Hassan Hassan 
تغير الوضع بشكل جذري بعد الاعتداء الأخير على دير الزور، فثمة زخم واضح ضد النظام اليوم في أنحاء المحافظة، وأخبرني سكان من أنحاء دير الزور المختلفة عن وجود عدد كبير من مقاتلي المعارضة في القرى، ما يصعّب على النظام مهمة السيطرة على المنطقة.
نواف الفارس هو السفير السوري السابق في العراق وقد انشق عن النظام في الأسبوع الماضي، وهو زعيم عشيرة نافذة في منطقة البوكمال المجاورة للعراق، تُعتبر عشيرة الجراح فرعاً لأكبر اتحاد قبلي في شرق سورية. رسخت عشيرة الجراح نفسها كجماعة نافذة بفضل إرثها المعروف في مجال القتال ضد الفرنسيين خلال الأربعينيات وبفضل مسيرة الفارس مع نظام البعث.
قبل أن يصبح الفارس أول دبلوماسي ينشق عن النظام، كانت مسيرته المهنية تدل على وجود علاقة وثيقة بينه وبين آل الأسد. تولى مناصب أمنية وحكومية أساسية وترأس فرع حزب البعث في دير الزور ومركز مخابرات في اللاذقية، وعمل محافظاً في ثلاث محافظات مهمة: اللاذقية، مسقط رأس عائلة الأسد على الساحل، وإدلب بالقرب من تركيا، والقنيطرة في جوار إسرائيل.
عام 2008، كُلّف بمهمة حساسة تتمثل بمنصب السفير السوري في بغداد. من المعروف أن تلك السفارة كانت تنسق النشاطات السورية في العراق، بما في ذلك عمليات التجسس والتهرب من العقوبات في الفترة الأخيرة.
لكن لم تكن قيمة الفارس بالنسبة إلى النظام تتوقف حصراً على ولائه وأدواره الرسمية، فعلى مر العقود، ساهم الفارس وزعماء قبائل آخرون في أنحاء البلد في ترسيخ شرعية النظام وضمان الاستقرار. أدار زعماء القبائل العلاقات الشائكة بين الدولة والطوائف التي يؤثرون فيها.
لكن تشير وتيرة العنف أخيراً إلى أن النظام بدأ يجازف بفقدان هذا الوضع.
حين بدأت الاحتجاجات المعادية للنظام منذ 16 شهراً تقريباً، انضمت قرى وبلدات عدة في البوكمال إلى الحركة الاحتجاجية سريعاً. فساد انقسام بين القبائل حول طريقة الرد المناسبة على ما يحصل. انحاز الفارس إلى النظام وسلّح رجاله في القبيلة ضد المحتجين المعادين للنظام، وحاول زعيم قبيلة أخرى التوسط بين المحتجين وعشيرة الفارس ولكنه لم ينجح.
في غضون ذلك، بدأ المحتجون يسلحون أنفسهم أيضاً، فطلب رئيس الاتحاد القبلي الذي يملك نفوذاً كبيراً من الفارس أن ينزع أسلحة جماعته وأن يتوقف عن دعم النظام. أخيراً، وافق زعماء القبائل على منع الاشتباكات مع قوى الأمن وعدم التدخل في الاحتجاجات. في تلك الفترة، كانت مشاعر العداء تجاه الفارس وقبيلته قد تنامت في محافظة دير الزور لدرجة أن الناس هناك كانوا يصفون جماعته بعبارة ldquo;الشبيحة القبليينrdquo;، في إشارة ٍإلى الميليشيات العلوية المسؤولة عن معظم أعمال العنف.
