Aaron David Miller

احتاجت الولايات المتحدة نفسها إلى حرب أهلية خاصة بها وقرن ونصف من الزمن لتوسيع الإطار الدستوري الذي ساهم في معالجة مشكلة المساواة العرقية في الولايات المتحدة، حتى إنها لم تتوصل إلى حل تلك المشكلة بالكامل حتى الآن.
بعد مرور أكثر من سنة على الربيع العربي، تتضح اليوم حقيقة مزعجة وغير صائبة سياسياً: يجيد العرب الاستيلاء على السلطة والقتال في سبيلها أكثر مما يجيدون تقاسمها.
اعتُبرت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في مصر، في الأسبوع الماضي، خطوة مهمة للمضي قدماً. هكذا هو الوضع في مصر لأن البلد لم يسبق أن شهد انتخابات حرة وعادلة.
لكن يجب توخي الحذر عند مقاربة الوضع، وما لم يجد العرب طريقة لتقاسم السلطة وتحقيق هدف مشترك، فقد تصبح فرصة إنشاء نظام سياسي ديمقراطي مبني على المحاسبة ضئيلة أو حتى معدومة.
خلال المفاوضات التي حصلت في عام 1971، سأل هنري كيسنجر تشو إن لاي عن رأيه بتداعيات الثورة الفرنسية على تاريخ العالم. فأجابه تشو بأن الوقت لا يزال مبكراً لتحديد ما سيحصل.
لا شك أن الوقت سيكون الحكم النهائي على موجة التغيير التي اجتاحت العالم العربي، إذ يدعونا الجميع إلى التحلي بالصبر لأن سنة واحدة ليست وقتاً كافياً لإصدار الأحكام على المسار الديمقراطي.
هذا الأمر صحيح، فقد احتاجت الولايات المتحدة نفسها إلى حرب أهلية خاصة بها وقرن ونصف من الزمن لتوسيع الإطار الدستوري الذي ساهم في معالجة مشكلة المساواة العرقية في الولايات المتحدة. حتى إنها لم تتوصل إلى حل تلك المشكلة بالكامل حتى الآن.
مع ذلك، ساهم حجم الولايات المتحدة ومواردها الطبيعية ووضعها الأمني وذلك الإطار الدستوري اللافت (رغم شوائبه) في منح البلد بعض الامتيازات الطبيعية التي لا يتمتع بها الشرق الأوسط المستاء والمتفكك والضبابي.
عند التمعن في وضع المنطقة، يتضح لنا غياب ركائز تقاسم السلطة والمؤسسات الشاملة والقادة الذين يطرحون رؤية وطنية حقيقية. من المتوقع أن تؤدي هذه التحديات إلى جعل العمليات الانتقالية التي تمهّد لإرساء الديمقراطية أكثر صعوبة.
صفقات لا تحولات!
أولاً، تبين أن ldquo;الربيع العربيrdquo; المزعوم لم يُحدث التحولات التي تمناها الكثيرون. عملياً، لم تحدث ثورات حيث نجحت فئات جديدة بإسقاط فئات قديمة، بل كان الأمر أشبه بصفقات شملت بعض المناورات من جانب السلطات والأحزاب القائمة بهدف استعادة السلطة.
في مصر، أدت نهاية نظام مبارك إلى نشوء مساحة سياسية جديدة، لكن سرعان ما احتل الجيش وrdquo;الإخوان المسلمونrdquo; وبقايا النظام القديم تلك المساحة. كذلك، انقسم الليبراليون ومستخدمو محرك ldquo;غوغلrdquo; الذين ساهموا في إحداث تلك التغييرات السياسية بسرعة وها هم يفتقرون الآن إلى حس تنافسي حقيقي. يبدو أن مستقبل مصر سيحدده الأشخاص الذين يحملون الأسلحة والقرآن. بالتالي، يبقى احتمال نشوء نظام ليبرالي وتقاسم السلطة بشكل حقيقي (وبالتالي الحفاظ على حقوق المرأة والأقليات) ضئيلاً.
صراع طائفي وقبليّ
رغم تلك الشوائب كلها، فقد تكون مصر أفضل حالاً من غيرها. في بلدان أخرى، تحصل أمور أسوأ بكثير. في البحرين مثلاً، تسود حملة قمعية ويتراجع احتمال أن يلبي النظام الملكي المؤلف من أقلية سنية الحاجات السياسية والاقتصادية للأغلبية الشيعية.
في اليمن، سقط الطاغية لكن لا تزال الخصومات القبلية وحالة الجيش المنقسم تشير إلى استحالة إنشاء نظام سياسي قوي ومستقر ويرتكز على المحاسبة بسبب الانقسامات الاجتماعية، ولا شك أن وجود ldquo;القاعدةrdquo; الناشطة، بالإضافة إلى حركة تمرد في الجنوب وحركة انفصالية في الشمال، سيضمن أن يتحول البلد إلى قنبلة موقوتة طوال السنوات المقبلة.
بعد عام من القمع، لم تقترب سورية من معرفة من سيحل مكان نظام الأسد بسبب ظهور حركات التمرد واحتدام الصراع الطائفي. كذلك، لا سبب يدعونا إلى التفكير في أن الصراع السوري يوشك على الانتهاء.
ما من رؤية وطنية
يتطلب تقاسم السلطة التزام السياسيين والرأي العام برؤية وطنية تهدف إلى إعلاء شأن المصلحة المشتركة وإنشاء مؤسسات محترمة تحكم السلوك السياسي، لكن لا شيء من هذه العوامل مؤكد بعد.
بل إن العرب قسّموا أنفسهم وفق كيانات متعددة (الجيش، والقبائل، والإسلاميون من القناعات المختلفة، والأقليات)، ويبدو أن كل فئة مصممة على حماية نفسها. أين القادة الوطنيون الذين يستطيعون تجاوز تلك الاعتبارات الحزبية الضيقة وكسب الاحترام والشرعية من الرأي العام وإنشاء حكم فاعل؟ أين الآليات التي تمكّن هؤلاء القادة من التنازل عن السلطة بعد وصولهم إليها وفق مجموعة من الإجراءات الدستورية؟
اقتبس فؤاد عجمي كلام المؤرخ الروماني تاسيتوس وكتب حديثاً أن اليوم الأول الذي يلي موت الإمبراطور السيئ هو أفضل يوم. لقد مر ذلك اليوم في الربيع العربي، ونأمل أن تكون الأيام المقبلة أفضل حالاً، لكنّ الوضع قد يسير نحو الأسوأ للأسف.
* باحث بارز في مركز ldquo;وودرو ويلسونrdquo; في واشنطن. عمل مستشاراً في شؤون المفاوضات العربية الإسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية في عهد إدارات جمهورية وديمقراطية.