ظاهرة رفع اللافتات والصور من جانب حزب الله وحركة أمل ، وكذلك من جانب تنظيمات وحركات مذهبية وحزبية وسياسية مسلمة ومسيحية على حد سواء، كانت في البداية من مستلزمات التعبير في مناخ ديمقراطي يتسم به لبنان. لكن هذه الظاهرة تحولت شيئًا فشيئًا إلى أنها باتت في بعض جوانبها قنابل موقوتة من شأن انفجار إحداها، على نحو ما حصل في صيدا، أن يشعل حربًا، خصوصًا أن النفوس معبأة، وأن المذهبية باتت راسخة إلى حد أنه في بعض أوساط أهل السنة وأهل الشيعة في لبنان لا يجوز الزواج من غير الطائفة


يُلفِت الكاتب فؤاد مطر الى أن الاحتفالية بذكرى عاشوراء في لبنان والتعبير عن الأحزان يأخذ طابعًا غير مألوف من حيث اللافتات التي يتم رفعها والصور التي يتم تعليقها.

وبحسب مطر، فإن هذا الأسلوب يطرح تساؤلات عدة في أوساط أهل السنة ، وكذلك في أوساط بقية رموز الأطياف والطوائف التي كانتفي الماضيتعتبر المناسبة تخصها بقدر ما تخص أبناء الطائفة الشيعية.
المظهر غير المألوف ، يتجسد بحسب مطر ، في (تمدد) الاحتفالية بالذكرى العاشورائية إلى درجة رفع اللافتات والصور في ساحات أو شوارع أو ميادين أو مناطق غالبية سكانها من الطائفة السنية.
يقول مطر في هذا الصدد: quot; هذا التمدد بات ذريعة لدى رموز حديثة العهد في ظهورها داخل المجتمع المذهبي الإسلامي، توظفها من أجل تعزيز هذا الظهور، ثم جاءت واقعة صيدا قبل أيام من حلول المناسبة العاشورائية (حلت الخميس الأول من محرم 1433هـ)، لتؤكد حقيقة أساسية، وهي أن رفع اللافتات والصور كان لغرض تعبوي أكثر منه لتعميق مشاعر الحزن على الإمام الحسينquot;.
وبموجب ذلك ، فإنه بدلاً من quot; أن تكون الأيام العشرة ذات طبيعة وجدانية، فإنها تحولت، ونتيجة سقوط قتلى وجرحى، إلى مساجلات سياسية حافلة بأنواع غير مستحبة من المفردات والتحديات الثأرية quot; ، بحسب مطر .
ويذكر مطر أيضا بأن لبنان كاد (يشتعل ) يوم الأحد 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 بسبب لافتات خاصة درج حزب الله وحركة أمل على تعليقها لمناسبة حلول الأول من محرم.
كما يعرج مطر ايضًا على احتفاليات عاشوراء في الماضي في لبنان ، فيكتب في مقاله في صحيفة (الشرق الاوسط) quot; في الزمن اللبناني الغابر، قبل 30 سنة خلت، ويوم كان حزب الله لم يخرج على الإسرائيليين شاهراً مقاومته وتجاريه حركة أمل لجهة رص الصف الشيعي، كانت مراسم إحياء الذكرى الاستشهادية تتم وفق طقوس متوسطة الحماسة، أو إذا جاز التوصيف كانت تتم في احتفالية تتسم بالهدوء، يحرص رموز الطوائف والعمل السياسي على المشاركة فيها، ويخرج المشاركون وقد باتت مشاعرهم الوجدانية مثل مشاعر أبناء الطائفة الشيعية لجهة الحزن على الذي أصاب سيد الشهداء وبقية أفراد قافلة الاستشهاد. وكان الحزن على الإمام الحسين ومن استشهد من آل البيت عفوياً من جانب السني والمسيحي، وذلك لأن ما يقال في المناسبة من على المنبر نثرًا أو شعرًا كان يوحد المشاعر quot; .
لكن هذه المناسبة ، تحولت بعد الثورة الخمينية الى احتفالية ذات طابع quot;تعبويquot;.
اذ يرى مطر أنه بسبب quot;تأثير الظاهرة الخمينية على جموع الشيعة في بعض الدول العربية، وبالذات لبنان، الأمر الذي يجعل الورقة العاشورائية بالغة الأهمية لجهة التعبئة النفسية السياسية، فإن الطقوس التقليدية الهادئة ماضياً أصبحت طقوسًا تعبوية.