بينما عمد النظام إلى تصعيد أعمال العنف في شرق سورية في الشهر الماضي، بدأ الوضع يتغير. حتى الفترة الأخيرة، كانت دير الزور منطقة هادئة نسبياً مقارنةً بالمناطق الأخرى في البلاد، لكن استمرت الاحتجاجات في بعض النقاط الساخنة، وتحديداً في مدينة دير الزور وبلدة القريا المجاورة، ثم بدأت بلدات وقرى إضافية تنضم إلى التحرك تدريجاً بسبب علاقات القرابة بين المشاركين المختلفين تزامناً مع تصاعد وتيرة العنف. بعد أن تدهورت الروابط بين القبائل والعشائر نتيجة العنف الذي يمارسه النظام، زادت الضغوط على القبائل كي تشارك في الصراع.
بدأت جماعات منتمية إلى ldquo;الجيش السوري الحرrdquo; تحشد نفسها بأعداد كبيرة، ولا سيما في الأرياف حيث ازدهرت تجارة الأسلحة تاريخياً وحيث يملك الناس الأسلحة كرمز للقوة على الرغم من حظر الحكومة.
بعد الاعتداء الذي شنّه النظام على دير الزور في الشهر الماضي ومقتل حوالي 350 شخصاً في ذلك الهجوم، لم تعد القبائل تستطيع التزام الصمت لفترة أطول. كان لا بد من أن تبعد نفسها عن النظام وأن تتحرك ضده أيضاً.
أخبرني أشخاص مقربون من عائلة الفارس بأنه فكر في الانشقاق عن النظام عندما بدأت تلك الاعتداءات.
قال عبدالله غداوي، محرر سياسي في الصحيفة السعودية ldquo;عكاظrdquo; من بلدة البوكمال: ldquo;بسبب أعمال العنف والحملة العسكرية على دير الزور، أصبحت القبائل في موقف أخلاقي محرجrdquo;.
تدرك القبائل أن موقفها اليوم سيؤثر في سمعتها طوال الأجيال المقبلة. الفارس هو زعيم قبيلة نافذة لذا يبقى ولاؤه للنظام ثانوياً مقارنةً بولائه للقبيلة ومكانته في المنطقة. لاقى خبر انشقاقه عن النظام ردة فعل إيجابية في أوساط زعماء بعض القبائل.
خلال الأشهر الستة عشر الماضية، نجح النظام في بث الانقسامات بين القبائل وداخل القبائل نفسها أيضاً، وقد تعمقت تلك الانقسامات تحديداً خلال الانتخابات البرلمانية في شهر مايو، فقرر البعض المشاركة بينما فضّل البعض الآخر المقاطعة، فركز النظام على أوضاع القبائل للحفاظ على هدوء نسبي على الرغم تراجع حضور قوات النظام في المنطقة.
تغير الوضع بشكل جذري بعد الاعتداء الأخير على دير الزور، فثمة زخم واضح ضد النظام اليوم في أنحاء المحافظة. أخبرني سكان من أنحاء دير الزور المختلفة عن وجود عدد كبير من مقاتلي المعارضة في القرى، ما يصعّب على النظام مهمة السيطرة على المنطقة. كما جرت العادة، قصف النظام المدن في دير الزور قبل إرسال مركبات مدرعة. إذا استمر العنف على هذا المنوال، قد تنتفض قبائل من منطقتي الحسكة والرقة المجاورتين ضد النظام بسبب روابط القرابة أيضاً.
يشير انشقاق الفارس، بعد أن كان موالياً للنظام منذ فترة طويلة، إلى أن النظام فقد قدرته على تحريض القبائل بعضها ضد بعض واستعمالها للحفاظ على هدوء نسبي. لا شك أن تفاقم حدة العنف سيجر أعداداً إضافية من الناس إلى هذا الصراع.
في الأشهر الأولى للانتفاضة، عارض بعض قادة القبائل الاحتجاجات لحماية قبائلهم وعشائرهم من رد النظام الانتقامي، لكن سرعان ما انقلب الناس ضد النظام بسبب ارتفاع وتيرة العنف وعامل القرابة بين القبائل، إنه مؤشر آخر على أن النظام أصبح عدو نفسه.










التعليقات