, ذلك لأن عبدالناصر كان يريد أن quot; يوكلها quot; للمخابرات العامة, وبعد 1967 أصيب والدي بجلطة نتيجة الضغوط التي تعرض لها, وحجز حجزاً طبياً في حجرته في جهاز المخابرات, وقام عبدالناصر بزيارته وقال له أثناء هذه الزيارة: quot; البلد محتاجة لك quot;, وقال والدي ان هذه كانت لحظة انسانية بينهما لا تتكرر, وقد ظل والدي في المخابرات العامة حتى 26/8, وأراد عبدالناصر أن يوكل اليه مسؤولية وزارة الحربية ورفض لأن والدي قرر ألا يضع نفسه بديلاً لعبدالحكيم عامر, فطلب عبدالناصر من والدي أن يقترح عليه أسماً واقترح عليه الفريق عبدالمحسن مرتجي.
الأكثر تأثيراً
من الشخصية الأكثر تأثيراً في حياة صلاح نصر?
تأثر والدي كثيراً بأمه التي ماتت وهو في السابعة عشرة من عمره, وكانت قد تجاوزت الثلاثين بقليل, وصدم صدمة كبيرة برحيلها.. كان ينتظر نتيجة دراسته الثانوية -ثانية ثانوي- وكانت أمه على فراش المرض جاءها سعيدا وقال لها أنه نجح فقالت له: الحمد لله.. الله معك. وبعد دقائق فارقت الحياة.. وفي عام 35 و1936 كان يدرس في محافظة قنا - جنوب مصر - وتعرف كثيراً على الصعيد وبهرته أسوان والأقصر ودندرة وإدفو وكوم امبو. وبعد عام قضاه في قنا عاد مع والده الى القاهرة لينتهي من دراسته الثانوية ويلتحق بالكلية الحربية - دفعة أكتوبر 1936 - ولم يكن والده مرحباً بدخوله الكلية الحربية, ومرت في هذا الوقت أحداث عدة عاصرها وتأثر بها ومنها نشوب الحرب العالمية الثانية والوزارت الائتلافية ووزارة حسين سري وحادث 4 فبراير 1942 والأحكام العرفية وانقسام الوفد وكتابة مكرم عبيد الكتاب الأسود ضد النحاس واقالة وزارة النحاس واغتيال أحمد ماهر ثم قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في نوفمبر 1948وعودة الوفد للحكم.. كانت الحياة السياسية في مصر مضطربة في ذلك الوقت, والشباب التأثر يبحث عن دور له, وكان صلاح نصر صديقاً لعبدالحكيم عامر منذ عام 1938 أثناء دراستهما في الكلية الحربية, وفي احد لقاءات عامر ونصر, فاتحه عامر بالانضمام الى تنظيم الضباط الأحرار فتحمس صلاح نصر للفكرة وانضم الى التنظيم, وكان جمال عبدالناصر يدرس لهم مادة الشؤون الادارية في الكلية الحربية.. وليلة ثورة 23 يوليو 1952 قاد صلاح نصر الكتيبة 13 التي كان فيها أغلب الضباط الأحرار.. وعينه عبدالناصر في 23 أكتوبر 1956 نائباً لرئيس المخابرات.. وكان علي صبري مديراً للمخابرات, وكان زكريا محيي الدين مشرفاً على المخابرات والمحرك الفعلى لها لانشغال علي صبري بادارة أعمال مكتب عبدالناصر ثم عينه رئيساً للمخابرات في 13 مايو 1957 وعين علي صبري وزيراً للدولة وزكريا محيي الدين وزيراً للداخلية.
المخابرات والنساء
ما تعليقك على تجنيد والدك لنساء وممثلات في جهاز المخابرات المصري?
في جهاز المخابرات يوجد قسم يسمى quot; السيطرة quot;, يستخدم سيدات متطوعات للإيقاع بالجواسيس مثل أي جهاز مخابرات في العالم, وهؤلاء النساء كن يأتين برغبتهن, المشكلة الحقيقية كانت في الفترة التي تلت نكسة 1967 حيث كانوا يتصيدون فيها أي أخطاء لجهاز المخابرات الذي أدى دوره كاملاً في الحرب وعلى أحسن وجه, وقد ذكر عبدالناصر نفسه أن جهاز المخابرات كان من أقوى أجهزة المخابرات في هذه الفترة, وقد حصل والدي على أعلى تقدير بحصوله على قلادة النيل العام 1966 عن الدور الذي قام به.
لماذا رفع والدك قضية على فاتن حمامة رغم تكذيبها لما نشر على لسانها?
لكي يكذب ما نشر بشكل رسمي, وهو الكلام الذي قالته في مجلة آخر ساعة وكان ما نشر كان أحد أساليب الدعاية المثيرة التي كان يقوم بها مصطفى أمين.
لكن تردد أنه استعان بفنانات في جهاز المخابرات?
