محمود الفقي


لو أنصف الدارسون لعلوم الشرع لجعلوا الفقه على رأس علوم الدين كلها. فعمل الفقيه الأول هو الاستنباط للفروع المبني على فهم الأصول ما يضمن لعلوم الدين التطور والنضارة ما ظل الفقه وسيلة لا غاية. وأكبر دليل على ما أقول هو شطط الكثيرين من المتسلفة (النسخة المتشددة ممن يسمون أنفسهم بالوهابية) المبني على كونهم قد تعلموا الفقه من كتب الحديث لا الفقه وضيقوا المساحة الموفورة التي أفسحها الفقه للعقل والإبداع.

ويحسن بي سرد تجربتي الشخصية وشعوري بعد دراستي للفقه وعلوم الدين في الأزهر. والغاية أن يصل الكلام خِلوا من التقعير والتنظير والافتراضات والتعسير والتشقيق والمصطلحات الكثيرة التي ربما يجدها المرء في كتابات فقهية كثيرة تعاملت مع الفقه على أنه علم جامد أشبه ما يكون برياضيات بحتة تتكلم دوما في المجردات وتغفل الروح البشرية التي تألف السهولة وتجنح إلى التبسيط والتعامل مع الواقع.

كنت إذا درست في أبواب الفقه تعريف الزواج يُجمع الفقهاء أنه تمليك بُضع بعوض أي أجلكم الله: تمليك فرج امرأة مقابل أجر مادي! هل رأيتم بعد هذا إهانة للمرأة؟!

الإنصاف هنا يقضي أن أقول إن الفقهاء لم يقصدوا أي حط من شأن المرأة قط، فكيف يُعقل هذا وهي أمهم وأختهم وابنتهم وخالتهم وعمتهم بل وأحيانا مُعلمتهم. الفكرة أنهم تعودوا أن يتعاملوا مع قواعد راسخة وأصول ثابتة واستنباطات ممنهجة يجرونها كالطبيب على المريض الذي ينسى أنه بشر ويتعامل معه بل ويناديه باسم: الحالة!

أجل فأثناء الجراحة التي أجريتها مؤخرا كانت الممرضة والطبيب والعامل في المستشفى جميعهم عندما يسألون عني يقولون أين الحالة؟ أي أين هذه العلة التي سوف يتعامل معها المبضع والمنظار والمخدر والحقن والقسطرة وليس الإنسان الذي يحتاج إلى تأهيل قبل غرفة العمليات.

وهكذا فالطبيب وطاقم التمريض لا يقصدون إهانتي بل إنهم من كثرة ما يرونه من آلام الناس وأمراضهم وشكاواهم قد بردت قلوبهم فصاروا يتعاملون معهم على أنهم مهمة مربحة تقتضي الجد لا الضحك والسرعة لا التمهيد. فكذلك الفقهاء كانوا يتعاملون مع البشر على أنهم حالات تتنزل عليهم المسائل عندما تتوافق مع الملابسات وتطابق العلة المعلول حتى لو كان الكلام فجا مثل تعريف الزواج السابق الذي حتى بعد أن بررت لهم ما فعلوه أكرهه وأستنكره تماما.

الأمر الثاني أني مثلا درست الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع في الفقه الشافعي للخطيب الشربيني الشافعي، والكتاب قد صنفه (ألفه) هذا العالم والمفسر صاحب تفسير الخازن قبل أكثر من تسعمائة عام بمصطلحات الفقه ولغة الفقهاء الصعبة واختصارات أنَّى لفتى في الإعدادية أو الثانوية أن يفهمها في حين أن المعلم نفسه ربما في كثير من الأحيان لا يكون فاهما لهذه اللغة. أذكر مرة كنت أدرس باب الرق (العبودية) فقرأت مصطلحا صعبا quot;نجوم الكتابةquot; ظننتها تعني الكتاب البارزين في المجتمع وسألت المعلم وكان من نوع مختلف إذ كان يواصل دراساته العليا في الفقه وكان عاشقا له، فقال لي إنها تعني: أقساط العبد المكاتب أي دفعات المال التي يدفعها العبد الذي كاتب سيده على أن يعتقه مقابل مبلغ مالي يدفعه العبد له على مراحل. وهكذا فلا بد من وسيط بين الدارس والمصنف (المؤلف) يشرح ما استغلق وصعب من كلامه ويزيد الغامض جلاء وتوضيحا ويعلق ويضيف ولكن بالطبع لا يحذف شيئا لأن التراث في مقام التاريخ والتاريخ محظور حذفه حتى لو كان على غير هوانا.

