محمد الرميحي


أمام هذا الزخم من التحليلات المرئية والمكتوبة، وأمام تسارع الأحداث في مصر، مع اشتراك الخيل والجمال في المعركة، لا يستطيع متابع يكتب بأربع وعشرين ساعة - قبل النشر - أن يجزم بشيء، حتى لو كان تحليلا وتوقعا. فالمسار السياسي في مصر اليوم مفتوح على كل الاحتمالات. سوف أناقش هنا المشترك والجوهري، لأنظر إلى الغابة بعيدا عن الشجرة المهتزة، أن تطرح ثمرا أو لا تطرح.
عدد من التساؤلات يقفز إلى الواجهة:
الأول: هل سوف يحدث في مصر ما حدث في تونس - بحذافيره - أم أن هناك سيناريو آخر يمكن توقعه؟ الأكثر قربا إلى المنطق أن ذلك لن يحدث طبق الأصل، فمصر مختلفة عن تونس حجما سكانيا وتوزيعا للقوى الاجتماعية وموقعا وتاريخا. صحيح أن القائمين على الحراك المصري أو بعضهم يرغب أن يحدث في مصر تقريبا ما حدث في تونس، إلا أن القراءة الأولى أن ذلك لن يتم، سوف يكون هناك تسليم وتسلم للسلطة، وإن بدا قسريا، إلا أنه مختلف عما حدث في تونس، وهو الأقرب إلى ثقافة الجمهور السياسي المصري. إلا أن النتيجة النهائية لا يستطع أن يحددها أحد الآن، فيما إذا كانت نتائج هذا الحراك الكبير إيجابية - كما يريدها عدد كبير من السياسيين والناشطين المصريين - بمعنى إقامة جمهورية رابعة مدنية وحديثة، أو سلبية بمعنى قفز قوة أو قوى متحالفة منظمة لاقتناص الفرصة لحكم مصر وربما أيضا بستار قريب إلى الشمولية.
القوة المنظمة الرسمية الكبيرة في مصر هي الجيش، ثبت أن الحزب الوطني بتشكيلاته قام على انتهازية كبيرة، وليس لديه قوة مدنية فاعلة، لذلك استخدمت بعض أجنحته laquo;البلطجةraquo; مصحوبة بخيل وجمال لتفتيت جموع المحتجين. بل بعض قياداته قفز من السفينة قبل الغرق. التنظيم الشعبي الأكثر صلابة وتكاتفا في مصر هو laquo;الإخوان المسلمونraquo; ومن يقرأ أدبيات الإخوان يعرف أن بينهم تيارات مختلفة، وفيهم من يجلس على يسار فكر التنظيم أو على يمينه، بل إن أكبر عدد من laquo;الإخوانraquo; هم ربما من laquo;الإخوان السابقينraquo;! ولكن صلب التنظيم محكم، مركزي، وقائم على الطاعة العمياء. جزء من ذلك الإحكام التنظيمي، الملاحقات الأمنية السابقة لأفراده. إذا أضفنا إلى ذلك أن معظم الشعب المصري متدين بطبعه، وعاطفي أيضا، مضاف إليه وضع اقتصادي صعب ليس هناك خلاص منه بحلول سريعة، فإننا سوف نصل إلى مكان ما من القول إن فرص مثل هذا التنظيم كبيرة في القفز على عربة التغيير راكبا في مقطورة laquo;الشعبوية / الشعائريةraquo;، وربما أخذ العربة إلى الطريق الذي يبتغيه!
لا يتوقع أحد استعارة المثال التركي في مثل هذه المرحلة. هناك تيار انفصل عن الجماعة سمى نفسه حزب الوسط، قال عنه أردوغان ذات مرة إن التجربة التركية تعلمت منه! إلا أن هذا التيار، في خضم الأحداث، قد لا يكون له نصيب كبير من العمل السياسي، كونه صغيرا وغير محكم التنظيم. وثمة ملاحظة في هذا السياق؛ فإن الاقتصاد المصري لا يحتمل فترة طويلة من الاضطراب - كما تحمل جزئيا - الاقتصاد التونسي، وأخذا بماكينة التنظيم الاقتصادي الإخواني الذي يمكن أن يساعد المحتاجين في الوقت الحرج، قد يفتح شهية التنظيم لنقل طموحه من المشاركة إلى المغالبة.
التساؤل الثاني: ما سبب ما يحدث؟ كثيرون ذهبوا إلى الحديث بسرعة عن الأوضاع الاقتصادية في مصر، هذا جزء وربما يسير من الصورة. الحقيقة في مكان آخر، فإن أبناء الطبقة الوسطى المصرية، التي للمفارقة، ساعد على توسيعها نظام مبارك، هي التي قادت الحراك الشعبي، هي الكتلة الحرجة من الشباب المصري ذي التوجه الحداثي، انضم إليها بعد ذلك شرائح الطبقة المحرومة المهمشة، وهي واسعة، ومن بعدهم الأحزاب والتنظيمات التي كانت غير فاعلة على الأرض. أبناء تلك الطبقة الوسطى التي وجدت نفسها في موقع معقول في سلم الدخل المادي والولوج إلى التقنية الحديثة، محرومة - بسبب فساد الواجهة السياسية - محرومة من المشاركة السياسية، وقد قامت هذه الكتلة الحرجة من الشباب بكسر طوطمين، إن صح التعبير. الأول هو حاجز الخوف والثاني هو laquo;الخروج عن طاعة الأبraquo; أو كبير العائلة. التقدم الاقتصادي / التعليمي النسبي الذي وفره نظام مبارك لم يسايره انفتاح سياسي يشرك هذه الفئة. فتراكمت السلبيات التي كان الحديث عنها في وسائل الإعلام المصرية شبه مفتوح، حتى تحولت على مر الزمن من تراكمات سلبية نوعية إلى كمية، وكانت تحتاج إلى الصاعق كي تنفجر.
