عوني فرسخ

أعلن نفر من أقباط المهجر إقامة ldquo;دولة قبطيةrdquo; وتولي بعضهم زمام قيادتها، وبحيث لا تختص بإقليم من مصر وإنما تمتد إلى حيث يقيم كل قبطي، إذ ستكون سلطة حكم ذاتي قبطي، تقيم وزارة ظل ودوائر موازية للوزارة والدوائر الرسمية، تتابع قراراتها وإجراءاتها وتتخذ منها مواقف طائفية قبطية . كما تضمن الإعلان اعتزام إنشاء مدارس وجامعات خاصة بالأقباط تدرس جميع المواد بالقبطية، باعتبار اللغة العربية في زعمهم لغة المحتلين، واعتزام التوجه إلى سفارات الدول في واشنطن لإعلامها بقيام ldquo;دولتهمrdquo; . ومما يلقي بظلال الشك على الإعلان ldquo;القبطيrdquo; تزامنه مع قرار إدارة أوباما تعيين مندوب لشؤون الأقليات الدينية في الشرق الأوسط .

والسؤال الذي يستدعيه إعلان كهذا: هل الدعوة لاختصاص أقباط مصر بحكم ذاتي مؤسسة على قراءة موضوعية لمعطيات واقع مصر وتراكمات تاريخها الممتد، وفي توافق مع مصلحة أغلبية الأقباط ودورهم في حياة مصر وأمتها العربية، أم أنها دعوة إلى فتنة طائفية متناقضة تمام التناقض مع واقع الأقباط وتاريخهم وإسهامهم في الحضارة والثقافة العربية، بل توظف مطالبهم العادلة والمشروعة في خدمة مخطط التفتيت العرقي والطائفي الذي يحاول فرضه التحالف الأمريكي - الصهيوني؟

وفي الإجابة أنبه بداية إلى أن الأقباط برغم محدودية نسبتهم ليسوا أقلية، إذ لا يتمايزون عن مسلمي مصر على محاور السلالة التاريخية واللغة والثقافة والقيم وأنماط السلوك، ولا يعانون عزلة قسرية أو يعيشون في انعزال اختياري لتمايزهم دينياً، ما يعني أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني المصري . والجدير بالتذكير به أنه أمام إصرار المصريين عامة، والأقباط خاصة، على وحدة الجماعة الوطنية المصرية، فشلت الضغوط البريطانية في تقنين حقوق الأقليات في دستور ،1923 ولم تقدم أي حكومة مصرية تعهداً يتعلق بالأقليات في أي وثيقة دولية .

وعلى مدى تاريخ مصر الحديث لم يجمع المسلمون أو الأقباط على موقف واحد في أي قضية سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، وإنما تعددت مواقف الطرفين بل تقاطعت، بما في ذلك تجاه القضايا الدينية، فالمسلمون تعددت مواقفهم، ومازالت، من اعتبار الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، أو بالنسبة إلى الحجاب والأقباط تباينت مواقفهم في مسألة بناء الكنائس، فضلاً عن أن المسلمين لم يبدوا حساسية تجاه تولي الأقباط مسؤولية قيادية في الحراك الوطني، ففي عام 1919 انتخب مرقص حنا وكيلاً للجنة المركزية للوفد، وفي عام 2004 اختير جورج إسحق ناطقاً باسم حركة ldquo;كفايةrdquo; غداة تشكيلها، فيما أمين إسكندر الوكيل المؤسس لحزب ldquo;الكرامةrdquo; الناصري، ومنى مكرم عبيد عضو قيادة الوفد .

وصحيح أنه لاحت في أفق مصر نذر فتنة طائفية غير مسبوقة منذ الردة الساداتية، كنتيجة لافتقاد المشروع الوطني الجامع، وتوظيف الدور التاريخي في خدمة التحالف الأمريكي - الصهيوني، وشيوع التمويل الأجنبي لما يسمى هيئات المجتمع المدني N .G .O .S . وبالتفاعل الجدلي بين عوامل عديدة مضى التوتر الطائفي في خط صاعد بحيث بدت مصر على عتبة فتنة طائفية مدمرة . غير أن نذر الفتنة تراجعت مع تفجر ثورة 25 يناير/كانون ثاني بما شهدته من إجماع وطني وتلاقي المسلمين والأقباط في الميادين والشوارع بمثل ما كان عليه حالهم أيام ثورة 1919 وفي أعقاب تأميم القناة وفي مواجهة العدوان الثلاثي سنة 1956 .

وبالانتقال لتراكمات التاريخ نذكر بأنه كان للعرب وجودهم السابق للإسلام في شرقي الدلتا والجزء الشرقي من مصر، وحتى في الإسكندرية، كما يقرر أبو سيف يوسف في كتاب ldquo;الأقباط والقومية العربيةrdquo;، فضلاً عن أن الفتح العربي الإسلامي إنما كان تحريراً وطنياً لمصر من الاحتلال والطغيان البيزنطي، إذ حصر القتال مع المحتلين الروم وليس مع الأقباط . وأليس عمرو بن العاص هو الذي أعاد بطرك الإسكندرية ldquo;بنيامينrdquo; إلى كرسيه بعد أن كان لاجئاً للصحراء؟ ومما يدل على نظرة الأقباط الإيجابية للفاتحين العرب المسلمين مشاركتهم في جيش عقبة بن نافع في فتحه تونس .

ويذهب العديد من المؤرخين والمستشرقين وعلماء اللاهوت المسيحي إلى أن الصراعات الكنسية، وواقع الإكليروس، وأزمة المؤمنين، واستحكام العداوة بينهم خلال القرنين السابقين للفتح كانت قد تسببت في زعزعة عقيدة الآلاف وجعلتهم يلتمسون ملجأ من حيرتهم في الوحدانية الواضحة التي جاء بها الإسلام، كما يقررون بأنهم لم يقعوا على ما يدل على أن الضغوط والإغراءات المادية أو المعنوية كانت سبب الدخول الكثيف في الإسلام . والثابت أنه في منتصف القرن الثامن الميلادي ترجم الأسقف سعيد بن بطريق الوثائق الكنسية القبطية للعربية لأن جمهور الأقباط كان قد تعرب تماماً، ولقد كان للأقباط رواق في الأزهر يدرسون فيه علوم العربية والمنطق وتخرج فيه العديد من أبرز مثقفيهم حتى مطلع القرن العشرين .

وفي ضوء ما سبق يتضح تماماً أن قوة المسيحيين العرب وأمانهم واطمئنانهم وتوفير أوسع فرص إسهامهم في الحياة العربية إنما هي فرع من قوة مجتمعاتهم الوطنية وعمقهم القومي، وتحررهم من عقد الخوف غير المبرر من شركاء مسيرتهم ومصيرهم . ويقيناً إنه بقدر تقدم شعب مصر على طريق استكمال ثورته بإرساء قواعد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بقدر ما يحصن مجتمعه ضد الفتنة الطائفية المستهدفة من إعلان ldquo;دولة قبطيةrdquo; لن تخرج عن أن تكون بيدق شطرنج في مخطط التفتيت العرقي والطائفي الأمريكي - الصهيوني .