أحمد الخطيب


عندما أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه، اعتبر كثيرون أن ذلك عبث لا طائل منه.
وعندما هب الشارع التونسي غاضباً، اعتبر بعض الفلاسفة العرب المعاصرون أن ما حدث في تونس هو بسبب الوضع المميز فيها من بحبوحة وثقافة، وفق ما تشير اليه الدراسات العالمية الكثيرة. وقالوا ان هذا الانفجار لا يمكن ان يتكرر في أي بلد عربي آخر، ولم يتوقفوا امام ارقام معدلات البطالة التي تجتاح الشباب التونسي.
لهذا ضحكوا عندما بدأ عدد من الشباب المصري بحرق نفسه، معتبرين ان هذا عين العبث، وان الشعب المصري مسالم (أي انه ـــ برأيهم ـــ مستسلم وغير مبال)، متناسين تاريخ هذا الشعب البطولي وثوراته المتواصلة. صحيح أنه شعب صبور، لكنه معتز بكرامته، وحريص على توفير لقمة العيش لأبنائه.
هذا هو الغباء الفلسفي العربي للنخبة العربية ـــ كما تسمي نفسها ـــ وللأحزاب السياسية التي فقدت شرعيتها وأفلست واستسلمت وأفسدتها المادة، فأصبحت من رواد صالونات الكبار والحرامية لتنعم بما يرمون به اليها من فتات ما يسرقونه من قوت الشعب.
لماذا لم يستطيعوا قراءة المستقبل؟ ألم يطّلعوا على ما كان يردده أصحابهم الخبراء الغربيون في هذا المجال؟
فتقرير الــ I.M.F (صندوق النقد الدولي) بتاريخ ديسمبر 2008 يقول: laquo;ستجتاح العالم تظاهرات عنيفة، ما لم يتغير نظام اقتصاد العالم ليعود بالفائدة على الشعوب، بدل استفادة القلة الحاكمةraquo;.
مدير الامن القومي الأميركي DENNIS BLAIR يقول للكونغرس الاميركي ان laquo;دوام الضائقة الاقتصادية التي تجتاح العالم، لمدة سنة او سنتين، ستتسبب في انهيار الادوات الامنية المنوط بها حفظ النظام في دول العالمraquo;.
والسبب الثاني في ضياع هذه النخبة، هو عدم قدرتها على فهم هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ البشرية، لأن الحدود الجغرافية المعروفة للدول قد سقطت امام ما يسميه بريجنسكي، مدير الامن القومي الاميركي السابق AWAKENING GLOBAL_POLITICAL، أي الصحوة السياسية العالمية، التي تعتبر الامل الكبير للانسانية جمعاء.
هذه الثورة، يقول انها قد بدأت ولا سبيل الى التحكم فيها، لانها مشروع شباب العالم الذي قرر ان يتولاها هو لا غيره، وسلاحه هو ما وفرته ثورة الاتصالات من مواقع مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب ومدونات وموقع ويكيليكس.. فها نحن نشاهد هذه الانتفاضة الشبابية العالمية في دول اميركا اللاتينية، مثل بوليفيا وتشيلي اللتين ثارتا ضد الغلاء، وكذلك في ألبانيا التي انتفضت ضد الانتخابات المزورة.. لقد أصبح العالم بالنسبة لهذه الاغلبية الشبابية قرية واحدة تخطت الحدود الجغرافية المعروفة، فقد أدركت ان مشاكلها واحدة، ومرتبطة بعضها ببعض، فكل حدث في أي بقعة في العالم يؤثر في الجميع، فمن كان يصدق ان انهيار سوق الاوراق المالية في مصر الفقيرة سيؤثر في كل الأسواق العالمية؟
بالطبع، فبالنسبة الى المنطقة العربية ما يحدث في مصر سيكون له أكبر الاثر في تحديد هوية المنطقة العربية برمتها. ولهذا رأينا الانظمة العربية المماثلة تتنادى في الدفاع عن النظام المصري، وتصف معارضيه بأبشع الصفات، لأن معظم هذه الانظمة واقعة تحت المظلة الاميركية، وعجزها يوفر للعدو الصهيوني الفرصة لكي يصول ويجول في المنطقة، ولهذا فهو مرعوب من أي اخلال بهذه المعادلة.
لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فهذه أميركا والدول الأوروبية، الراعية للنظام المصري والداعمة له في البداية، تتخلى عنه تدريجيا، حتى أصبحت الآن تتبنى مطالب الشعب الغاضب وتحاول الا تخسر صداقته.
لكن الاحداث تقول ان هذه الخطوة جاءت متأخرة جداً يا أوباما ويا أوروبا، وهي محاولة كذلك للتضحية بالقائد والحفاظ على المساعدين الذين اشتركوا معه في قهر الشعب.