قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بشير موسى نافع

ليس من المنطقي توقع أن يسلك النظام العربي الرسمي، ممثلاً في الجامعة العربية، سلوكاً ثورياً. ولد النظام العربي أصلاً للحفاظ على الأمر الواقع، ووجد من الصعوبة دائماً التأقلم مع المتغيرات المفاجئة والعاصفة في الدول العربية، سواء تلك التي ولدتها انقلابات عسكرية أو تحولات سياسية جذرية. ولم يكن من المفاجئ بالتالي أن تستبطن المبادرة العربية تجاه سورية بقاء نظام الرئيس الأسد، مع قدر من الاستجابة للمطالب الشعبية الأخرى.
الحقيقة، أن أغلب الدول العربية لم تدعم أو تؤيد تغيير النظامين التونسي والمصري، ولا هي رحبت بالتغيير عندما وقع؛ بل أن بعضها لم يخف أسفه وامتعاضه من إطاحة الرئيسين بن علي ومبارك. وبينما أجبرت الجامعة العربية على اتخاذ موقف مؤيد لحركة الشعب الليبي، بضغط دولي، جرت الجامعة أقدامها جراً في التعامل مع الثورة الشعبية الهائلة، والمستمرة منذ سبعة شهور، في اليمن. الشفرة الوراثية السياسية للأنظمة الحاكمة لا ترحب بتغيير الأنظمة الحاكمة. ولذا، فمن الطبيعي، في ظل المبادرة العربية تجاه سورية، طرح سؤال ما إن كان من الممكن انقاذ نظام الرئيس الأسد من نفسه.
ما ينبغي أن يذكر للمبادرة العربية أولاَ أنها لم تفترض بقاء الرئيس الأسد في الحكم حتى 2014 وحسب، ولكنها طالبت النظام أيضاً بسلسلة من الإجراءات، قبل أن تبدأ أية عملية سياسية للوصول إلى توافق بين النظام وقوى المعارضة (التي باتت لا تحصى ولا تعد، على أية حال). أول هذه الإجراءات هو سحب الجيش وقوات الأمن من الشارع، وإعادتها إلى ثكناتها؛ بمعنى وضع حد لعنف النظام ضد شعبه، ومن ثم الإفراج عن آلاف المعتقلين وتعويض المتضررين، من ضحايا تعذيب وجرحى وأسر شهداء. هذه الشروط هي بالطبع ضرورية، بل هي أقل ما يمكن طلبه من النظام، طالما أن المبادرة لا تدعو إلى سقوطه، بل إلى جملة إصلاحات في بنيته الأمنية والسياسية، يفترض أن يقودها الرئيس ويشرف على تنفيذها، وصولاً إلى انتخابات رئاسية بعد ثلاث سنوات. وإن كانت معضلة المبادرة من زاوية نظر أغلب قوى المعارضة السورية والقطاع الأكبر من ناشطي التنسيقيات في الداخل هي بقاء الرئيس، فإن المعضلة من زاوية نظر النظام لابد أن تكون في سحب قوات الجيش والأمن وإيقاف آلة القمع والعنف الدموي التي نشرها النظام منذ آذار/مارس الماضي، والتي لم تتوقف عن حصد أرواح السوريين.
تنبع معضلة المعارضة من أنها تواجه نظاماً يتمتع بقدرات هائلة على السيطرة والتحكم، بنيت طوال أربعة عقود، وأن نوايا النظام الإصلاحية امتحنت بالفعل في أكثر من منعطف إلى أن جاء الامتحان الأخير، الذي خاضه النظام بمغالبة دموية مع الشعب وسفك للدماء. كيف يمكن، إذن، للسوريين الاطمئنان لنوايا النظام الإصلاحية، وإلى قدرته على أن يتغير، قبل أن يشرع في تغيير بنية الحكم والدولة. في حال ارتضى السوريون وقواهم السياسية بقاء النظام حتى 2014، وهو زمن طويل في أعمار السياسة والسياسيين، فليس هناك ما يمنع من أن يستمر هذا النظام لزمن مديد.
