مأمون فندي



هل الجينات هي فرامل الخيانة أو مادة الولاء؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا تختار فرنسا رئيسا لها من أب مجري وأم يهودية من اليهود الشرقيين (سافارديم) هو نيكولا ساركوزي، الأمر الذي يجعل ساركوزي يهوديا، فاليهودية تمنح عن طريق الأم لا عن طريق الأب؟ ألا يخاف الفرنسيون الخيانة من رئيس أبوه مهاجر وأمه يهودية جاءت عائلتها مهاجرة من اليونان؟ لماذا لم تخف فرنسا ودستورها من هذا الخليط العرقي العجيب لرئيسها كما يخاف المستشار طارق البشري رئيس لجنة تعديل الدستور في مصر والذي قال في تعديلاته الأخيرة بأن المرشح للرئاسة لا بد أن يكون من أب وجدين مصريين وألا يكون متزوجا من غير مصرية، ولم يحمل في حياته جنسية دولة أخرى، فهل السيد البشري أذكى من فرنسا والفرنسيين بمن فيهم أساتذة القانون الفرنسي الذي أخذت منه معظم شعوب العالم؟ وهل زواج ساركوزي من الإيطالية كارلا بروني كان عائقا له عن تأدية مهامه كرئيس؟ وهل الموضوع هو جينات الرئيس وصفاء عرقه ومن تزوج ومن طلق، أم أن الرئاسة موضوع أكثر جدية وأهمية من قضية الصفاء العرقي الوهمية، إذ لا بد أن يتحسب الوطن لموضوع الولاء والخيانة بإجراءات صارمة بدلا من سياسة التواكل والاعتماد على الأصل والفصل؟
موضوع الرئاسة موضوع في غاية الأهمية يتحسب له كل من المجتمع والدولة الفرنسية، لذلك توجد تراتبية صارمة تحكم من هو في قصر الرئاسة، وأن القصة ليست صفاءه العرقي أو عرق المرأة التي ينام الرئيس إلى جوارها؟ المثال الثاني المناقض لما طرحة المستشار البشري هو رئيس أهم دولة في العالم، وهو باراك أوباما الرئيس الأسود الذي يتحدر أجداده من العبيد، وأبوه رجل كيني مسلم، فهل منع ذلك الأميركيين من اختياره رئيسا؟ أم أن الموضوع له محددات أهم بكثير من نظرية الصفاء العرقي التي طلع بها البشري وجماعته علينا؟
هل أوباما القادم من أصل كيني مسلم سيخون أمانة أميركا لأن جده لأبيه ليس أميركيا؟ فماذا لو كانت هذه التعديلات - التي اقترحتها لجنة المستشار طارق البشري للمجلس العسكري - في فرنسا أو في أميركا؟ ترى كم من النقد سينتج هذا النوع من التعديلات في مجتمعات حرة تؤمن بالفرد الحر واختياراته وولائه؟ العربي الذي يذهب إلى أميركا أو أوروبا يحصل على الجنسية بعد خمس سنوات من الإقامة الدائمة، يحصل عليها لأن هذه المجتمعات الحرة تبني موضوع الجنسية والولاء على قرار العقل والاختيار الحر لا على الجينات. هم يعتقدون بأن مجرد قسم يمين الولاء يعني أن الإنسان قد تغير واختار موقفا جديدا، والإنسان ذاته يمكن أن يغير الموقف أيضا باختياره جنسية أخرى لو أراد، لأن الأساس هو حرية الاختيار. الولاء اختيار وليس صفاء عرقيا متوهما، علما أن منطقتنا هي أكثر المناطق تعرضا للهجرات البشرية والحملات الاستعمارية، والدراسات الأنثروبولوجية والجينية تقول إنها أكثر مناطق العالم اختلاطا لأجناس لا نقاء لها.
أوباما القادم من أصول كينية مسلمة هو رئيس أميركا، ومن يصبح رئيسا لأميركا تقيده المؤسسات ليتصرف كرئيس أميركا، فإن خانها فهناك عقوبات محددة لذلك رغم عدم ورود هذا، ويجب أن يكون التركيز في مصر وفي غيرها من عالمنا العربي على مؤسسات حاكمة تفرمل الرئيس، وليس بالاعتماد على النقاء العرقي والجينات تبنى الدول.
أمام المصريين فرصة كـlaquo;طاقة ليلة القدرraquo; التي لا تفتح إلا كل ألف سنة، فيجب أن يرتفعوا إلى مستوى التاريخ وألا يكونوا سجناء العقول المحدودة. الدساتير نصوص مفتوحة ويجب ألا تكتب وكأنها عقد بيع شقة، الدساتير فيها من الغموض الخلاق ما يجعل مهنة فقيه دستوري غير مهددة بالانقراض، يوجد الفقيه عندما يكون النص مفتوحا على آفاق أرحب، أما النصوص المغلقة فلا تحتاج حتى لعقول لكي تفسرها. هناك ديمقراطيات عريقة ليس فيها دستور مكتوب مثل المملكة المتحدة وهي تفخر بذلك.
مصيبتنا في مصر أننا نحاول كتابة دستور جديد ونحن للتو خارجون من أكبر حالة انحطاط ثقافي عانت منه مصر في تاريخها الحديث. ومن هنا يجب الاستعانة بمن أتيحت لهم فرص أفضل في الحياة كي يضعوا مصر على الطريق الصحيح.
وختاما، إن أفضل حكام مصر في المائتي عام الماضيتين لم يكونوا من أصول مصرية، بل كانوا من الألبان من أسرة محمد علي التي بنت جيش مصر الحديث، كما أن ملكة بريطانيا ليست إنجليزية، ولم يعب ذلك الحكم في بريطانيا في شيء. فهل تأخذ لجنة الدستور هذا في الاعتبار، أم نفسر أكثر؟