قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صبحي حديدي


سلّة مهملات التاريخ تحفل بأولئك الذين ظنّوا أنّ التاريخ يمكن أن يسير رأساً على عقب، فكان أن قلب لهم التاريخ ظهر المجنّ، ليس دون توفير دروس بليغة قاسية، لم تُلحق الهزيمة النكراء بنظرياتهم وخططهم، التكتيكية منها أو الستراتيجية، فحسب؛ بل أنزلت بهم العقاب المباشر، البليغ والقاسي بدوره. ولا تنقضي سنة إلا ويقدّم التاريخ جردة حساب تُلقي بالمزيد من هؤلاء إلى قاع السلّة؛ فيتعظ من يحسن إدراك العظة، ويتابع الغيّ كلّ متعامٍ متلهف على القفز إلى 'مزبلة التاريخ'، حسب تعبير الثوري والمنظّر الروسي ليف دافيدوفيتش تروتسكي.
والسيدة كوندوليزا رايس اكتسبت صفة 'الأولى' في مناح عديدة، بينها أنها كانت أوّل امرأة أفرو ـ أمريكية تشغل منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، وأوّل مستشارة لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وأوّل مستشارة شخصية لشؤون الشرق الأوسط لدى حاكم ولاية تكساس، جورج بوش (الذي سيُنتخب رئيساً للولايات المتحدة، مرّتين). وهي عندي ـ شخصياً، لأسباب تخصّ بلدي سورية، فضلاً عن شؤون فلسطينية وعربية ودولية شتى ـ أحدث نزيلات سلّة مهملات التاريخ، خاصة بعد أن أصدرت كتابــــها الجديد 'لا يعلو عليه شرف: مذكرات سنواتي في واشنطن'. وهذا المجلد الضخم، الذي يقع في أكثر من 700 صفحة، يسعى إلى تبييض صفحة رايس، وترقيتها إلى مصافّ الشرف الأعلى الذي يلمّح إليه العنوان، فلا تنتهي معظم فصوله إلا إلى تثبيت النقائض، أو كشف ما تمّ التستّر عليه من وقائع فاضحة (حكايتها في مطبخ معمّر القذافي، على سبيل المثال).
في ما يخصّ سورية، تظلّ رايس مبتكرة نظرية 'التغيير من داخل النظام'، وليس تغيير النظام؛ عبر الإصلاحات التجميلية تارة، أو ممارسة الضغوط اللفظية طوراً، فضلاً عن الغمز بين حين وآخر إلى طراز منتقى من 'معارضة' سورية مستهلَكة، متأمركة سرّاً أو علانية، ومنقطعة الصلة عن الشعب السوري والمعارضة الفعلية في الداخل. ولعلّ الكثير من تدابير تلك النظرية، وهي في كلّ حال فقيرة محدودة التفاصيل، ما تزال معتمَدة اليوم أيضاً في واشنطن، حتى إذا كان هذا الناطق الرسمي أو ذاك، باسم البيت الأبيض أو الخارجية، يُدخل عليها تعديلات لفظية بدورها، تتلاءم ما أمكن مع برهة التبريد أو التسخين في مخاطبة النظام السوري.
وخلال محاضرتها الشهيرة، التي ألقتها في جامعة القاهرة صيف 2005، قالت رايس: 'طيلة 60 سنة بحثت بلادي، الولايات المتحدة، عن الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، هنا في الشرق الأوسط، ولم ننجز أيّاً منهما. الآن نحن نتخذ مساراً مختلفاً. نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لكلّ الشعوب. وثمة اليوم أنظمة غير ديمقراطية تهدّد الحرّية. البعض يظنّ أنّ هذه واحدة من حقائق التاريخ الثابتة. ولكن هناك مَنْ يعرفون الأفضل. ويمكن العثور على هؤلاء الوطنيين المتعطشين للحرّية في بغداد وبيروت، في الرياض ورام الله، في عمّان وطهران، وهنا في القاهرة تحديداً'. ليس في دمشق، طبعاً، رغم أنها جارة بيروت وبغداد وعمّان؛ ورغم أنّ النظام السوري كان نسيج وحده في تدشين الاستبداد الوراثي، وحكم العائلة؛ ورغم أنّ الاجهزة الأمنية السورية أقدمت، في الفترة ذاتها، على إعلاق منتدى الأتاسي واعتقال أبرز قياداته.
اليوم، لأنها لم تعد في الموقع الرسمي، وصار امتداح 'الربيع العربي' مغنماً لكلّ رافع عقيرة في واشنطن، لا تتردّد رايس في إصدار هذا الحكم الرهيب على النظام السوري: 'لقد أتى دوركم. وأياً كان النظام الذي سيخلفكم، فإنه لن يكون أسوأ في نظر شعبكم، وفي نظر العالم، ممّا كنتم عليه أنتم'؛ ثمّ تردف، خلال واحدة من جولات توقيع كتابها: 'الأسد يقود سورية إلى حافة الحرب الأهلية'، وتنكيله بالمعارضين 'يخلق وضعاً بالغ الخطورة'، وإسقاطه 'سوف يكون أمراً عظيماً للشعب السوري، ولمصالح الولايات المتحدة، وكلّ الباحثين عن شرق أوسط أكثر سلاماً'! وقد يصعب أن ينتظر المرء من رايس موقفاً صامتاً إزاء جرائم النظام السوري (الانتفاضة تجبّ ما قبلها في واشنطن أيضاً، والحقّ يُقال!)؛ إلا أنّ الانقلابات الفاضحة في المواقف، بين ليلة وضحاها، أقرب إلى 'الشقلبة' منها إلى التنقّل أو التبدّل.
وذكر الله بالخير صديقنا القاصّ الفلسطيني محمود شقير، صاحب القصة القصيرة البديعة 'ابـــنة خالتي كوندوليزا'، حيث تنقلب الستّ مثيلة، شبيهة وزيــــرة الخارجية الأمريــــكية، إلى كابوس يطبق على خناق ابن خالتها شكري النــــجار، إذْ يرى نفسه مــــتزوجاً منها، وضيف العرس ليس سوى وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رمسفيلد. وأمّا شرط مثيلة/ كوندوليزا لإتمام النــــكاح فهو، ببساطة: إنجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير! ونفهم من الحوار بين العريس والعروس أنّ الخاتمة السعيدة لن تتمّ قبل 'سنتين أو ثلاث سنوات، وقد نحتاج إلى شنّ حرب أو حربين'؛ وبعدها: 'شعوب بأكملها ستنعم بالديموقراطية! وآنذاك سنفرح أنا وأنت'.
.. ما خلا أنّ مشروع الديمقراطية العربي انطلق في غياب كوندي، فلم تكن ابنة خالته، ولا خالته، ولا عمّته؛ ولم يكن لها فيه فضل، بل إنّ العكس هو الصحيح؛ وأن الستّ ليست اليوم في عرس، أو حتى في حلم به، بل هي قابعة حيث يتوجب أن تبقى: في سلّة مهملات التاريخ!