بيد أن معضلة النظام أكبر بكثير. يستدعي المنطق السياسي، ومنطق ميزان القوى، قبول النظام بالطرح الذي تقدمه المبادرة العربية المنطقي، لأن المبادرة لا تدعو صراحة إلى سقوط النظام بكليته، لاسيما رئيس الجمهورية؛ وميزان القوى، لأن من الواضح، وبعد ستة شهور من المغالبة الدموية مع الشعب، أن النظام يعجز عن إيقاع الهزيمة بالانتفاضة الشعبية وقواها، بينما تزداد عزلته العربية والدولية إحكاماً. بكلمة أخرى، حاجة النظام إلى مخرج من هوة سفك الدماء والجريمة واسعة النطاق التي أغرق نفسه فيها، باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وهذا ما تحتاجه سورية ككل، قبل أن تتفاقم الأزمة بما يهدد مقدرات البلاد السياسية والعسكرية، دورها وموقعها الإقليمي. ولكن المرجح الآن أن النظام لن يقبل بالمبادرة العربية على ما هي عليه، على الرغم من الترحيب الذي قوبل به الأمين العام للجامعة العربية في زيارته للعاصمة السورية واللقاء بالرئيس الأسد. وقد كان سلوك المندوب السوري في الجامعة العربية، في اجتماعات مجلس الجامعة الوزاري، الذي اقترب من الهزل السياسي، مؤشراً إلى أن مقاربة النظام من المبادرة العربية، والمبادرات الأخرى (التركية والروسية، مثلاً) التي تحاول إنقاذه وإنقاذ الوضع السوري، لم تتغير.
أين تقع إذن معضلة النظام؟ لماذا يفتقد النظام الشجاعة والحكمة للتعامل الإيجابي مع محاولات إيجاد مخرج من الأزمة السورية المستحكمة، ومد يد العون للنظام نفسه؟
الحقيقة، أن النظام ببساطة لا يستطيع قبول الشروط الأولية لمثل الأفق السياسي الذي تطرحه المبادرة العربية، الشروط المتعلقة بسحب الجيش وقوات الأمن والاعتراف بشرعية حركة الاحتجاج والمطالب الجماهيرية؛ بمعنى القبول بشرعية التظاهر والحراك الشعبي السياسي. إن قبل النظام بهذا التطور الكبير في الحياة السياسية السورية، فالمتوقع خروج الملايين من السوريين إلى الشارع، ليس في حماة وحمص وإدلب ودير الزور وريف دمشق وحسب، بل وفي قلب مدينتي دمشق وحلب أيضاً. مثل هذا المسار، الذي تدرك كافة الأطراف احتمال وقوعه، لا يمكن للنظام التعايش معه، ليس فقط لأن من الممكن أن يتطور تلقائياً باتجاه إسقاط النظام كلية، ولكن أيضاً لأن الأنظمة العربية، والنظام السوري على وجه الخصوص، لا يمكنه القبول بمشاركة الساحة السياسية مع القوى الجماهيرية. هذه أنظمة بنيت أصلاً على التفرد والتحكم والسيطرة، وتبلور إرادة شعبية في ساحة العمل السياسي تستدعي تفاوضاً جاداً بين الحكم والشعب، تستدعي دوراً فعالاً للشعب في رسم مستقبل بلاده ومسار دولته. وهذا بالتأكيد ليس أحد الطرق المطروحة على جدول أعمال النظام؛ أو ليس أحد الطرق المطروحة حتى الآن.
خلف هذا الموقف ما سبق أن أشير إليه في هذا الموقع في أكثر من مناسبة سابقة: أن النظام لا ينظر إلى الانتفاضة الشعبية وإلى مطالب السوريين في الحرية والديمقراطية والعدالة باعتبارها أزمة سياسية، بل على أساس أنها مفترق حياة أو موت. لم يتبن النظام هذه المقاربة الصفرية بعد أن اتسع نطاق الحراك الجماهيري وتضخم حجم السوريين المنخرطين في فعالياته، بل منذ بداية الانتفاضة السورية، منذ كانت حركة الاحتجاج مقصورة على بعض أحياء دمشق ومدينة درعا.
