سمير عطا الله

عدت إلى بيروت بعد غياب أكثر من عام. أسعدني أن أرى أشياء لم تتغير. أفقت في الصباح فوجدت الشمس مشرقة في عز الشتاء، وبيروت تلمع إلى جانب صفوة المتوسط الأزرق. وتطلعت صوب الجبال فوجدت رؤوسها بيضاء بالثلوج، وأواسطها خضراء بالشجر. وخرجت أمشي في الحي، فوجدتني أتلقّى من تحيات الذين لا أعرفهم، أكثر من الذين أعرفهم.


ثم عدت إلى البيت لأتناول القهوة مع قراءة الصحف. وأيضا وجدت أن شيئا لم يتغير. لا عناوين الصفحات الأولى ولا أخبار الصفحات الداخلية. بلد بلا رئيس وبخمسين رأسا. زحمة السير كما تركتها وأسوأ قليلا. الاقتصاد متجمد وأسوأ قليلا. وإذ أطل على المطار الذي كان بوابة الشرق، أجده كأنه مطار بلدة بعيدة مهجورة، لا تهبط فيه سوى طائرات الأهل وزوار الإجازات.


الجمالات التي لا يغيرها شيء في لبنان هي الطبيعة، والبشاعات التي لا يغيرها شيء هي السياسة، وما من جمال أجمل، وما من بشاعة أكثر بشاعة. تدور الأرض وتعود مقتنعا بأن ثمة أشياء لا شبه لها في الخارج: الطبيعة والناس والكياسة واللياقة والدفء والكرم. ويقول لك ذلك أيضا أصدقاؤك العرب، وليس فقط مواطنوك. بل هم أكثر حماساً وأكثر تعلقا بميزات لبنان وشعبه.


ثم تقرأ الصحف أو تسمع الأخبار أو تسمع تصريحات السياسيين. ثم يتبين لك أن في أسبوعين وصل إلى بيروت مبعوث روسي، ومبعوث فرنسي، ومبعوث إيراني، ليساعدوا اللبنانيين في انتخاب، أو اختيار رئيس لجمهوريتهم. لم يتغير شيء. لقد عشنا هذه المرحلة منذ 1976 على الأقل عندما انتخب الرئيس إلياس سركيس تحت الرصاص خارج البرلمان. وانتخب الرئيس رينيه معوض في مطار عسكري ناءٍ، ثم اغتيل بعد أقل من شهرين. وانتخب الرئيس إلياس الهراوي في مطار عسكري آخر.


استطابت بيروت إلى عقود دور مدينة الخدمات: سياحة وسباحة واصطياف وما إلى ذلك. ثم أصبحت مدينة خدمات إعلامية، بما فيها إعلانات «كيم إيل سونغ، الزعيم المبجل لأربعين مليون كوري». ثم اختلطت السياحة بالإعلام، بالسياسة، بالحروب. ولم يعد هناك مكان للبنان الماضي، ولا للبنان للبنانيين. لقد وجهوا الدعوة إلى الجميع لمشاركتهم في كل شيء. وممن تحدثوا عن بطولاتهم في لبنان كان السيد الأخ عبد السلام جلود، الذي روى لـ«العربية» كيف ترك شؤون ليبيا وأمضى ستة أشهر يحاول تسوية الأوضاع في لبنان. ولا نعرف أين هو الأخ الرائد عبد السلام اليوم، لكن ليته يبذل شيئا من محاولاته لتسوية الأوضاع في ليبيا. جميعنا ندفع أثمان العصور الجماهيرية.