قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد عبدالله محمد

نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ينشط في ملفات سياسية مُحدَّدة. أهم تلك الملفات هي التقسيم، أعني به تقسيم الدول أو تفتيتها. قبل سنوات قليلة قدَّم اقتراحه التقسيمي لتثليث العراق. شيعة في الجنوب. سُنَّة في الوسط. أكراد في الشمال. فَشِلَ ذلك المشروع على مستوى العنوان لكنه تحقَّق في المُعَنوَن والمحتوى نتيجة المخاض العسير الذي كانت تنفه الأزمة العراقية بتداخل السياسي بالديني، والإثني بالمذهبي، والأخير بالمصالح المتشابكة.

اليوم يسْهر بايدن على فِعْل ذات الأمر في السودان. بمعنى تقسيم تاسع بلد في العالَم من حيث المساحة (2.5 مليون كم)، وأكبر الدول العربية والإفريقية، ويستحوذ على 8.3 في المئة من مساحة القارة السمراء. ويُشكّل المعبر الأساس بين الشمال الإفريقي والجنوب، وبه مئتا مليون فدّان زراعي، ويُجاور عشر دول هي: ليبيا، تشاد، مصر، إفريقيا الوسطى، كينيا، أريتريا، الكنغو الديمقراطية، يوغندا، أثيوبيا ومن لسان البحر الأحمر المملكة العربية السعودية.

بايدن (أو كما يُسمَّى بين السياسيين الأميركيين جو للتخفيف) ينتسب رسمياً إلى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ونشأ يتغذَّى بِنَهَمٍ على قراءة الإرث الكاثوليكي الإيرلندي. لذا فهو ورغم ليبراليته واعتداله كما يُقال إلاّ أنه مُتَأسِّسٌ على قِيَم لا تخلوا من تماس مع الحالة الدينية المسيحية (اليمينية). يُؤيِّد تسوير الولايات المتحدة من جهة المكسيك، ومُؤيّد شَرِس لغزو أفغانستان قبل تسع سنوات، وفيما خصّ السودان فقد كان مُتحمِّساً جداً إلى تعزير هذا البلد عبر إرسال قوات أميركية إلى أراضيه لتأديبه.

في غير مرّة كان بايدن مُستغرقاً في الدفع بضرورة تقسيم السودان وإجراء الاستفتاء والتشجيع عليه عبر وكالة المخابرات المركزية الأميركية والضَّخ الإعلامي المقروء والمسموع والمرئي، وعبر مُجمّع الكنائس العالمي. وفي أحيان كثيرة كان يتّصل بعلي عثمان محمد طه الذي يشغل منصب النائب الثاني للرئيس السوداني ليُسمعه كلاماً خارجاً عن أصول الحديث مع الدبلوماسيين، بالتحدث عن أمور الجنوب بما لا ينبغي الحديث به لدولة ذات سيادة.

فكرة بادين تقوم على مبدأ جيواستراتيجي يُسمّى القاعدة التجارية البديلة. فواشنطن تعتبِر القارة الإفريقية المخزون المنجمي والطبيعي للعالَم غير المُستغَل أو غير المُلتَفَت إليه. هي تريد أن تُمسِك بمحيط البحيرات العظمى (السودان، أوغندا، رواندا، بورندي، الكونغو الديمقراطية، كينيا، تنزانيا، أثيوبيا وإريتريا) والانطلاق نحو وعاء القرن الإفريقي الأكبر بإضافة أديس أبابا ومقديشو وأسمرة وجنوب السودان بعد بَترِه إلى دول القرن الأصلية، وتشييد رافعة اقتصادية تجارية لرفد مصانع الطاقة الأحفورية الأميركية للتخلّص من أعباء منطقة الخليج التي ما فَتِئت تتأثَّر بالصراع العربي الصهيوني وبالتجاذب الأميركي الإيراني غير المحسوم.

حسناً، لا أريد الاستغراق أكثر في أصل المشروع الأميركي الإمبريالي هناك، إلاّ أنني أرُوم الحديث عن التوجّهات الأميركية على المستوى الدولي والتي عادة ما تصوغ الحالة الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة. فالنَّفَس الذي يُحرِّك واشنطن هو عبارة عن سلوك إمبريالي يعصر آخر قطرات الاعتماد على هامش القوّة، إلى درجة أن الأميركي أصبح صنواً للاعتداء على الغير سواء بالحروب أو بالعقوبات أو بالتحالفات والعمل الاستخباراتي المُضاد. وقد قادَ ذلك إلى تشكّل تيار بشري عريض يمتد من جنوب القارة العجوز إلى حيث اللاتينيين في الجنوب الأميركي.

تركيا حليفة لواشنطن لكن 43 في المئة من الأتراك يعتبرون الولايات المتحدة laquo;التهديد الرئيس لبلادهم تليها إسرائيل بنسبة 24 في المئة مع وجوب تجميد العلاقة معهاraquo;. هكذا كان يرى 63 في المئة من الأتراك. أما إيران التي كانت ولاتزال واشنطن تُروّج على أنها المصب الرئيس للإرهاب العالمي فلا تُشكّل كَهَوَس من الأتراك بتهديدها لبلادهم سوى 3 في المئة، وكذلك بالنسبة لليونان التي تُعتبر خصماً تاريخياً لأنقرة حيث لم تَنَل سوى 2 في المئة من آراء المُستَطلَعِين.

الأنباء الأخيرة من الصين تفيد بأن الأخيرة تسعى جاهدة لإعادة التوازن في محيطها الجغرافي وفي المحيط الهادئ والشرق الآسيوي. وقد سعت مؤخراً لإنتاج قاذفة خفيّة (جاي 20) تحمل صواريخ تستطيع أن تقيم توازناً للرعب المتبادل مع الأميركيين. وربما لم يندفع الصينيون إلى هكذا حال إلاّ بعد أن أصبح الجُمُوح الأميركي لا يُطاق تجاه مصالحها، سواء في الوسط الآسيوي أو حتى بالنسبة للنشاط التجاري الصيني في جنوب السودان وما بعده.

في كلّ الأحوال، فإن صياغة منظومة مصالح أميركية بهذه الطريقة، لن يُؤدّي إلاّ إلى إيجاد مساحة أكبر من الصراعات والخصومات بين الأقطاب، فالمصالح ليست بالضرورة متلازمة مع القوة والدبلوماسية القاسية. وربما بات البعض يتحدث اليوم بصوت أقوى من السابق بضرورة استحضار تجارب السياسات الخارجية القائمة على الحُلُول الجماعية وتحييد القوة حتى من بين الحلفاء ذاتهم.