ناصر عبد الرحمن الفرا

رغم التغييرات التي تحدث يومياً في كافة المجالات، للأسف ما زال قسم من مؤسسات الغرب، الأوروبي والأمريكي، جامده في اساليب تناولها وتعاملها مع كل ما هو خاص بالغير أو الأخر، وبالتحديد العربي-الإسلامي. رغم مقدراته الهائلة، ما زال الغرب بكافة مؤسساته عاجزاً، أو هكذا يريد له أن يكون، في فهم تركيبة العقل والوجدان العربي-الإسلامي. بعد كل التقدم الهائل لم ينتبه الغرب بأن البلاد العربية، خاصة بعد الثورات الشعبية العارمة، بدأت تكسر قيود الزمن وأن شعوبها لا ترتبط بعلاقة إزليه مع كل الماضي. والأهم، أن الأنسان العربي-الإسلامي قد بدأ يأخذ زمام أمره بنفسة بعد أن فشلت حكوماته في التعبير عن إرادته وعن ما يجول بخاطرة. نزول هذا الأنسان يومياً للشارع للتعبير عن عزيمته وسخطه ليس سوي انعكاس حقيقي لهذا الواقع المتغير. يبدو وكأن لا أحد يريد استيعاب وتقدير الوقع الجديد، الذي يوماً عن يوم بدأ بالتبلور بوضح وقوة، وأن كل المؤشرات تدل على أنه ليس هنالك رجعه في ذلك.


بل ويمكن القول، أن الغرب لم يعي بعد لأمر هام جداً، وهو أن في عصر العولمة، الذي هو عنصر حاسم فيه، وسرعة نقل المعلومات والاتصال والتأثيرات المتبادلة، لم يعد مجتمعا أحادي التركيبة الثقافية والدينية، بمعنى أن الثقافة والديانة المسيحية، التي أصلا بزغت أول معالمها في أرض العرب، فلسطين، لم تعد هي الثقافة والديانة الوحيدة الفاعلة داخل الإطار الجغرافي الغربي، وأن هنالك توسعا ومشاركة متزايدة للثقافات وللديانات الأخرى، وبالتحديد الإسلامية، تفوق باقي الديانات المتناثرة هنا وهناك. هذا الوضع الجديد يفرض التعامل مع أتباع هذه الديانة من خلال سلوكيات اكثر عقلانية وتحضر. لقد حان للغرب أن يعي بأن العالم كافة وبلادة خاصة ليس فقط أرض الثقافة الغربية والديانة المسيحية، التي هي جزء متواصل مع الإسلامية، بل أن هنالك بلورة لديانة أخرى لها من التأثير والتواجد ما يضاهي ويمكن أن يفوق غيرها من الديانات المتداولة. كذلك، عليه أن يستوعب فكرة أن على أرضة ينمو ويتطور جيل عربي-مسلم ينتظر أن يكون له دور إيجابي فعال، أن فسح له المجال وقدر حق قدره، مثل ما حصل في بلاد اجداده مع من لم يكن يشاركونهم نفس المعتقدات، لكن تربوا معهم بوطنهم ونطقوا بلغتهم وطورا معهم بلادهم. هذا الجيل الجديد سيطالب بحق احترام المعتقدات التي ورثها عن أبائه وأجداده، وسيربط دوره بنوعية ومقدار هذا الاحترام والتقدير الذي يناله ويستحقه.
إن كان العربي ـ المسلم قد تأثر سابقاُ بكل الناتج الثقافي والديني الغربي، فقد حان للغرب ان يعي من جانبه بأنه في عالم متداخل ومنفتح، وأنه قد جائه الدور ليتأثر بمن حاول وبكل السبل التأثير عليهم. حقاً هذا هو التفاعل المتبادل الذي ينتظر عالم المستقبل.


أن المفاهيم التي هيمنت حتى زمناً قريب لن تكون قريباً هي السائدة في كافة المجتمعات البشرية المنفتحة فيما بينها. لقد تأثر العربي-المسلم عندما قبل بكثير من المفاهيم والمبادئ الغربية، وقد حان للغربي، كان هذا ذا معتقدات دينية ام لم يكن، أن يقدر المفاهيم والمبادئ الإسلامية حق قدرها، خاصة وأن درجة التقارب ووتيرة الاندماج المتبادل في حالة تصاعد أفقي وسطحي.
في الثقافة الغربية تعود الجميع التعامل مع المعتقدات الدينية بشكل يسمح التطرق لها بالشكل الذي يعتبر مناسبا. فمن كان يريد أن يعبر عن تقديس وتقدير للفكر الديني فلا يمنعه في الشأن أحد. كما يقال، الكل يملك كامل الحرية. ومن كان يريد أن يعبر عن رفضة أو سخريته من الدين ومؤسساته فلا هاجس ولا مانع له. في كافة وسائل الأعلام تلاحظ هذه الظاهرة، فهنالك من يمدح ويبالغ في المدح وهنالك من يقدح ويبالغ في القدح، وبين هذا وذاك هنالك من يلتزم الصمت موافقا، معارضاً أو غير مكترث. كون هذا حقا مقبولا غربياً، لا يعني أن يكون مقبول كونياً، عربياً وإسلاميا. مفهوم هيمنة فكر معين على باقي الأفكار أمر مستبعد ومرفوض. ما هو وارد فعلاً هو الاحترام المتبادل القائم على المنفعة العامة المشتركة وليس على الحرية الخاصة المطلقة.
هنالك من يقدس، في الغرب والشرق، حرية الرأي والتعبير على حساب المتعقدات الدينية. هذا شأن خاص، وليس من الضروري أن يكون مقبولاً من كل الفئات المكونة لمجتمع ما، خاصة من قبل تلك المجموعات التي معتقداتها الدينية لها قوة تأثير بالغة على النفس. يجب تقدير ذلك ووضعه دائماً بعين الاعتبار.
السلوك القائم على فكرة الحق المطلق في القول والفعل والنابع من فكرة سموا مبدأ حرية الرأي والتعبير، يمكن أن لا يقول مقبولاً بشكل عام بحكم عدم أهميته للجميع، مسلمين كانوا أو حتى مسيحيين، ولأنه يعطي حقا زائدا لمن يستهوي التجاوز المفرط والمسيء للمتعقدات الدينية التي تشكل جوهر التركيبة العقلية والوجدانية الخاصة. باسم هذا المبدأ وتحت غطائه لا يمكن، كما هو حاصل في الغرب ضد الإسلام والمسلمين، أن تطلق كل حملات القذف والتشهير، ولا أن يستعمل هذا المبدأ من قبل كل من يريد فقط التهكم والتهجم على الغير.
من يتصرف بهذا الشكل لا يضع في الحسبان وجود مبدأ آخر يوازي مبدأ حرية الرأي والتعبير في القيمة والأهمية، الا وهو المبدأ القائل بأن 'الحق الخاص ينتهي عن بدأ حق الغير والعام'. هذا المبدأ، المقبول به إسلامياُ ومسيحياً، يقدم كمبدأ مانع للضرر وجامح لكل من تساوره نفسه استغلال حقوقه بشكل سيء يحدث الوقيعة داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المختلفة، كما هو جار حالياً بسبب عرض الفلم المسيء لأهم المعتقدات والرموز الإسلامية.