تولى والدي جهاز المخابرات العام 1957, وتمت الاستعانه بالعنصر النسائي في الجهاز للمرة الأولى العام 1962, حيث قام والدي خلال هذه السنوات الخمس بتطوير جهاز المخابرات بشكل عصري جداً, ومن الجمل المهمة لوالدي quot;ان مشكلتي الحقيقية أنني أنشأت جهازاً متطوراً جداً وبأرقى أسلوب في دولة من دول العالم الثالث, وتمت الاستعانة بالنساء لوجود طلب من الرئيس عبدالناصر بتكثيف العمل الداخلي الى جانب الأعمال والمهام الخارجية في جهاز المخابرات لأن هذه الفترة أعقبت الانفصال المصري السوري, وكان الرئيس عبدالناصر يحس بالخطر ويحس بأن هناك انقلابات عسكرية وشيكة, وتم بالفعل اكتشاف بعض الخلايا النشطة داخل القوات المسلحة, وكان هناك تحرك من الاذاعات الخارجية ضد الرئيس عبدالناصر.
لكن ما نشر يؤكد هروب فاتن حمامة من مصر بسبب والدك?
من قال ذلك?
فاتن حمامة قالت ذلك في حديث صحافي لها نشر في مجلة المصور عدد 12 ابريل 1991: quot; جاءني رجال من المخابرات عن طريق شقيق فنان يعمل في الاستعلامات ومعه كتب غريبة عن الجاسوسية وطلب مني قراءتها, وقال لي: اننا نثق فيك وأنك لن تتكلمي رغم أننا نعلم أن لك أشقاء يتكلمون, ومن أجلك أنت لم نؤذ أحداً منهم, التهديد كان مباشراً تقريباً, طلب مني التعاون, فسألته: كيف? فقال أبداً فقط اقرئي هذه الكتب ومضى, وقرأت أحد هذه الكتب ولم أنم, أسبوع لم يغمض لي جفن, وكرهت النظام كله, وسافرت ولم أعد لمصر الا بعد وفاة عبدالناصر quot;, وأكد كلامها سعد الدين وهبة, حين كان رئيساً لمجلس ادارة الشركة العامة للانتاج السينمائي العربي quot; فلمنتاج quot; في يوليو عام 1966 حين استدعاه زكريا محيي الدين - رئيس الوزراء وقتها - وقال له ان الرئيس يقول ان فاتن حمامة ثروة قومية لابد أن تعود الى مصر بأي شكل من الأشكال, وأن الريس مستعد لتنفيذ كل متطلباتها ولم تعد?
لابد أن ننتبه أن في هذه الفترة كان هناك أكثر من جهاز مخابرات, هناك كلام مرسل كثير وغير حقيقي, ثم ان السيدة فاتن حمامة رددوا حولها أقاويل خاصة بعلاقة مع مسؤول مخابرات دولة عربية, وهذا أيضاً يدخل في نطاق الكلام المرسل وحكايات أخرى كثيرة.
سعاد حسني
وماذا عن دور سعاد حسني في المخابرات?
سعاد حسني تم تجنيدها فعلاً في جهاز المخابرات, لكن والدي كان يرى أنها عميلة خائبة, ولم تؤد المهام التي كانت موكلة اليها بكفاءة, ذلك أنها كانت تهتم بحياتها الشخصية ورغباتها أكثر من المهام الموكلة اليها.
وماذا عن صفائح الذهب التي أخفاها والدك في فيللا اعتماد خورشيد?
لا أرد على هذا الكلام.. هذه خزعبلات.
وكيف ترى حديث هيكل في قناة الجزيرة عن والدك بأنه طاغية ويعاني من كبت جنسي?
والدي لم يكن كذلك على الاطلاق, لقد استند هيكل الى أكاذيب وافتراءات لا أساس لها من الصحة.
أيضاً قال هيكل أن والدك كان يتعاون مع السفارة الأميركية?
والدي كان بالفعل على اتصال بالسفارة الأميركية قبل نكسة 1967 ولكن بأوامر رئاسية.
وماذا عن علاقته بالرئيس أنور السادات?
لم تحدث بين والدي والرئيس السادات مشكلات ولا خلافات, لكن الظروف السياسية ومحاولة تقرب السادات من الأميركان وافراجه عن مصطفى أمين الذي كان يكتب بكل سوء عن والدي في الأخبار, ولعل هذه الكتابات هي سر نظرة الناس السيئة لوالدي, ولكن لأن والدي شخص محترم رفض ما اقترحه عليه مصطفى أمين وهو في السجن, حيث كان والدي محبوسا مرضياً في مستشفى قصر العيني, وأرسل له من خلال طبيب في المستشفى بأنه مظلوم وأن السادات سوف يفرج عنه وأنه سوف يكلمه لكي يفرج عنه, وكل ما يطلبه منه أن يقول ان عبدالناصر هو الذي لفق له قضية التجسس, وطلب مصطفى أمين من والدي أن يوقع على هذا الكلام, ولكن والدي رفض وأرسل لأنور السادات قائلاً: أفضل أن أبقى طيلة عمري في السجن على أن أخرج منه على يد جاسوس, واذا ذهبت الى جهاز المخابرات ستجد أن القضية المثالية رقم quot; 1 quot; قضية مصطفى أمين.
هل بارك صلاح نصر زيارة السادات للقدس?
بالعكس كنا في مأتم, كأن مصيبة قد حلت بنا, رغم ان والدي تلقى عرضاً - عقب النكسة مباشرة - من الأميركان بحل القضية الفلسطينية تماماً وعودة كل الأراضي المصرية والسورية مقابل الاعتراف الضمني باسرائيل, وهذا الكلام موجود في الوثائق, فقد كان عبدالناصر فاتح quot; سكة quot; مع الأميركان بعد الحرب, وقد رفض عبدالناصر هذا العرض, وهناك خطابات من جونسون مع والدي في هذا الأمر.