إلى ذلك، فإن ظاهرة رفع اللافتات والصور من جانب حزب الله وحركة أمل ، وكذلك من جانب تنظيمات وحركات مذهبية وحزبية وسياسية مسلمة ومسيحية على حد سواء، كانت في البداية من مستلزمات التعبير في مناخ ديمقراطي يتسم به لبنان. لكن هذه الظاهرة تحولت شيئاً فشيئًا إلى أنها باتت في بعض جوانبها قنابل موقوتة من شأن انفجار إحداها، على نحو ما حصل في صيدا، أن يشعل حرباً، خصوصاً أن النفوس معبأة، وأن المذهبية باتت راسخة إلى حد أنه في بعض أوساط أهل السنة وأهل الشيعة في لبنان لا يجوز الزواج من غير الطائفةquot;.
ويكتب مطر عن واقعة صيدا بالذات، من ناحية إن دلالاتها تتسم بالخطورة لجهة أن ما هو معلن من نظرة إلى هذه المدينة يختلف عما هو غير معلن .
يستطرد مطر quot; حزب الله يرى ضمناً أن صيدا هي عاصمة جنوبه، وأن شأن (جنوب الحزب والحركة) يبقى غير مكتمل ما دامت المدينة الأهم صيدا هي امتداد (بيروت الحريرية) ، وهذه النظرة كثيرًا ما يعبّر عنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعبارة (صيدا عاصمة الجنوب) ، وهو يقصد بطبيعة الحال (جنوبه)، وليس الجنوب المصنف مجرد محافظة وأقضية، أي (الجنوب الدولة) في حال بات تقسيم المنطقة إلى دويلات، بدءاً بسوريا وصولاً إلى بقية بقاع الخريطة من المحيط إلى الخليج.
ويدعو مطر الى وقفة تأمل من جانب الحكم في لبنان تجاه ظاهرة رفع اللافتات والصور في شوارع وميادين ومناطق، وبالذات في عواصم الصراع اللبناني؛ بيروت وطرابلس وصيدا، بحيث يخضع رفع هذه اللافتات والصور إلى رقابة ومواقف مسبقة، بل وإلى دفع رسوم كتلك التي تجبيها البلديات من الذين يرفعون لافتات دعائية على محلاتهم التجارية. يزيد مطر في القول quot; هذا مع مساءلة عفوية من جانب كاتب مثل حالي لإخواننا في حزب الله وحركة أمل ومعهم عشرات الحركات ذات الطابع المذهبي جلهم من السنة؛ هل من الجائز خلط صور سيد المقاومة ورئيس الطيف الشيعي الآخر مع صور ولافتات يتم تعليقها لنجوم غناء وطرب ورقص وحفلات لمناسبة الأعياد؟ وهل من الجائز اعتبار ذكرى المولد النبوي من جانب حركات مذهبية سنية مناسبة لرفع لافتات كُتبت عليها عبارات اختارها متزمتون، وكان الغرض منها استفزاز الشيعة الذين رفعوا لافتات كُتبت عليها عبارات تعبوية، وجرى تعليقها أو رفعها في غير مناطق الشيعة؟quot; .
يستطرد مطر quot; بطبيعة الحال هذا ليس جائزاً كما يرى مطر . وفي مقدور وزير الداخلية ورؤساء بلديات عواصم الصراع إما التمني على رافعي اللافتات والصور عدم اعتماد هذا الأسلوب، أو إنزال ما يتم رفعه وتعليقه، إنما من جانب أهل الأمن الرسمي، وإرفاق الإنزال بغرامات كتلك التي يتم إنزالها بأصحاب السيارات المخالفةquot; .
وعلى صعيد عاشوراء في العراق يدعو الكاتب حميد المختار ، الى quot; أن نفسر الحسين ونقرأه قراءة أخرى غير تلك القراءة التي توارثناها أباً عن جدquot;.
ويوجه خطابه في مقاله المنشور في صحيفة الصباح العراقية الى quot; كل النخب المثقفة التي تحتج على الطقوس التي يقيمها التدين الشعبي على مدار العام، فلماذا نترك الساحة ونحن الأولى بالتعبير عما يجوس في دواخلنا من غليان ورفض وتمرد يسير على الخط الحسيني القديم الجديد ذاته؟ لماذا لا نظهر هذا الحب بصورة النخبة الواعية كونها الوحيدة القادرة على فهم الواقعة، لكنها بالتأكيد ستكون غير قادرة على التبشير بها وطرحها للمناقشة مع عظم الموجود على أرض الواقع من هيمنة طقوسية راكزة في العقول. وقد نهزم أمام هذا الهيجان الذي طغى على كل شيءquot;.
ويطرد في القول quot; ينبغي علينا جميعاً كمثقفين بتنوع ثقافاتنا أن نتفق على حمل هذه المسؤولية لأنها مسؤوليتنا أولاً، وهو معتركنا القادم حتى وإن لاحت أمامنا تباشير الهزيمة، فالحسين أيضاً رأى تلك التباشير، لكن نصره الآجل جاء بعد حين، وها هي أعلامه ما زالت ترفرف على العالمquot;.