الياس حرفوش
&
مهما حاولنا التخفيف من خطورة ما تعيشه فرنسا هذه الأيام، ومعها القارة الأوروبية كلها، فإن تطورات ما يجري تؤكد لنا أنه في مستوى الحدث التاريخي الذي سيترك ذيولاً خطرة على نموذج هذه القارة وعلى علاقاتها مع الأقلية المسلمة التي تعيش في دولها.
&
النواب يقفون معاً لينشدوا «المارسييز» في الجمعية الوطنية الفرنسية لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. حشد ضخم من الجماهير في شوارع باريس وصلت تقديراته إلى ثلاثة ملايين، لا يذكر كثيرون أن عاصمة فرنسا عرفت مثله حتى في يوم تحريرها من الاحتلال النازي. التفاف غربي وعالمي لا مثيل له حول رئيس فرنسي كان حتى الأمس القريب محل استهزاء يستحقه، من أكثرية مواطنيه ومن شريكة حياته كما من كثيرين من قادة العالم ومن رأيه العام. مجلة مغمورة ترتفع مبيعاتها بين ليلة وأخرى من خمسين ألف نسخة الى ما يتجاوز خمسة ملايين. ماذا يعني كل هذا؟
&
ما شاهدناه في شوارع باريس نهار الأحد الماضي ليس أقل من ثورة. إنها ثورة لاستعادة ما يظن الفرنسيون وما يخشون، ومعهم أكثر المتظاهرين من دول أخرى، أنهم على وشك أن يخسروه من مكاسب حققتها لهم ثورتهم الأولى قبل قرنين وربع قرن. هذه المكاسب هي الجدران الأربعة التي تحيط بالجمهورية الفرنسية وتحميها، أي حرية الفرد والمساواة والأخوّة بين كل المواطنين، يضاف إليها مبدأ صار مقدساً في فرنسا، وهي تبالغ في تقديسه بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى، وهو مبدأ العلمانية، أي الابتعاد الكامل للدولة عن الدين وقيمه، وهو ابتعاد يأخذ أحياناً كثيرة أشكالاً تتجاوز الحياد عن الأديان إلى حدود العداء والاستهزاء، كما ظهر بوضوح من خلال رسوم مجلة «شارلي إيبدو» التي اعتبرها مسلمون كثيرون، وربما ليبراليون ومتدينون من أديان أخرى أيضاً، رسوماً مسيئة، لكن الذين دافعوا عنها في مؤسسات الحكم والثقافة والصحافة في فرنسا، وجدوها تعبيراً حقيقياً عن مفهوم العلمانية كما يراها هؤلاء، علمانية مستفزّة، تصل إلى حد إهانة من لا يتفقون معها، ليس من المسلمين فقط، بل من مقدسات الأديان الأخرى أيضاً. في هذا المجال، يمكن مثلاً وضع القانون الفرنسي الذي انفردت به فرنسا بين كل الدول الغربية، بمنع إظهار النقاب والصليب والقبعة اليهودية.
&
في هذا الإطار يفترض أن توضع وتُفهم هذه الهبّة الجماهيرية الحاشدة، فهي ليست دفاعاً عن مجلة لم يكن يقبِل على شرائها إلا هواة هذا النوع من الفن الساخر، بل هي دفاع عن مبادئ وقيم يخشى الفرنسيون أن يخسروها على يد من يعتبرونهم من غير المؤمنين بها. ومن الخطأ هنا أن يرى المسلمون في فرنسا أنهم وحدهم المستهدفون في هذه المواجهة. فـ «الجبهة الوطنية»، وهي حزب أكثرية أعضائه من المسيحيين، هي أيضاً مستهدفة من قبل الطبقة السياسية الفرنسية، التي تستعد دائماً لمواجهتها والالتفاف ضدها لمنعها من الانقضاض على السلطة، وذلك على الرغم من الخلافات الكبيرة داخل هذه الطبقة السياسية. والسبب أن «الجبهة الوطنية» تمثل فكراً عنصرياً تتناقض أهدافه مع قيم الحرية والمساواة التي تحرص على الحفاظ عليها أكثرية الفرنسيين.
&
غير أن الأزمة التي تواجه السياسيين الفرنسيين اليوم، أنهم في حملتهم للحفاظ على ما يسمّونها «قيم الجمهورية»، أصبحوا مضطرين للجوء إلى إجراءات أمنية وقوانين متشددة، ستكون نتيجتها الحد من الحريات ومن مبدأ المساواة بين المواطنين. مأزق فرنسا، ومثلها دول أوروبية أخرى، أن مواجهة النشاط الإرهابي على أراضيها، الذي اتضح أنه يدار ويموّل من تنظيمات إرهابية متطرفة، مثل «القاعدة في جزيرة العرب» و «داعش»، لم تعد ممكنة بالوسائل الديموقراطية، مثل عمليات الاقتراع والتصويت والاستفتاء التي كانت تنظّم عمل المؤسسات. والخوف والخطر أن الإجراءات الجديدة لن تقضي فقط على الصورة التي شاءتها فرنسا وأوروبا لنفسها كمشروع حضاري في التسامح والتعدد، بل يمكن أن تقضي كذلك على الفرص التي أتاحها هذا المشروع للمهاجرين، ومعظمهم مسلمون، في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. بهذا يكون المسلمون قد دفعوا الثمن مرتين، مرة على يد التنظيمات الإرهابية التي تفرض نفسها كمتحدثة باسمهم ومدافعة عن حقوقهم، ومرة أخرى من خلال تحميلهم مسؤولية الجرائم التي ترتكبها هذه التنظيمات.