الأمر الثالث هو أن الفقهاء في تاريخنا كانوا من أعظم الناس عقلا وقدحا لزناد الفكر ومن كان هذا دأبه وديدنه وطبعه فليس بمستغرب أن تكون له أخطاء كثيرة ربما بعضها غريب جدا مثل أني في دراستي لنفس الكتاب السابق وكان على أجزاء أربعة في الصف الرابع الثانوي الأزهري وكان يتكلم في باب: أكل الميتة كان يفترض افتراضات عجيبة منها ماذا تفعل لو كنت بصحراء ونبشت ووجدت قبر نبي؟ لا أدري كيف ولا كيف أعرف أصلا أنه نبي؟ ثم يستطرد في الفرق فيما لو كان نبيا عاديا أو رسولا أو من أولي العزم أو لو كان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا يظل الفقيه يترسل حتى يجعلك تنفجر غيظا من أمور لا لزوم للحديث فيها أصلا ويغريك بالصياح: ليتني كنت أميا حتى لا أقرأ هذا الهراء (التعبير للكاتب السوري الساخر زكريا تامر). وهكذا فلا لزوم للترسل في افتراضات كثيرة ربما يصل المرء منها إلى العبث واللامعقول.

والنقطة الأكاديمية هنا تعقيبا على الفقرة السابعة هي أن لغة الفقهاء لها ما يفسرها ليس في معاجم العربية العادية وإنما في معاجم وضعها الفقهاء أنفسهم لهذا الغرض ومنها مثلا طلبة الطلبة (بكسر الطاء الأولى) للإمام النسفي رحمه الله في ألفاظ الأحناف ما يدل على منهجية واسعة بل إن مصطلحات الأحناف في متقدميهم ومتأخريهم مثلا تختلف عن مثلها عند الشافعية وهكذا مع بقية المذاهب فلزم التنبيه هنا خاصة للباحثين الذين يسارعون بالبحث في معاجم العربية مكتفين بها في فهم وتطبيق كلام الفقهاء.

كل ما سبق قصدت منه أن أبسط أمورا يهمني أن تصل إلى قطاع كبير من القراء وخاصة من هم في عمري أي الشباب الذين لم يسعدهم الحظ أن يدرسوا علوم الدين أو يحتكوا بأزهريين. قصدت أن أقرر حقيقة مهمة وهي أن علماءنا الكبار كتبوا ما كتبوا في المقام الأول لعصورهم هم وأن كتبهم مليئة بما يفيدنا في عصرنا وبالطبع فيها ما لا يناسب العصر مثل ما قد يرد من معلومات طبية كانت هي آخر ما ظهر لهم في عصرهم فلا بد أن نأخذ ما يفيد ونترك ما لا يفيد بلا تشنيع أو تقليل من هامة هؤلاء العمالقة وإلا فكل معلومات أرسطو الطبية مضحكة وخرافية. إن فقهنا بحاجة إلى تجديد شأن كل شيء في الحياة وهذه سنة المولى سبحانه في خلقه فما لا يتجدد يتكلس أو يموت. ينبغي أن نجدد الفقه لغة ومنهجا وهذا ما أراه عند كثير من فقهائنا المعاصرين الكبار لكني أقصد مرة ثالثة ولن أكف عن تكرارها أن أوجه الحديث إلى الشباب من سني لأنهم الأمل ولأننا في عصر صار الوصول فيه إلى كل كتب الفقه ميسورا بل صار الوصول إليها مشروحة ومبسطة ميسورا جدا فلا بد أن نزيل حاجز الخوف والكراهية ضد الفقه بإضفاء لمسات عصرية عليه لغة ومنهاجا كما أسلفت.