قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن منيمنة


يقدّم المسؤولون الإيرانيون الدعوة التي وجهتها الجمهورية الإسلامية لممثلي الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرهم على أنها بادرة حسن نية للتأكيد على شفافية البرنامج النووي الإيراني وسلميته. وعلى رغم تأكيداتهم هذه، فإن الدعوة تأتي قاصرة في أكثر من وجه كبادرة حسن نية، بل تندرج في شكل قاطع في إطار الحرب المستمرة، السياسية والكلامية والتموضعية، بين إيران والولايات المتحدة. وهي الحرب التي يشكل البرنامج النووي الإيراني حلقة مهمة فيها من دون أن يكون موضوعها الأصلي أو الدافع الحقيقي لها.

والكلام عن التصعيد وصولاً إلى ضربة إما تسقط النظام في طهران أو تدفعه إلى التقوقع الدفاعي، يتوالى منذ أعوام، مع توقعات متفاوتة وحسابات متضاربة في التوقيت والإمكانية والجدوى. والكلام، من شق آخر، عن يد ممدوة واحتمال التوصل إلى ترتيب في المنطقة والعالم تتوافق من خلاله مصالح الطرفين، يتكرر كذلك منذ أكثر من عامين. إلا أنه لا هذا ولا ذاك قد تحقق، بل تستمر الخطوات التصعيدية والتنفيسية برتابة تكاد توحي بأن حالة التوتر، أو هذه الحرب غير الحامية، هي الاستقرار الذي يرضي الجانبين.

والمفارقة هي أن الملفات الخلافية بين واشنطن وطهران، على رغم كثرتها، تكاد تكون بمجموعها قابلة للمساومة والتسوية بما يفيد كلاً منهما. والمساومات من هذا النوع ساهمت في الأعوام الماضية في تحسين مواقع الطرفين في العراق وأفغانستان، وإن كانت هذه المساومات هشّة وعرضة للفضّ نتيجة خطوات أحادية تهدف إلى تجاوز طرف الآخرَ. وكما في ملفي العراق وأفغانستان، كذلك في ملفات النفط وأمن الخليج والعلاقات الدولية لإيران، يبقى التعارض في المواقف والمصالح بين طهران وواشنطن قابلاً للتذليل، بحيث يستقر عند مستوى التنافس المقبول وليس العداء المفضي إلى حتمية المواجهة. وحتى ملف لبنان، والذي يشكل حزب الله فيه أنجح استثمار خارجي لطهران منذ الثورة الإسلامية، فإنه ليس عقبة دائمة أمام تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، إذ يمكن، نظرياً على الأقل، إعادة تحديد المهمة المناطة بالحليف المحلي لتقتصر على تثبيت النفوذ في الدولة والمجتمع، مع إسقاط البعد الخارجي للدور الحالي لهذا الحليف. ولا يبدو، استقراء لسلوك واشنطن في الأعوام الماضية، أن اعتراضها على نتائج إعادة تحديد في هذا الشكل سيتعدى الموقف المبدئي.

يبقى موضوع فلسطين. وهنا أيضاً، من وجهة نظر موضوعية بحتة، ليس لإيران مصلحة تتعارض مع مسعى الولايات المتحدة للتوصل إلى صيغة تسوية تضمن أمن إسرائيل وتخرج القضية الفلسطينية من إطار الاستعمال التعبوي، سوى أن طهران ذاتها قد لجأت إلى هذا الاستعمال التعبوي لتعزيز مواقعها في المنطقة ككل. فقد لا يكون لإيران مصلحة موضوعية أصلية في الملف الفلسطيني، إلا أن اعتمادها القضية الفلسطينية في خطابيّاتها قد أسس لبروز مصلحة ذاتية عميقة ترتقي إلى مصاف المصلحة الموضوعية. وإذا كان بالإمكان إلى حين ما التمييز بين الثورة والدولة في هذا الشأن، فإن هذا التمييز لم يعد اليوم ممكناً. فالتزام الثورة الإسلامية بالقضية الفلسطينية التزام أصيل ينسجم مع تشخيصها للاستكبار والاستضعاف، ومع تجربة الكثير من وجوه الثورة أنفسهم في العمل النضالي في كنف المقاومة الفلسطينية. وإذا كان منطق الدولة يختلف حتماً عن منطق الثورة، بحيث تتراجع معه الاعتبارات المبدئية والشخصية لمصلحة المقومات العملية، فإن الدولة في إيران قد استفادت من الفراغ في الساحة العربية من طرف قابل أن يُعوَّل عليه في دعم الفعل المقاوم في فلسطين، وطرحت نفسها لهذا الدور، وجنت من هذا الطرح استطياباً مهماً لدى أوساط مختلفة سياسية وشعبية وثقافية، ما يشكل الأرضية للامتداد بالنفوذ.

وبصرف النظر عن موقع الثورة في الازدواجية (أو حتى الانفصامية) التي تعيشها إيران بين الثورة والدولة، فإن الدولة نفسها هي اليوم أسيرة القضية الفلسطينية، لا يمكنها إلا المزايدة على نفسها في شأنها وإلا بددت جهدها ومكاسبها في المنطقة، من دون أن تكون قادرة أبداً، على رغم أوهام البعض، على قلب الموازين لتحقيق مضمون خطابها. ولا هذه الدولة قادرة طبعاً على تبرير إدراجها هذه القضية في صلب سياستها لجمهورها، والذي يزداد ابتعاداً عنها وتزداد هي مع ذلك قمعاً له.

فاستقرار الحال على حرب كلامية وسياسية وعقوبات وملاحقات، من وجهة نظر أميركية، ليس فشلاً بل نهج قائم على قراءة متأنية لحالة ارتباك وتورط إيرانية لا يبدو أن طهران قادرة على الخروج منها. لا يمكن الولايات المتحدة بطبيعة الحال أن ترضى بحيازة إيران السلاح النووي، وبالتالي فالتضييق يهدف إلى تأخير احتمال تحقيق هذه الحيازة إلى أن تفعل التناقضات الداخلية فعلها في إيران.

أما من طهران، فالرؤية مختلفة. وتوقعات انهيار النظام أو تآكله أو تبدله من الداخل قد سوّقت في الدوائر الغربية مرات عدة من دون أن تقترب من الواقع. بل فيما بعض الغرب يتابع عقارب الساعة بانتظار السقوط الموعود، كانت طهران تصافح كاراكاس وبرازيليا وأنقرة وغيرها. فإذا كان مسعى واشنطن هو الاحتواء، فإن مساعي طهران قد حققت خلاف ذلك، أقلّه إعلامياً. ولكن السؤال يبقى: ما الذي حصّلته إيران من هذه الاختراقات المفترضة، في ما يتعدى الرمزية؟ تستطيع طهران أن تهنئ نفسها بأنها أقامت قدراً من الندية مع واشنطن في إطار استقرار المواجهة بينهما. غير أن هذا الإنجاز يأتي مأزوماً بحقيقة أن ثمنه ضغوط متواصلة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إيران، ربما مقابل قدر من القلق في بعض دوائر الحكم في واشنطن.

وفي حين أنه لا يبدو أن نهاية معركة الاستنزاف غير المتكافئ هذه قريبة، فإنها على رغم ذلك معركة وأثمان كان بالإمكان تجنبها لو أن مساعي صادقة تبذل لإعادة الثقة المفقودة، بدلاً من المناورات الصورية.