آلة الرعب تشن حربا نفسية على الليبيين: انتظروا ظهوركم في تلفزيون القذافي!

لندن - توفيق رباحي

ـ عيوب الدنيا كلها تنسحب على العقيد معمر القذافي وأولاده وأصحابه في إدارة هذه الأزمة التي جروا إليها ليبيا، قبلها، أثناءها وبعدها. غير أن المرء يجب أن يعترف لهم ببعض الأشياء، منها القدرة الهائلة على الدعاية الحربية.
تجسدت هذه القدرة بوضوح في الأيام التي سبقت بدء الغارات الدولية على ليبيا، بالضبط أثناء مرحلة استرجاع قوات القذافي مدنا كانت سقطت في أيدي الثوار.
آنذاك اشتغلت الآلة الدعائية بشكل فعال ومخيف. كان القائمون عليها يستبقون الأحداث فيعلنون سقوط المدينة الفلانية قبل ساعات وربما أيام من وصول القوات إليها، مما يصيب سكان المدينة 'اللاحقة' برعب قاتل.
بلغ عمل هذه الآلة ذروته في الساعات التي سبقت صدور قرار مجلس الأمن رقم 1973 عندما تولى العقيد شخصيا وسيف الإسلام إدارتها، فخاطب الأول سكان بنغازي بلغة ترويعية كأن قال 'نحن قادمون الليلة، استعدوا.. المدنيون لا خوف عليهم لكن كل البيوت ستفتش بيتا بيتا' (كان ما زال يعيش على أنغام زنقة زنقة ودار دار). وكذلك قول ابنه لقناة 'يورونيوز' مبتسما بخبث: 'انتهى كل شيء.. سنحسم الأمر في 48 ساعة. قرار مجلس الأمن سيكون متأخرا ولا فائدة منه'.
رافق ذلك اشاعات كثيرة وكلام عن موجة اغتصاب مقبلة وتنكيل بكل من اشتبه بعلاقته مع الثوار، وانتقام من كل من سوّلت له نفسه الخروج عن فروض الطاعة.
أصابت هذه الحرب النفسية الليبيين في الداخل برعب وإحباط كبيرين، فبدأت ترد أنباء عن نزوح جماعي من بنغازي والمناطق المجاورة في اتجاه الحدود المصرية. وفي الخارج أُصيب الناشطون والمعارضون وحتى 'الكسولون' بما يشبه الانهيار النفسي والمعنوي، بل أعرف عربا وأجانب أصابهم ذعر مما كان سيحل بالليبيين في الداخل.
كانت تلك أسوأ أيام هذه الثورة والثوار. لم أعش الحرب العالمية الثانية، لكنني، ومما قرأت وسمعت، لا أتوقع أن دعاية الثنائي غوبلز وهتلر كانت أفضل من هذه.
بحسب أصدقاء على اطلاع بشؤون 'الجماهيرية العظمى' من الداخل، تتوفر ليبيا القذافي على هيئة قوية للرصد الإعلامي تسمح بمتابعة كل ما يبث ويُنشر وملاحقته ومحاولة التأثير فيه وتغييره. ربما كانت 'ملاحقته ومحاولة التأثير فيه وتغييره' (بالترهيب والترغيب والمال وشراء الذمم) صحيحة في الماضي، أما اليوم وفي هذه الظروف فلم يعد للكولونيل من يراسله! لا أحد يظن أن لليبيا 'معمر' الوقت والجهد والامكانات لتغيير الأشياء، بل بالكاد متابعتها.
لكن الواقع أنه حتى لو فشلت هذه الهيئة، كما يبدو جليا، في التأثير على ما يُبث عن الثورة الليبية هذه الأيام ببعض القنوات الفضائية العربية، خصوصا 'العربية' و'الجزيرة' و'بي بي سي' عربي، وتغييره، فهناك من الأدلة ما يشير الى أنها ما تزال تعمل وأنها تؤمن بأنها خسرت معركة أو جزءا من الحرب، وأن ليس هناك ما يدل على أنها ستستسلم في هذه الحرب الشرسة.
وقد اختارت هذه الهيئة ومن ورائها ليبيا القذافي عدوها بسرعة: العرب وتلفزيوناتهم. ولأن ظلم ذوي القربي أشد مضاضة، كما هو شائع عند ليبيا القذافي والعائلة، فلا حرج أو مشكلة في ما تبثه التلفزيونات الأوروبية والأمريكية، حتى لو كان لا يرضي العقيد والعائلة. وعليه، فكل الجهد موجه نحو العرب.
هذه الأدلة متاحة للعامة يوميا، في كل سهرة، من خلال الفضائية الليبية عبر كل برامجها، ولكن أساسا من خلال برنامج 'عشم الوطن' الذي ينتجه ويديره سيف الإسلام والمخابرات ويقدمه الدكتور يوسف شاكير الذي كان موضوع مقالة سابقة بهذه الزاوية.
