قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حمد الماجد

لم يفاجئنا تصريح المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، الخميس الماضي، الذي قالت فيه إن جماعة الإخوان المسلمين في مصر قدمت للولايات المتحدة ضمانات لاحترام معاهدة السلام مع إسرائيل، المفاجأة لو أن الإخوان المسلمين لم يقدموا مثل هذه الضمانات، وحتى النفي الإخواني لهذه الضمانات، الذي أدلى به القيادي الإخواني عصام العريان، لا يمكن أخذه (إذا ثبتت صحة التصريح الأميركي) إلا في إطار البراغماتية لامتصاص ردود الفعل التي قد تضر بهم وبشعبيتهم.

وفي غزة هناك صورة تتشابه مع مخرجات التصريح الأميركي، وبالتحديد مع قادة حماس الذين يراجعون استراتيجية المقاومة؛ فقد ذكرت صحيفة laquo;الإندبندنتraquo; البريطانية أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر قد طلبت سرا من حماس وقف أنشطتها العسكرية كاملة والقيام بأنشطة سياسية فحسب، وذلك في أعقاب اندلاع ثورات الربيع العربية ذات الطابع السلمي في أغلبها والفوز الذي حققته الأحزاب الإسلامية في الانتخابات، وكما أثبتت المتحدثة الأميركية ونفى العريان، فإن خالد مشعل، بحسب مصادر غربية، قد لمح، في الأسابيع القليلة الماضية، إلى أن الحركة تقوم بتحول استراتيجي من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية غير العنيفة، غير أن محمود الزهار نفى أن يكون هناك أي تغيير في ما يتعلق laquo;بتوجهنا وتفكيرنا إزاء النزاعraquo;.

هذا الماراثون في التصريحات والنفي يذكرنا بحقبة الثمانينات حين تحولت منظمة فتح من الكفاح المسلح إلى الكفاح الدبلوماسي؛ فقد كان ياسر عرفات، يرحمه الله، يحسب حساباته لرد فعل شعبه لهذا التحول، وفي الوقت ذاته يريد أن يتقدم في الاتجاه نحو عقد صلح مع إسرائيل، فكان يستخدم تصريحات الصف الثاني من قيادات فتح، مثل ياسر عبد ربه، لقياس رد الفعل، فإذا كان عنيفا تراجع أبو عمار واعتبرها تصريحات لا تعبر عن وجهة نظر المنظمة.

وعلى أي حال فلا يعنينا هنا تمحيص صحة التصريحات أو صدقية النفي، بل إثبات أن الإخوان المسلمين وغيرهم من الفصائل الإسلامية ذات الخبرة السياسية ستغير كثيرا من استراتيجياتهم وخططهم فور وصولهم للسلطة، وهذا الذي كنا نذكر به في نهاية الثمانينات والتسعينات حين أجهضت انتصارات الإسلاميين في الانتخابات الجزائرية والفلسطينية، فقد قلنا حينها إن منح الإسلاميين الفرصة لتولي السلطة عبر الانتصارات التي حققوها في الانتخابات من شأنه أن يحقق لخصومهم السياسيين في الداخل والخارج إحدى نتيجتين أو كلتيهما، إما أن يخفقوا في تسيير دفة الحكم، وإما أن laquo;يقلم أظفارهمraquo; ويخفف كثيرا من حدية طروحاتهم ويجعلهم أكثر براغماتية بسبب تعقيدات الأوضاع في الداخل والخارج، وهذا بالضبط ما لحظناه في التصريحات laquo;الواقعيةraquo; لقيادات الإخوان المنتصرة حيال عدد من القضايا السياسية، ومنها طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وهو الملف الأكثر حساسية وتعقيدا، بل حتى السلفيون المصريون، الأكثر تحوطا وتحفظا، الذين كانوا يتهمون الإخوان بـlaquo;التميعraquo; في سياساتهم تجاه عدد من المسائل الدينية والاجتماعية والسياسية، بدأت تسري إليهم عدوى البراغماتية، فبدأنا نسمع عنهم كلاما مختلفا ومنفتحا حيال موضوع العلاقة بإسرائيل والفن والسياحة.

ولإثبات صحة النظرية، دعونا نفترض أن السلطة الفلسطينية قبلت، بروح رياضية، الانتصار الساحق لحماس في الانتخابات، وصار رئيس الوزراء حماسيا بالفعل وليس مكتوف اليدين، هل كانت حماس ستتورط في صراع غير متكافئ مع إسرائيل كالذي خاضته وجعل غزة تعاني أهواله وويلاته إلى يومنا هذا؟ لا أظن الجواب بنعم، بدليل أن حماس حين سيطرت على القطاع وتذوقت طعم السلطة انكفأت عن أي منازلة حربية مع إسرائيل، بل وتضغط على بقية الفصائل لعدم التحرش بإسرائيل.