خالد مخلوف

كلما تواردت أخبار عن العراق خاصة عن رغبة أهله -سواء من المقيمين داخل الوطن الأم أم في المهجر- في الاستقرار تذكرت الآلاف من صفوة العراقيين المهاجرين عقب العدوان السافر على دولة من أكبر الدول العربية، واسترجعت بالذاكرة بشكل خاص حجم الفاجعة التي رواها لي السياسي والكاتب العراقي الذي كانت تربطني به صداقة كبيرة، وكان مصدرا مهما للعديد من المعلومات عن العراق خلال المرحلة الماضية، عندما أكد لي عقب العدوان الأميركي على العراق رؤيته لأحد علماء الذرة العراقيين وهو يعمل في أحد المقاهي بدولة عربية طلبا للقمة العيش، وهربا في الوقت نفسه من التصفية الجسدية التي طالت العديد من زملائه علماء الذرة في العراق إبان العدوان الغاشم الذي تعرضت له عام 2003 بعد التربص بها، من خلال مؤامرات الجمهوريين الجدد بقيادة الرئيس الأميركي السابق بوش وإدارته الإجرامية التي دمرت واحدة من أكبر الدول العربية، ورغم الاختلاف مع بعض سياسات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وفي القلب منها عدوانه على دولة عربية فإن العراق كان دائما نصيرا للقضايا العربية والإسلامية، وشوكة في حلق الكيان الصهيوني العدو التاريخي للعرب.
العدوان المنظم لم يقتصر على أراضي العراق فقط، وإنما امتد لعقولها بعد أن شهدت أراضيها صراعات شرسة بين عدد من أجهزة الاستخبارات في المنطقة، وكان العراق ساحة laquo;تصفية الحساباتraquo; وفرض الإرادات بين هذه الأجهزة، والتي حرصت أكثر من واحدة منها على استهداف العقول العراقية بالتصفية الجسدية، وكان في القلب منها بالطبع العاملون في مجال الأبحاث النووية مما دفع الكثيرين منهم للهرب خوفا على حياته من جحيم هذه القوى.
استهداف العقول العراقية لم يكن موجها فقط للعاملين في المجال النووي وعلماء الذرة، وإنما امتد إلى طلاب السنوات النهائية في كليات العلوم والفيزياء، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك حجم المؤامرة التي تعرضت لها هذه الدولة وحصدت أرواح علمائها، مع ما يتجاوز مليون شهيد من أبنائها خلال 9 سنوات منذ الغزو الأميركي، والتي أوضحت رغبة قوى الاستعمار في القضاء على أي بارقة تقدم في الدول العربية، وخاصة في المجال النووي الممنوع الاقتراب منه إلا بما يسمح به الغرب فقط ومن خلاله، وهو ما يفسر الكثير من المواقف الماضية ضد البرامج النووية في مصر وسوريا والعراق، وفي إيران حاليا.
عودة العقول العراقية المهاجرة في جميع التخصصات وليس في المجال النووي فقط بات مطلبا ملحا أكثر من أي وقت مضى، وذلك رغم التحسن البسيط في الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في العراق، فهو وإن كان ليس في مستوى الطموحات المأمولة إلا أن الجميع يعول على الخبرات العراقية العائدة لبناء دولة جديدة والدفع في اتجاه العودة إلى العراق الموحد القوي بعلمائه وشعبه.
والتساؤل هنا هل يستطيع العراق الخروج من مرحلة عنق الزجاجة والنفق المظلم الذي أدخله الغرب فيه؟ فلم تتعرض دولة في العالم طوال التاريخ الحديث للتخريب والتدمير المنظم والممنهج مثلما تعرضت العراق, وذلك بداية من العدوان الأميركي الغاشم والمرحلة السابقة له منذ فرض الحصار الاقتصادي على دولة من أقوى الدول العربية كانت خلال حقب كثيرة من تاريخها داعما وحائط صد أمام العدوان الخارجي على المسلمين والعرب، وذلك تحت ذريعة وجود أسلحة دمار شامل, وهو ما نفاه النظام العراقي السابق كثيرا واتضح صدق روايته، وكذب الادعاء الغربية والأميركية.
العدوان والتدمير المنظم لواحدة من أعظم وأقدم الحضارات الإنسانية على وجه الأرض شهد أوجه خلال العدوان عام 2003 عندما اقتحمت القوات الأميركية العراق ومهدت الطريق أمام الكثير من أصابع الشر للعبث بأمن أرض الفرات، وتدمير التاريخ الإنساني الذي احتضنته أراضيه طوال آلاف السنين، ولم يقتصر الأمر عند ذلك بل نهب آثارها وكنوزها التاريخية والتراثية التي لا تقدر بثمن نظرا للقيمة الحضارية لهذه الكنوز، وبالطبع نفط العراق الذي يعد من أكبر الاحتياطات في العالم.
الأمر الأكثر خطورة في المخطط الذي طال العراق وحاكته الأصابع السوداء والذي أثبت للجميع الحقد الذي يكنه الغرب مدعوما بإسرائيل لهذه الدولة, هو في تدمير الأخضر واليابس في العراق, ومحو تاريخه وسرقة آثاره، والأكثر فجاجة ترسيخ الطائفية التي لم تكن موجودة من قبل تحت حكم الرئيس صدام حسين في محاولة لتقسيم العراق وعرقلة أي محاولة في المستقبل لعودة هذه الدولة قوية وسط محيطها الإقليمي والعربي، وهو ما كان هدفا استراتيجيا وسيظل لأميركا للحفاظ على أمن إسرائيل.
البرامج النووية العربية كانت وستظل هدفا للغرب ولإسرائيل، والبرنامج النووي المصري شاهد عيان على ذلك، فقد بدأ هذا البرنامج في الخمسينيات من القرن الماضي, فأين هو الآن رغم وجود العشرات من العلماء المصريين في الخارج يعملون على تطوير وإدارة البرامج النووية في أوروبا وأميركا، والتحدي الأكبر سيكون بلا شك خلال المرحلة القادمة, خاصة في ظل اندلاع العديد من ثورات الربيع العربي في رغبة كبيرة من الشعوب العربية للدخول عصر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والتي ستفرز بلا شك توجهات من نوع جديد ستصب بلا شك في صالح الأمة العربية، وإن غدا لناظره قريب.