الصاعق في الحالتين التونسية والمصرية نجده بالمصادفة يتمحور حول عزيز، إما laquo;محمد البوعزيزيraquo; وإما laquo;أحمد عزraquo;، أجمعت التحليلات المختلفة على ذلك. فالأول كان الصاعق في التسونامي التونسي، والقصة معروفة، والثاني سولت له نفسه laquo;اكتساح مقاعد مجلس الشعبraquo; وخطفها للحزب الوطني ومحازبيه، كونه أمين التنظيم الذي أدار الانتخابات، فزاد على الجروح إهانات، سهلت تلك الخطوة السياسية غير الموفقة تحول النداء الإصلاحي الخافت، إلى نداء إنقاذي جماهيري كان رأس الحربة فيه هم الشباب المدني المتعلم.
السؤال الأهم ثالثا من هنا إلى أين؟
الكرة متحركة، كمثل تونس، الحراك المصري في الجسم الرئيسي، أي الكتلة الحرجة، بلا رأس، يحاول البعض من السياسيين والنشطاء والتنظيمات أن تركب له رأسا، إلا أنه في تحركه أولا بلا رأس، وثانيا يعرف ما لا يريد، ولكنه لا يعرف على وجه الدقة ماذا يريد!
هنا تكمن الخطورة.
هناك من التيارات السياسية من يريد تعديل الدستور أو حتى كتابة دستور جديد يشمل فكرة الدولة المدنية، وتحديد سقف زمني لفترة رأس الدولة، وإجراء انتخابات تعددية، وهناك من يريد حكما laquo;شرعياraquo; على ضبابية المفهوم وابتساره، وآخرون يرون أن تغير الجلد الخارجي للنظام الحالي يكفي مع تحسينات مقبولة، وهناك أجنحة في السلطة تصر على أن الموضوع لا يتعدى laquo;فورةraquo; شبابية سرعان ما تفتر أن عولجت بأساليب معروفة، كإطلاق توجه مضاد لها.
الاحتمالات كثيرة، أمامنا نماذج، أكثرها وضوحا تركيا وإيران. لعل من الملاحظ أن السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس، لما عاد من المنفى، نقل عنه أنه laquo;ليس الخمينيraquo;، فتونس لها ظروف خاصة وربما تصل إلى شكل من التجربة التركية في المستقبل البعيد إن وسع قاعدته الشعبية. لم يسمع أحد من مكتب الإرشاد المصري للإخوان مثل هذا التصريح، إلا أن احتمال حصولهم على شريحة كبيرة في العمل السياسي المقبل، وبالتالي تأثيرهم في المستقبل السياسي المصري قائم، صحيح أن مشروعهم السياسي المعلن صعب القبول به من الأغلبية المدنية المصرية. ولكنهم يملكون ماكينة إعلامية واقتصادية فاعلة في الأوساط الشعبية لا بد من أخذها بجدية، ولا تستطيع الأحزاب السياسية المصرية على ضعفها وقلة عددها، أن تقول كما قال نظام مبارك: إن الأحزاب على أساس ديني ممنوعة! كما أن الكتلة الحرجة من الشباب غير منظمة ولا رأس لها، وقد تتبعثر بين القوى السياسية، مما يوفر أرضا صالحة لقوة منظمة كالإخوان أن تقلد نظاما شبيها بإيران بطبعة سنية، إن تمكن الإخوان المتشددون من الحصول على موطئ قدم في السلطة القادمة! لا يستطيع متابع أن يشطب هذا الاحتمال.
بقي أن نستطلع ما هي الدروس التي نتجت حتى الساعة من كل هذا الحراك؟
أولا: لم يعد التوريث في الجمهوريات، لا في مصر ولا في اليمن، مقبولا. هو الآن خارج التداول، بل حتى التوريث السابق الذي تحقق في مكان آخر من بلاد العرب، في مرمى النظر، هناك تشكيك جدي فيه. وثانيا الحلول الأمنية ليست إلا عقارا مسكنا يؤخر اندلاع أو توسع الأزمة ولا يمنعها، في حال تراكم الشكوى من laquo;الجمود السياسيraquo;، ما يمنع الأزمة هو تقديم الحلول السياسية المبكرة. وثالثا هناك حيوية جديدة منبعثة من جيل عربي جديد، هو الأغلبية الشبابية التي تمثل شريحة واسعة في كل بلدان الشرق الأوسط، تستفيد من العصر الرقمي في التثقيف والحشد والحراك الاجتماعي والصدع بالمطالب السياسية.
سئلت في ندوة مؤخرا: هل ما حدث في تونس معد؟ وكان جوابي تساؤل مضاد، قلت: ذلك يعتمد على ما يحدث في مصر ونتائجه! فإن سارت الأمور في مصر كما المسار التونسي أو قريبا منه، فإن مصر بما لها من تأثير عظيم على المنطقة بأسرها سوف تترك ما يمكن تسميته في المستقبل بمصر تسونامي يعم بأشكال مختلفة على الجميع ما لم يتدارك بحلول سياسية، أما إذا تعافى النظام المصري، فإن laquo;العدوىraquo; التونسية ستبقى تونسية! تلك هي المراهنة، إلا أن نتائجها خارج تمنيات الكل، مهما كانت التمنيات، نتائجها في يد الكتلة الشبابية الحرجة من المصريين.
والسياسة تقول لنا دائما: توقع غير المتوقع!!