&لم تكد الساحة الداخلية تلملم جراحها إثر انفجاري برج البراجنة اللذين أعادا المشهد الدموي الى الأذهان بعد مرحلة من الاستقرار الأمني النسبي، حتى إنشغل اللبنانيون بمتابعة المشهد الباريسي الدامي الذي تلقى ضربة موجعة من الارهاب أوقعت ١٢٩ قتيلاً واكثر من ٢٠٠ جريح وفق ما اعلن المدعي العام الفرنسي امس.

وهذه الضربة التي تأتي على مسافة يوم من انفجاري برج البراجنة، إستعادت هاجس الارهاب الذي يضرب ليس فقط في العمق اللبناني المجاور للساحة السورية بل في الامتداد الغربي الذي منه يتشكل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم " داعش" الذي تبنى عمليتي بيروت وباريس على السواء، الامر الذي من شأنه أن يفتح صفحة جديدة في المقاربة الدولية لموضوع الارهاب وآليات التعاطي معه ومع هذا التنظيم ومع الوضع السوري حيث يتجلى النفوذ الداعشي بشكل واسع. وقد تجلى ذلك في الموقف الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في أول تعليق له على الهجمات عندما أعلن أنها حرب من دون هوادة ضد الارهاب، وردود الفعل الدولية التي أعلنت التضامن والتعاطف والتأكيد على التنسيق والتعاون الدوليين من اجل تعزيز الجهود والإمكانات لمكافحة ظاهرة الارهاب والتطرف التي باتت تهدد الامن الدولي.
وفي حين شهدت دول أوروبا إستنفارا شديدا حيث تم تشديد الإجراءات الأمنية الاحترازية في الداخل كما على الحدود، برزت بعض المخاوف في الاوساط اللبنانية من جراء تردد معلومات عن توجه فرنسي لوقف العمل بتأشيرة " الشنغن" التي تتيح لحامليها الدخول الى فرنسا كما الى دول الاتحاد الأوروبي. لكنه لم يصدر أي موقف رسمي فرنسي يؤكد أو ينفي هذ المعلومات، وينتظر ان يتبلور هذا الامر إعتبارا من يوم غد.


ميدانياً، خرق الإنجاز الأمني لفرع المعلومات الجمود المسيطر على الساحة الداخلية، بعدما تقدم الهاجس الأمني على كل الملفات السياسية الأخرى إن على ضفة العمل التشريعي او على ضفة الحكومة. فقد توصلت شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي الى تحديد هوية احد انتحاري الانفجار الأول وهو سوري مقيم في لبنان منذ فترة، فيما يجري التحقيق في هوية الانتحاري الثاني الذي تشير التحقيقات بأنه سوري أيضاً. وقد أعلن المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود ان الشعبة تمكنت من التعرف على الشبكة التي ضمت الانتحاريين ، كاشفا عن توقيف عدد من الأشخاص وبنتيجة التحقيق معهم، تم التعرف على هوية احد الانتحاريين.
وفي هذا السياق، خرج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ليعلن موقف الحزب وقراءته للإنفجارين اللذين إستهدفا برج البراجنة. وقد بدا لافتا حرصه على وأد أي خطاب طائفي او مذهبي من شأنه أن يزكي الفتنة السنية الشيعية محذرا " الداخلين على الخط" لإذكاء الفتنة .
وبدا واضحا من الشق المتعلق بالشأن الفلسطيني حرص نصر الله على تحييد الفلسطينيين عن أي إتهام يمكن ان يستدرج المخيمات الفلسطينية الى مواجهة مع الحزب. والأمر كذلك إنسحب على الطائفة السنية التي سعى نصر الله كذلك الى تنزيهها وتنزيه قياداتها السياسية والروحية.
ولم يفت نصر الله ان ينوه بجهود الأجهزة الأمنية ولا سيما شعبة المعلومات التي نجحت في الكشف بسرعة عن الشبكة المتورطة، مشيدا بالتعاون الحاصل مع أجهزة الحزب والذي أدى الى الكشف عن الشبكة المتورطة، واصفا الامر ب" الإنجاز الذي صان الداخل من الانهيار نحو الهاوية".


وكان نصر الله حدد في كلمته المتلفزة أهداف التفجير بإثارة الفتنة والضغط على المقاومة، مشيرا الى ان "الفتنة تخدم مشروع الإرهابيين والتكفيريين، لأن مشروعهم تدمير الأوطان والمجتمعات ويصرون على دفع لبنان الى الهاوية".
ورفض نصر الله تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن " جرائم ارتكبها آخرون" كاشفاً انه لم يظهر بين المتورطين الموقوفين أي فلسطيني، وقال " انه حتى لو تواجد فلسطيني بين الانتحاريين، لا يوجد أي موقف ديني او أخلاقي او إنساني يدفع نحو تحميل المسؤولية للشعب الفلسطيني".
وفي السياق عينه، رفض نصر الله تحميل الطائفة السنية أي مسؤولية على خلفية ان الانتحاريين من الطائفة السنية وقال:" حتى لو تم اعتقال لبناني من طائفة معينة مثل الطائفة السنية أسأل كريمة في شبكة إرهابية فلا يمكن لأحد ان يتهم هذه الطائفة لأنها منزهة عن ذلك".
أما في الشأن السياسي، فدعا نصر الله الى الإفادة من الجو الإيجابي والتعاطف الوطني الكبير بعد الانفجار لتسوية وطنية شاملة تطال رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي وقانون الانتخاب"، لكنه استطرد مؤكدا ان هذه التسوية لا شأن لها بالمؤتمر التأسيسي".
وفي اول رد على كلام نصر الله، قال الرئيس سعد الحريري ان "درء الفتنة عن لبنان يحتاج الى قرارات مصيرية تجنب البلاد الذهاب الى الحروب المحيطة". ورأى ان البت بمصير الرئاسة هو المدخل السليم لتسوية تعيد إنتاج السلطة التنفيذية وقانون الانتخاب".