قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مطاع صفدي

واضح انه ليس في السياسة ثمة تيار طامح إلى الهيمنة إلا وتصحبه موجة إرعاب وإرهاب، هادفة إلى تعطيل عمل العقل بقدر معين، وإيقاد بدائل الغرائز والانفعالات المباشرة لدى الكتل الجماهيرية الكبيرة والصغيرة. ما يقال عن فنون الحرب النفسية، وفتوحاتها المجيدة، خاصة في العصر الراهن، قد تبلغ قمة براهينها على أطروحاتها التعبوية مع إعلان أمريكا (بوش) الحرب العالمية على الإرهاب. فهل هذا الإعلان لا زال ساري المفعول بعد رحيل بوش، وتولية أوباما لعرش الإمبراطورية الآفلة. كان هذه الحرب كانت لها بداية ولن تكون لها نهاية. فلم يخض أوباما معارك أساسية طيلة سنوات حكمه المديدة ضد نشاطات إرهابية، سوى بعض البيانات الدبلوماسية الموقوتة بظروف طارئة في ساحات المشرق تحديداً.


هل ظهور داعش سوف يشكل دافعاً أو تبريراً فاصلاً لكي يجدد أوباما الإعلان البوشي القديم لنوع «الحرب العالمية» ضد الإرهاب. فالتعبئة الدولية والإقليمية للحرب إعلامياً، تبلغ درجات متصاعدة. هذا التصعيد الصوتي واللفظوي هل سيحتّم فرضَ المقدمات الضرورية لتدابير حاسمة على الأرض، أم انه سيقوم بوظيفة التغطية على فراغ الواقع من أية أفعال جدية. هل سيعمد أوباما إلى مسرحة الحدث المنتظر تمثيلياً بدلاً من تحقيقه مادياً، كعادته القديمة إزاء كل تحد مفصلي كبير عانته كوارث المشرق مع ثوراته المجهضة، وخاصة منها كارثة الثورة السورية، التي مارس عبرها أوباما كل الجوانب الخفية المشبوهة من مذهبه في ثقافة اللاعنف كشعار دعاوي، قد يعني كل ما يضاده على الصعيد العملي. كما كشفه أحد الصحافيين النابهين في كتاب صادر منذ أشهر قليلة في أمريكا، مثيراً ضجة مكبوتة بتحقيقاته الموثقة حول أعمال القتل الفردية والجماعية التي يرتكبها جهاز سري تابع مباشرة للبيت الأبيض، وقد تكفل هذا الجهاز باغتيالات سرية في أفغانستان وباكستان. فهناك آلاف من أمثال هذه الضحايا ومن قضت عليهم الطائرات بدون طيار في هذين البلدين وفي اليمن. كل هذا العنف الدموي يناهض الفلسفة المعلنة عن تجنب الحروب، لكن ما تجنّب عنها حتى الان هي غزوات الجيوش المعلنة، وأما الإبادة السرية، فلها فلسفتُها الخاصة وطقوسُها، وأجهزتُها (الرئاسية) المعدّة والعاملة في الخفاء عن مؤسسات الدولة الدستورية؛ هذا إلى جانب أخطبوط الاستخبارات المتشعب بأذرعه ونشاطاته المتغلغلة خاصة في مجتمعاتنا العربية ومؤسساتها ليس السياسية فحسب، بل الإعلامية والثقافية والإقتصادية فان أوباما ليس من سلالة زعيم سياسة اللاعنف غاندي. وما تسميه وزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون، بالسياسة الذكية، تحققها الممارسة الأوبامية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، والشروع في تدمير الكيان التنظيمي والعقائدي للثورة السورية ما ان اتضح إمكان نجاحها السريع منذ أشهرها السلمية الأولى، والخوف من انقلاب ميزان القوى مع إسرائيل خاصة. فكان على أوباما ان يقدم شواهده المخزية من أساليب التلاعب بمصائر الثورة من وراء ظهرها، وفي كل منعطف من تطوراتها الواعدة.


أخيراً مع استنزاف العنف (الثوري) والمضاد لمعظم جولاته التي أمست شبه عادية وعقيمة بدون نتائج حاسمة، فاجأ داعش الجميع بمذهب الهمجية القروسطية المطلقة. فما حيلة أوباما إذن وهو يشاهد قطع رأس الصحافي الأمريكي المسكين، هل يمكنه ألا يفهم، مثلما فهم مجتمعه والعالم أجمع، ان ذلك المشهد الفظيع مُصمَّم أصلاً على استهداف صميم الكرامة الأمريكية، وانه يشكل قمة التحدي لشخص الرئيس بالذات ومذهبه المعلن عن اللاعنف. كان لسان حال المجتمع الدولي أمسى يتساءل: كيف يمكن التغلب على قُطّاع الرؤوس إلا بقطع رؤوسهم؟ فالعالم يكاد يدخل الحرب الكونية على الإرهاب دون ان ينتظر حتى الإعلان عنها من قِبل من سيكون قَائدها في البيت الأبيض، لكن أوباما لن يسير إلى ميادين هذه الحرب القادمة وحيداً، يريد ان يورط معظم العالم معه. بدءاً من الدول العربية نفسها، المتهمة في معظمها بالتنشئة التربوية والرعوية لكل حركات العنف السابقة والمواكبة لداعش وزملائه، وبدءاً من داعش نفسه.
أقطاب الغرب من قادة فرنسا وبريطانيا، ومن مجمل الطبقة السياسية الأمريكية، هؤلاء في معظمهم لم يعودوا يخفون آراءهم السلبية في السياسة الخارجية لأوباما. حتى ان الرئيس الفرنسي أعلنها في تصريحه الإعلامي المباشر محملاً مسؤولية الظاهرة الداعشية لترددات سياسة البيت الأبيض حيال منعطفات ثورة سورية. هؤلاء جميعاً يعتبرون ان دبلوماسية أوباما عملت بكل طاقتها في سورية على طرح العملة الزائفة من المعارضة لتطرد العملة الصحيحة؛ فلم تكن أفعال تلك الدبلوماسية تائهة أو مترددة، كما تتبدَّى مظاهُرها الإعلامية. هنالك خطة محكمة تتبع مبدأ ان تُظهر مالا تُبطن وان تبطن مالا تظهر. والخافي في الثورة السورية هو تحويلها إلى مقتلة كبرى لها ولشعبها. حتى إذا ما يئس الجمهور من أساليبها المتعثرة في الوقت الذي ينجو النظام، عدوّها من معظم الهاويات التي كانت بانتظاره، لم يتبق أمام شبابها الغاضبين والمفعمين حقداً وكراهية ضد استبداد السلطة وأفعالها المنكرة. سوى الالتحاق بأشد المحاور عنفاً وإيماناً أعمى بعقيدة الدم وحدها.