أطلقت نيران البنادق على المتظاهرين، بهدف القتل الصريح، في الأسابيع الأولى للانتفاضة، وعمل النظام منذ مارس/ آذار على أن تلقن جماهير المحتجين درساً من الموت والخوف والترويع، بهدف أن يقلع السوريون مرة وإلى الأبد عن الخروج إلى الشارع. وليس ثمة دليل واحد على أن مقاربة النظام الصفرية تغيرت في أدنى درجة ممكنة طوال الشهور الستة الماضية. هذه المقاربة هي الأصل في تعامل النظام مع الحركة الجماهيرية، وكل إعلانات الإصلاح الجزئي والشكلي، التي أعلن عنها النظام في الشهور القليلة الماضية، أو الاستجابات السريعة للمبادرات الخارجية (التي سرعان ما اتضح عدم صدقيتها)، أو الانفراجات المتفرقة التي سمحت بلقاء هذه المجموعة المعارضة أو تلك، سوى هوامش قصد بها كسب الوقت لتحقيق الهدف الأصلي.
هل ثمة من مخرج إذن؟ هل هناك من طريق للخروج بسورية من مسلسل القمع الدموي وانغلاق الأفق السياسي؟ ليس من الصعب ملاحظة بعض الأصوات التي تعبر عن حالة من الحيرة، أو حتى الشعور باليأس، في الساحة السياسية السورية، داخل البلاد ووسط الحراك الجماهيري وفي الخارج. الأصوات المطالبة بالتدخل الدولي، أو بالحماية الدولية، سواء تلك التي تدعو لتدخل عسكري دولي، أو التي لا تعرف على وجه اليقين كيف يمكن أن يقع مثل هذا التدخل، تعبر عن مثل هذا الشعور بالقنوط والحصار. والتوجه التلقائي، والمحدود حتى الآن، في المناطق الحدودية ومناطق العشائر وأرياف المدن، نحو حمل السلاح، في سعي لحماية النفس والأهل من رجال الأمن والميليشيات المرتبطة بأجهزة الأمن، أو بدوافع الثأر والحزن والخسارة؛ وفي المقابل، بروز توجهات تدعو إلى التوصل إلى تسوية ما مع النظام، بغض النظر عن نهج العنف والمغالبة الذي يتبناه، تعبر هي أيضاً عن مثل هذا الشعور. ولجوء بعض دوائر المعارضة وشخصياتها إلى اللغة الطائفية لإدانة طائفية النظام، هي كذلك انعكاس لمشاعر اليأس والحصار.
تكتسب الثورات الشعبية قوتها الدافعة، وتحقق النصر في النهاية، بفضل موقعها الأخلاقي الأعلى من موقع أنظمة الاستبداد والقهر. هذا لا يعني قطعاً تبرئة النظام من طبيعته القصرية، ولا إعفاءه من الجرائم التي يرتكبها، أو إعفاء النظامين الدولي والعربي من المسؤولية. ولكن سلاح النظام لا يجب أن يواجه، ويهزم في النهاية، إلا بسلمية الثورة؛ واستباحة النظام لدم الشعب، لابد أن تواجه بالحرص على مقدرات البلاد من كل تدخل خارجي؛ وطائفية النظام لا يمكن أن تواجه إلا بالتوكيد على وحدة الشعب والوطن والتزام سلوك وتبني خطاب سياسي يتطابق مع هذا التوكيد.
لا تمثل الثورات حدثاً مستقيماً واضح المعالم، ولكنها تعكس فعلاً تاريخياً متعدد القوى والتوترات، فعلا من الحزن والنشوة، من الانتكاسات والنهوض، ومن الخوف والاستبسال.
ولكن المتيقن أن بلداً يشهد ثورة بحجم هذا الحدث السوري الكبير، وهذا التصميم السوري الشجاع، لا يمكن أن يعود إلى الوراء أبداً.