خليل علي حيدر

عشرات وربما مئات المواقع الأثرية الغنية في العراق وسوريا، باتت تحت رحمة تنظيم «داعش» الإرهابي ولصوصه. أهم وأجمل وأعرق ما في العالم العربي بات مهدداً بالضياع الأبدي، وقد يأتي الدور على آثار مصر وغيرها!

المعاول تحطم مقتنيات متاحف الموصل و«أصنامها» التاريخية، آثارها الحقيقية والبدائل «الجصية» التي قيل إنها وضعت في المتاحف. كل ما قيل ويقال من قبل بعض شيوخ الدين المستنكرين لمثل هذه الأعمال، منذ تدمير آثار «باميان» في أفغانستان، لا يلقى تجاوباً حقيقياً لدى الكثير من المسلمين عموماً، وقوى التشدد خصوصاً، ممن يصمون أرقى المنحوتات والتماثيل بأنها مجرد أصنام وأوثان.

&

ومن الفتاوى أن «التصوير والنحت لذوات الأرواح محرم، ولا يجوز للمسلم أن يبيع التماثيل أو يتجر فيها.. ولا شك أن في الاتجار فيها ترويجاً لها وإعانة على تصويرها ونصبها في البيوت والنوادي ونحوها. وإذا كان ذلك محرماً فالكسب من إنشائها وبيعها حرام لا يجوز للمسلم أن يعيش منه بأكل أو غيره. صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح فهي محرمة لا تجوز».

وقد وصف العراق فيلم تنظيم «داعش» بتدمير المتحف التاريخي في مدينة الموصل التي يسيطر عليها بأنه عمل ظلامي لعصابات إرهابية لا تأبه للحضارة والتاريخ. وقال رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري «إن هذه المجاميع الظلامية تثبت في كل يوم أنها عدو العراق بماضيه وحاضره ومستقبله». وظهر في التسجيل المصور الذي بثه تنظيم «داعش» متحدث يقف أمام مجسم أثري كبير، فيما يفترض أنه متحف نينوى الأثري، وأشار بيده إلى المجسم قائلاً: إن هذه أصنام وأوثان لأقوام في القرون السابقة كانت تعبد من دون الله». وأضاف أن «ما يسمى بالأشوريين والأكاديين وغيرهم، كانوا يتخذون آلهة للمطر وآلهة للزرع وأخرى للحرب يشركون بها بالله ويتقربون إليها بشتى أنواع القرابين». ويعتبر علماء ومتخصصون بالآثار متحف نينوى في مدينة الموصل العراقية من أهم متاحف العالم، حيث يحوي آلاف القطع الأثرية.

وكشفت مصادر محلية في محافظة نينوى أن مسلحي تنظيم «داعش» أحرقوا أكثر من ثمانية آلاف كتاب ومخطوطات نادرة تعود لعصور تاريخية مختلفة في مكتبة الموصل المركزية التي تعتبر إحدى أقدم المكتبات التاريخية في نينوى.

وثمة تصريحات لخبراء آثار أكدوا خلالها أن «داعش» أعلن الحرب على تراث سوريا الغني، وأنه بصدد «إزالة جميع أدلة التعددية الدينية». وحذرت التايمز «أن قوة التدمير لديهم رهيبة».

وأحصت منظمة الدفاع عن المعالم الأثرية 450 حالة تدمير مواقع أثرية في سوريا منذ بداية يوليو 2014، ولعلّ عدد حالات التدمير ارتفع كثيراً منذ ذلك الوقت، حيث بدأت عمليات تدمير المواقع الدينية منذ سبتمبر في مدينة حلب وكذا ريف دمشق. وبخلاف النسف والتدمير، تحولت آثار سوريا إلى تجارة رائجة عبر الحدود، حيث تشير الأرقام إلى أن قيمة الآثار المنهوبة وصلت إلى 2 مليار دولار.

وتعاني سوريا الغنية بالتاريخ والآثار من مأساة حقيقية، ذلك أن ميراثها الثقافي العظيم عرضة للتدمير على يد قوى لا ترحم. فمن جانب هناك التدمير الناجم عن الحرب الطاحنة بين النظام والثوار، وهناك من جانب ثان عمليات التدمير والسرقة التي يقوم بها تنظيم «داعش».

لقد كسبت «داعش» ملايين الدولارات جراء أعمال النهب التي قام بها، ومع استحواذ التنظيم على قطع أثرية يعود تاريخها إلى ثمانية آلاف سنة سيكون أكثر قدرة على مواصلة جرائمه. ولكن إن كان «داعش» مدركاً لحجم الثروة الممكن جمعها من بيع الآثار والتماثيل والمجسمات فلماذا يقوم بتحطيمها؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يحاصر نشاطات هذا التنظيم في سوق الآثار؟

هناك من يدعو، إلى «تشكيل جهة عالمية - ربما يكون مقرها في دافوس بسويسرا - تضم الأطراف المعنية المسؤولة في سوق الآثار، مثل الحكومات ودور المزاد العلني والمتاحف والتجار وشركات التأمين والموانئ الحرة وهواة جمع الآثار، توافق كلها على معيار موحد لمصادر ومبيعات الآثار، ولضمان أن تكون أي آثار من مناطق صراع نشطة وحديثة، معلومة المصدر بصورة صحيحة قبل بيعها أو نقلها أو التأمين عليها أو تخزينها أو عرضها». إن مثل هذا التنسيق الدولي لن يحمي تراث البشرية وآثار الشرق الأوسط فحسب، بل ويساهم في محاصرة تمويل الإرهاب. لقد نسي العالم الإسلامي جرائم «طالبان» الثقافية في أفغانستان، فهل تنعش كارثة «داعش» ذاكرته؟
&