الفاضل الخياط .. مايشبه المرثاة..غاب عن بغداد ولكنه يعود سرا عبر جمهوريته الفاضلة
&قاسم موزان
خماسية مفارقة ،شكلت شخصيته العامة في الاوساط الثقافية والشعبية و السياسية، قبعته الافرنجية التي تسيم على وجهه انعكاسات سفراته في الاصقاع الروسية، نظارته المعلقة بخيط رفيع يكاد ينقطع من فرط الاستخدام وطول الاناة،عكازته الغليظة التي تهمي طارقة في أزقة شارع الرشيد، حركة يديه التي لاتتوقف اثناء حديثه وأناقته الشديدة وهو في اوج عوزه وخواء معدته.
لم يستطع أحد ان يحدد على وجه اليقين والدقة بقاء الفيلسوف البغدادي الشعبي على قيد الحياة من عدمه، لسبب وحيد انه غاب فجأة عن مقاهي بغداد ثم اطال الغياب، ومن الصعب ان يتخيل احد ان فاضلا لايعود اذا كانت غيبة قصيرة حقا .
***
ما زال الغموض يلف تلك الشخصية التي اقتربت كثيرا من الاساطير المحلية والالغاز في زمن كان اصعب عليه من ان يمنحه شيئا من عطايا التغيير او هو يجزي عطاءه الفكري والسياسي بعد رحلة عذاب طويلة من اعتقال وشقاء مرير، الا ان الوجوه نفسها وغيرها في المقاهي الثقافية في بغداد اصرت على موقفها منه ولم تنصفه أو تلتفت الى حاجته الصامتة ولم يعرها اهتماما وشاكس الكثير منهم بطروحاته الجريئة.
كان الكثير يهرب من المقهى حين يدخلها في السابق خشية سماع تصريحاته وافكاره الموجهة دائما صوب سياسات النظام المستبد.
بعد الزلزال النيساني( على وصف صديقه الظليم الآخر ناظم السعود) اعتاد فاضل عباس الخياط على الجلوس بمقهى الشاهبندر في شارع المتنبي مثل سياسي خطفته الفلسفة ومثل فيلسوف خطفه الادب ثم ضيّع الجميع في خلطة جديدة يراد استعادتها عبر التفاصيل المرة واقبية التعذيب الرهيبة التي صنعته على هذا الشكل،يجلس بتواضع وشموخ ووزنه الثقيل على اريكة كبيرة وبجانبه حقيبة منتفخة باوراق مستنسخة يوزعها بين روادها بانتقائية صريحة، يدون فيها ارائه وتصوراته ولا يكتفي عند تسلميها لشخص ما بل يقوم بشرح واف ومفرط لها ويهزأ بصمت وعلانية او بكليهما من مثقفين محسوبين او مروجين للسلطة المغادرة الى تيهها البعيد.
***
لاحقته اجهزة الامن حتى غادر بغداد الى الاتحاد السوفييتي( آنذاك) ودرس علم النفس الاجتماعي والصحافة وأتقن اللغة الروسية بطلاقة، قال كلا( لصدام) وهو في اوج جبروته وطغيانه، فيما لم يجرؤ رجل على قولها ولو همس في أذن جدار اصم.
رشح نفسه ضد الطاغية في انتخابات اقترحها صدام نفسه لكسب شرعية زائفة فانتهى به الامر في اقرب مصحة نفسية. كتب عنه مثقف عراقي معروف بوجع عن مأساته ونضاله ضد الطاغية الاعمى قائلا:
(ومن جولاته الكفاحية ان النظام المباد اعاده إلى محجر الرشاد لمدة ثلاث سنوات (1997) بتهمة التهجم لانه طالب الطاغية في عنفوان طغيانه بالاستقالة من خلال رسالة ابرز فيها عدم آهليته لقيادة البلاد وارسلها مباشرة إلى ديوان رئاسة الجمهورية ومثل هذا الامر لا يصدق وقوعه في العراق حتى هذه اللحظة ولكن الخياط سبق ازلام امن الكاظمية بالقبض الفوري عليه باستنساخ رسالته عشرات المرات وتوزيعها بين رواد مقهى الشاهبندر وقد تسلم الرسالة ادباء ومثقفون في حيرة تبعث بهم على الرعب والسخرية المرة العميقة وتنتابهم فكرة الهرب من المقهى)
كنت استمع اليه باصغاء تام ويمتلكني شعور جارف بقوته حين صارع الاعصار والكثير نكس رأسه، يهتم بمن يناقشه في افكاره وطروحاته وتعتريه نشوة غامرة حين يكتب صحفي عنه او ينتزع منه اعجابا منه، او يتناول سيرته النضالية في زمن تزاحم فيه ( المناضلون!!) على أبواب المسؤولين لنيل شهادة موهومة استعدادا لتبوئ منصب يغير حياته من حال لآخر.
اطلق على نفسه صفة المفكر تارة والفيلسوف تارة اخرى وكتب مخطوطته المهملة " جمهورية فاضل العادلة" يقول الخياط "المفكر هو موسوعي الثقافة وله في كل علم باقة ورصيد يكفيه للنقد ومفلسف للتاريخ ,هاضم للتجارب التي عاشها ودرسها ومن هنا يخرج جديده، من اقواله التي مازلت ارددها في المحافل" الحوار لغة المتحضرين" و الفكر الذي ينتج الطغاة لاينبغي تبنيه" بمقولته الاخيرة، لخص الحقب الزمنية للدكتاتوريات المتعاقبة على حكم العراق بآيدلوجيات مختلفة وشعارات جوفاء خالية من الفحوى الا انها امدت الدكتاتور باسباب بقائه وديمومة لسلطاته المطلقة , فضلا عن تكبيل الحريات التي من شأنها الاستحواذ على سدة الحكم .
على سعتها ضاقت به سبل العيش وسكن في فندق بائس في ميدان بغداد ولم يغادر هوايته المحببة في بث وارسال افكاره عبر استنساخها على ورق بخط جميل الا انها لم تجد صداها في عالم في شغل عنه، طرق ابواب كثيرة لرد اعتباره والحصول على راتب تقاعدي الا ان محاولاته باءت بالفشل غير يعدها نصرا له لانه مؤمن بعدالة قضيته وهذا يكفي من وجهة نظره وكشف زيف المسؤولين الجدد.. غاب ايام تلتها اخرى وتضاربت الاخبارعن مصيره ولايزال غائبا حتى لحظة كتابة سيرته المفعمة بالأمل .غاب الخياط وربما عاد سرا عبر جمهوريته الفاضلة.
&














التعليقات