قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جعفر الجمري

حين يتحول الاحتجاج إلى إرهاب، كما هو الحال في العالم العربي في صورة وواقع فريدين لا تجد لهما مثيلاً بين أمم الأرض، تصبح الحرية في هذا الجزء من العالم، مشروع انقلاب على الأنظمة بمختلف مسمياتها العسكرية أو الديمقراطية.

فقط في العالم العربي بموازاييكه الفريد يتحول الاحتجاج على رفع الأسعار ورفع الدعم عن السلع، والاحتجاج على تجاوزات وخروقات هنا وهناك ضرباً من الطعن في عصمة السلطة وإلهية تنصيبها، والراد على السلطة راد على الله، كما هو الحال أيام الخروج على الخلافة بتحولها إلى ملك عضود، وكما هو الحال أيضاً أيام محاكم التفتيش في العصور الوسطى بأوروبا التي مارست فيها الكنيسة عنفاً وتنكيلاً خارجاً على النص ضد كل أصوات الاحتجاج والتنوير والتساؤل والتفكير والمعرفة.

لكأنَّ العصور الوسطى؛ بل والعصور الجاهلية تتكرر في صور وممارسات شتى. لا يغرنّك التحديث في صوره وأشكاله الفارغة. لا تغرنّك مشروعات التنازل لإتاحة أمتار من فضاء احتجاج لدى بعض الأنظمة فكل ذلك لزوم مجاراة العالم، ولو في القشر من الممارسة، والكاذب من التوجه والفعل.

الملفت في الأمر أن منح الناس حقهم في التنفس والاحتجاج لا يكلف معشار ما يكلفه سد أفواههم، والحجْر على آرائهم، والتضييق على معتقداتهم وحقوقهم، لأن كلفة ممارسات كتلك تتجاوز آلاف أضعاف كلفة الأولى، وهذا ما وعت له الحركات الإصلاحية ما بعد استبداد الكنيسة في العصور الوسطى؛ بدليل نشوء حركات تنوير امتدت آثارها لتنعكس على أهم قفزة في تاريخ الإنجاز الإنساني، وصولاً إلى الثورة الصناعية، وليس انتهاء بما نشهده اليوم من ثورة معلوماتية أخذت بإنسان هذا الكوكب إلى مراحل تغيير واقعه ومصيره.

ببسيط العبارة، الاستبداد لا يخلق ولا يمهد أرضية لأي إبداع. هو يمهد للخسف والتواري والإعاقات والتشوهات والعُقد والانفلات ونشوء أحزمة للنسف.

وإذا كان الاحتجاج ضمن جغرافيتنا العربية أساً للإرهاب في نظر وحسابات الأنظمة، فما الذي تنتظره تلك الأنظمة من محصلات ونتائج في ظل ممارسات الحجْر والتضييق والمصادرة والقمع والتنكيل؟
لمعة

ذكر المؤرخ، أبوالحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، في الجزء الثالث من سفره القيم laquo;مروج الذهبraquo;: laquo;حدّثنا المنقري، عن مسلم بن إبراهيم أبي عمرو الفراهيدي، عن الصلت بن دينار، قال: سمعت الحجاج يقول: قال الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن الآية 16)، فهذه والله، وفيها مثنوية - أي استثناء - وقال: (اسمعوا وأطيعوا) (التغابن: 16) وهذه لعبدالله وخليفة الله ونجيب الله عبدالملك. أما والله لو أمر الناس أن يدخلوا هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي حلالاًraquo;.