&دبلوماسيون ومسؤولون إقليميون يتساءلون: ما هو سر «التحشد الشعبي» والهتافات ضد الصهيونية وأمريكا في جنازة «أبو زيد»؟


بسام البدارين

لا يختلف مثقفون وسياسيون وإعلاميون أجانب مع نظراء لهم محليين في الأردن، وهم يصرون على فهم وقراءة مشهد جنازة رجل الأمن الأردني، منفذ الجريمة التي ارتكبت داخل مركز للتدريب الأمني شرق العاصمة عمان، قبل أكثر من ثلاثة أسابيع.


الجميع في عمان وخارجها تجاوز الحادثة نفسها على اعتبار أنها حصلت وأن مرتكبها، وهو ضابط أمني أصلا، تحرك في سياق دوافع نفسية واقتصادية، لكن لا يستطيع أحد من طارحي الأسئلة المعمقة حول ما عرف بحادثة «الموقر» الإدعاء اليوم بتجاوز مشهد الجنازة الشعبية التي نظمت تلقائيا شمال المملكة للضابط أنور أبو زيد، رغم ان السلطات اعتبرت عمله إرهابيا.


التدقيق في التفاصيل ذات البعد الأمني منوط بلجان التحقيق وقراءة ما بين الأسطر والوصول لاستنتاجات قانونية منوط بسلطات القضاء بعد إحالة ملف الحادثة لها.


لكن التدقيق المعمق بخلفيات الحادثة نفسها، وبما حصل بعدها تحديدا عند تشييع جثمان مرتكب العملية يطرح تساؤلات ذات «بعد سياسي» هذه المرة، تتخذ من مظاهر التشييع الشعبي للضابط المسؤول بعد مقتله منصة لإطلاق حزمة من الأسئلة المعلقة، والتي يحتاج الأردنيون، وحصريا في السلطة، أجوبة عليها قبل الآخرين.


في الخلوة التي أقامها مؤخرا وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، بحضور نخبة من المثقفين والمفكرين العرب والأجانب لتحليل آخر مستجدات ما يحصل في المنطقة، بدا واضحا ان شخصيات أجنبية مهتمة بالتعمق في مؤشرات الجنازة التي أقيمت لمرتكب حادثة الموقر وفقا لمعادلة متناقضة قوامها ان الشاب الذي قتل لاحقا في الحادثة نفسها حمل سلاحه الرشاش «غير الشرعي» واندفع يطلق الرصاص على مدربين أجانب وزملاء له في قاعدة رسمية أمنية.


النتيجة كانت صادمة حيث قتل أبو زيد قبل مقتله خمسة أشخاص ثلاثة منهم من المدربين الأجانب (أمريكيان وجنوب إفريقي) فيما جرح آخرين بالرصاص.
لاحقا وبعد استيعاب الحادثة التي صنفت شعبيا بأنها «داعشية» أثار مشهد تشييع جثمان أبو زيد قلقا بالغا في أوساط القرار الرسمي، حيث شارك في التشييع نحو خمسة آلاف مواطن، والأهم كانت الهتافات التي انطلقت في الأثناء ضد إسرائيل وأمريكا.


النقطة الأخيرة كانت مثارا للنقاش في غرفة الخلوة الخاصة بوزير الخارجية الإماراتي، كما علمت «القدس العربي» والمشاركين الأجانب طرحوا قبل غيرهم المفارقة على أساس ان الضحايا في العملية أمريكيون، وليس العكس فعلى أي أساس يهتف المشيعون بالجنازة ضد أمريكا؟
الهتاف ضد الولايات المتحدة عموما وبمناسبة ومن دونها سلوك طبيعي في بلد كالأردن، وخصوصا في الوسط الشعبي وأجواء التشييع على الأرجح تأثرت بما أعلنته عشيرة وعائلة أبو زيد وهي تتهم الولايات المتحدة بتصفيته جسديا.


في كل الأحوال لا يملك المسؤولون في الحكومة الأردنية جوابا على السؤال المتعلق بمظاهر الإحتفاء «الشعبي» برجل قتل أمريكيين، ورغم ان الاهتمام بتتبع الموضوع ومحاولة فهمه عبر حدود الأردن وطال المجتمع الدبلوماسي. ولاحقا السفارة الأمريكية إلا ان عمان الرسمية نفسها لا تملك جوابا حتى اللحظة وما زالت الأكثر قلقا لإن ما حصل بكل الأحوال يعكس «إخفاقا» لا يمكن إنكاره ليس فقط على صعيد خطاب التوعية والتعبئة الوطني الحكومي ضد التطرف والإرهاب.
ولكن أيضا ـ وهذا الأهم ـ على صعيد ضعف احتمالات بناء مصداقية للنص الرسمي في صفوف المجتمع والأخطر على صعيد حقيقة نوايا وزوايا التعاطف الشعبي مع التطرف.
المهم ان الدوائر السطحية في القرار الأردني تبذل جهدها لحصر وإنهاء الجدل حول حادثة الموقر عند حدود ترسيم وزير الداخلية سلامة حماد للحادثة، باعتبار دافعها الرئيسي هو الإحباط والحاجة الاقتصادية.
بالتوازي ترفض الدوائر العميقة التسليم بهذا الاستنتاج الذي يصلح للاستهلاك الإعلامي الجماهيري فقط، فدائرة التحقيقات والاستنتاجات العميقة لم تقف بعد والتدقيق مستمر.
والمفاجآت متعددة ومظاهر «التقصير» لا يمكن إخفاؤها ليس فقط لأن جنازة الضابط أبو زيد صدمت الجميع في طبقة القرار والمسؤولية. ولكن أيضا لأن الاستدلالات لم يعد من المناسب ولا المواتي مراوغتها وإخفاؤها، ولأن الحاجة ملحة اليوم لمعرفة مستوى استقرار «التشدد الديني» في كل بنية المجتمع وطبقة الموظفين الرسميين وتأثيره لاحقا في المجتمع.
لذلك يبدو التدقيق العميق مستمرا في عمان وتهتم دوائر أبعد مثل «خلوات أبوظبي» وأوساط الدبلوماسيين بقراءة الظاهرة لأسباب لا تقف فقط عند حدود حادثة الموقر نفسها ولا حتى عند حدود الأردن.
بسام البدارين