هؤلاء القادة الغربيون الذين مشوا وراء عصا الأوكسترا بيد قائدها الأسمر أوباما يعلمون في سرهم وعلنهم ان داعش لم تولد هكذا من فراغ ما إلا وكانت أشباح الأغراب، من أمريكيين وسواهم من بعض العرب، لاعبة أُولى في دهاليزه المظلمة. فالمسؤولية عن داعش وتطوراتها المحتملة القادمة من الأخطار الإقليمية والدولية اللامعقولة، لن يمكن بعد اليوم حصرها في نطاق الجغرافية العربية، وان نظرية البدائل بالإسلاميات المعتدلة كتغطية لإجهاض ثورات الربيع الديمقراطية، قد أثبتت تهافتها مع اندحار موجات «الأَخْوَنة. انطلاقاً من مصر، ومتابعةً في ليبيا واليمن وتونس، بل ان البديل شبه المحتوم عن ولادة الديمقراطية العربية الحقيقية، هو هذه الفوضى الهائلة من همجيات القرون الأولى التي أصابت حتى الان أقطاراً كثيرة، ولسوف يأتي الدور على البقية مهما تعددت وسائل المكافحة المصطنعة من مثل شعار الحرب العالمية على الإرهاب. فهذه الموجة المشؤومة التي كان فرضها بوش الصغير على المجتمع الدولي، والمنطقة العربية بصورة خاصة، لم تحصد كنتائج فعلية سوى تلك النقلة الرهيبة من نوع الإرهاب الفئوي المحدود، إلى هذا النوع الراهن من الإرهاب الجذري المزود بالجيوش الجرارة والأسلحة الميدانية، والقادرة كذلك على انشاء دولة خلافة إسلاموية.
فما هو التغيير القسري الذي سيصيب مفهوم الحرب العالمية على الإرهاب، ان لم يكن تعديلاً شمولياً في طبيعة هذا المفهوم وفي وسائله، هل سيكون عليه ان ينتقل من ذلك الطور الأمني في مكافحة حركات فئوية محدودة، إلى مرحلة مقاتلةِ جيوشٍ ضد جيوش. وهل سيكون على أوباما نفسه، وهو في نهايات رئاسته، ان يتبوأ منصب القائد الأعلى لما سيشبه حرباً عالمية ثالثة! أليست هذه النهاية لمذهب اللاعنف في السياسة الدولية، لتصبحَ الحرب الشاملة، هي النتيجة المحتمة لسياسة طمر الرؤوس في رمال الصحراء لكي لا ترى عيون القيادات عواصف الرمال الزاحفة نحوها بعزم وثبات منقطع النظير.


لكن قبل حلول هذه المصائر الكئيبة تعلو أصوات زعماء وقادة ومفكرين في ضفتيْ الأطلسي من أوروبا إلى أمريكا تطالب أوباما بالعودة السريعة إلى ساحة المفاصل الأساسية لكل هذه الكوارث الواقعة أو المتوقعة. لم يعد يجدي أوباما الدفاع أو حماية النظام السوري تحت شتى ألاعيب المسرحة الدبلوماسية المكشوفة. فمن أجل إبعاد نار الثورة عن وكر الأفاعي، تُرك لهذه الأفاعي ان تخرج من جحورها وان تسرح وتمرح في ساحات المشرق كله.


الجميع يشيرون إلى الوكر المظلم المفّرخ لمصائب المنطقة.. والكل هنا في الغرب، وليس في المشرق وحده، يعتقد ان الربيع العربي قد أُغلقت كل أبوابه منذ ان أُغلقت بوابتُه الرئيسية ما بين دمشق وبغداد. فإذا كان ثمة من وسيلة للخلاص من داعش، وكل داعش آتية، فلن تكون سوى إشادة تجربة واحدة ناجحة على الأقل لما يسمى بالديمقراطية العربية الحقيقية. فهي الدولة الموكول إليها وحدها ان تستعيد معاني دولة الخلافة الأصلية، حيثما كانت الحقيقة والعدالة تهلان دائماً من عيون الصحابة الراشدين، وتبنيان صروح المؤسسات العامة، وترعيان قوانين الحرية والمساواة الطبيعية بين الأفراد والشعوب. لكن أية ديمقراطية في هذا الليل المُدْلهمّ ان لم تنهدم قلاع الاستبداد على رؤوس طغاتها، من عمق هذا المشرق أولاً. تلك هي حقيقة بسيطة يعرفها أوباما منذ ان قرر الإجهاز على الثورة السورية. لكنه اليوم لن يعرف كيف سيتردد رأسه بين حقائقها الواضحة وظلالها الزائفة. أيامه، بل ساعاته القادمة هي الفاصلة.