بدأ هذا البرنامج مع بداية الثورة منتصف شباط (فبراير) الماضي، محتشما مرتبكا خائفا، ثم أخذ يتشجع ويتجرأ أكثر بثقة في النفس اكتسبها أصحابه مع الأيام. والآن أصبح هذا البرنامج يستضيف 'خبراء' و'محللين' من الخارج، يؤتى بهم بعد أن يجتازوا امتحان المشاركة فيه بالهاتف في ليلة سابقة. ولسبب ما لا أريد الخوض فيه، يبدو هذا البرنامج محظوظا مع اللبنانيين.
في هذا البرنامج تتجسد جهود جهة الرصد الإعلامي، ليس فقط على المشاهدة والرصد، بل على بتر ما تختاره من مواد إعلامية وتلفزيونية من سياقاتها تماما وتقديمها في صيغة 'ويل للمصلين...'.
فعلى من تجرأ وقال في أي برنامج تلفزيوني إنه يعارض قصف القوات الدولية ليبيا للأسباب كذا وكذا وكذا، أن يترقب مشاهدة نفسه في برنامج يوسف شاكير مساءً، وهو يكرر أنه يعارض القصف، لكن من دون أن يُرفَق كلامه بالأسباب إذا كانت لا تعجب العقيد والعائلة.
وعلى من قال في محطة تلفزيونية كلاما طويلا عن ديكتاتورية القذافي وعجرفة أولاده ثم ختمه بأن ليبيا لا تستحق تدمير بنيتها التحتية، أن ينتظر مشاهدة نفسه مساءً في البرنامج ذاته، وهو يعارض تدمير بنية ليبيا التحتية، لكن من دون حرف آخر عن العقيد وأولاده.
ولأن روسيا أخذت موقفا مختلفا من القصف الدولي على ليبيا، فلقناة 'روسيا اليوم' أفضلية شبه مطلقة في ما يختاره برنامج يوسف شاكير للتدليل على وجهة نظر ليبيا العقيد والعائلة، وكذلك شأن 'الخبراء' و'المحللين' الروس الذين تستضيفهم القناة.
ونظرا لسحر الصورة على الناس، ولضرورة الحرب الدعائية، يجعل هذا البرنامج من أي متكلم مغمور يسير في اتجاه ليبيا العقيد وأولاده، 'محللا كبيرا' و'رجلا محترما' يكال له الثناء والتبجيل.
ولأن الظروف الحالية جعلت أن 'ليس للكولونيل من يراسله'، يبدو 'عشم الوطن' يتيما معزولا ومكابرا يرفض الاستسلام.
بعد هذه المقالة، إذا قرر أحدكم مشاهدة البرنامج، وإبراءً لذمتي، ألفت انتباهه الى أن 'عشم الوطن' يحتكر قاموس مصطلحات خاصا به، هذه أهم الأوصاف المستعملة فيه باستمرار وبدون تردد: النذل، الدجال، الرخيص، القميء، الحيوان، الزاني، المأجور، العميل، الحقير، الوغد، المتطاول، الخائن، الشرير.. ما شابهها.
لحسن الحظ أنه يُبث في ساعة متأخرة من الليل، وإلا حقّ لنا كمشاهدين أن نطالب بتحذير من نوع 'ممنوع على من هم دون السادسة عشرة' أو 'نظرا لما يحتويه البرنامج من بذاءات، يُنصح بعدم مشاهدته في حضرة كل أفراد العائلة'.
أشير ختاما الى أن أصدقاء بعثوا لي روابط على موقع يوتيوب لبرنامج آخر ـ يقلّد برامج المونولوغ والثرثرة في بعض الفضائيات المصرية ـ تقدمه يوميا سيدة اسمها هالة المصراتي في قناة صفراء لونها اسمها 'الليبية'.
أشير لي على البرنامج باعتباره جزءا من الآلة الدعائية لليبيا العقيد والعائلة، غير أنني قبل أن أنهي مشاهدة الحلقة الأولى، قلت 'آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه'. إذا كان سيف الإسلام وأبوه وإخوته يعتزمون الانتصار على العرب والغرب واسرائيل والصليبيين والكفرة بهذه السيدة، فإني أبشرهم من الآن بنصر قادم عظيم.

مطلوبون للجمهور

ـ القذافي الأب: مرت أيام كثيرة لم نره ولم نسمعه. شخصيا اشتقت له، وغيابه القصير هذا يعطي فكرة عن حال القمم العربية عندما يذهب الى الأبد. وقد قلتها لزملاء وأصدقاء انه سيذهب وتشتاقون لطلاته.

ـ سيف الإسلام: يقول ليبيون انه يخشى من رصد مكان وجوده فيستهدفه القصف الدولي، وعليه آثر الاختفاء. لكن هذا لا أشتاق له ولا أظن أنكم تفعلون.

ـ سفير ليبيا في إيران سعد مجبر: هذا اختفى يوم عنّفه جمال ريان لفظيا مباشرة على شاشة 'الجزيرة'، وطالبه أن يعلن استقالته 'الآن'. يبدو أنه جعله يندم على اللحظة التي قرر فيها الحديث للإعلام فأقسم أن تكون تلك آخر مرة يظهر تلفزيونيا.