وحيد عبد المجيد

يدل ما حدث في تكريت منذ بداية عملية تحريرها، وطرد مقاتلي تنظيم «داعش» منها، على أن ميليشيات «الحشد الشعبي» ليست إلا وجهاً آخر لهذا التنظيم الإرهابي، فقد اعتدت هذه الميليشيات على سكان تكريت السُنة بقسوة لا مثيل لها إلا في ممارسات «داعش»، فأحرقت منازل بعد نهبها وقتلت بعض قاطنيها بدعوى أنهم تعاونوا مع الإرهابيين!

&

غير أن هناك ثلاثة اختلافات ينبغي الانتباه إليها بين ميليشيات «الحشد»، وتنظيم «داعش»، رغم هذا التشابه بينهما في بعض الممارسات الإرهابية.

الاختلاف الأول، هو أن إرهاب ميليشيات «الحشد» يعد جزءاً من مشروع واسع تقوم هي بدور محدود فيه. أما إرهاب «داعش»، فهو محور مشروع خيالي غير قابل للاستمرار حتى إذا بدا غير ذلك في لحظة استثنائية، فالإرهاب الذي تمارسه ميليشيات «الحشد» يرتبط بالمشروع التوسعي الإيراني الذي حقق تقدماً ملموساً خلال السنوات الأخيرة.

لذلك لم يكن «يونسي»، مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات، يهذي عندما قال، خلال منتدى عن «الهوية الإيرانية» في 8 مارس الجاري، إن إيران تعيش الآن زمن استعادة الإمبراطورية، وإن بغداد صارت قلبها النابض مجدداً.

فليس هذا خيالاً من النوع الذي يعيش فيه «البغدادي» وأتباعه حين يتحدثون عن خلافة أعلنوها في ظرف استثنائي، مستثمرين غضب قطاعات من السُنة على سياسات حكومة «المالكي» الطائفية، والتي لم تختلف في عهد حكومة «العبادي» إلا على صعيد الخطاب.

والحال أنه ما أن تمكنت إيران من استغلال الفشل الأميركي في العراق، حتى ازدادت شهيتها للتمدد،

وأتاح لها تحول انتفاضة الشعب السوري إلى حرب أهلية فرصة لاستغلال تهاوي نظام بشار الأسد، فجعلت قائد فيلق المقدس، سليماني، هو الحاكم الفعلي في المناطق التي مازالت خاضعة لسيطرة النظام.

وبعد أن أوعزت لجماعة «أنصار الله» بعرقلة الترتيبات الانتقالية التي بدأت واعدة في ظل خريطة طريق واضحة بفضل المبادرة الخليجية، أصبح المجال مفتوحاً أمام هذه الجماعة للتوسع تدريجياً، إلى أن دخلت صنعاء وسيطرت على مؤسسات الدولة فيها.

فالفرق كبير، إذن، بين «إمبراطورية ولاية الفقيه» التي تسعى إيران لاستعادتها مستندةً على أساس حقيقي، والخلافة الوهمية التي يستخدمها تنظيم «داعش» لدغدغة عواطف شباب مسلوب العقل، وجذب الفئات المذعورة من ممارسات ميليشيات تلك الإمبراطورية.

وثمة فرق ثان، هو أن ميليشيات «الحشد» تستند على موارد الدولة التي تسعى لاستعادة الإمبراطورية الفارسية الساسانية، بينما يعتمد تنظيم «داعش» على ما يقتنصه من موارد الدول التي يحلم ببناء «خلافته» على أنقاضها.

فلم يكن ممكناً، من دون الدعم المالي والتسليحي والتدريبي الإيراني، أن تعبئ ميليشيات «الحشد» أكثر من 20 ألف مقاتل في معركة تكريت، بينما لم يستطع الجيش العراقي إرسال أكثر من كتيبة واحدة، أي ما لا يزيد على ثلاثة آلاف جندي.

لقد اعتمدت ميليشيات «الحشد» على عشرات الدبابات الإيرانية التي اجتازت حدود العراق، بدءاً من 4 مارس الجاري واتجهت إلى محافظة صلاح الدين، وعلى أسلحة وذخائر حملتها عشرات الطائرات من طهران إلى مطار بغداد.

أما الفرق الثالث بين إرهاب «الحشد» وإرهاب «داعش»، فهو في أسلوب كل منهما، فبينما يمارس «داعش» إرهابه على المشاع ضد كل من يختلف معه من دون تفرقة، يتركز إرهاب «الحشد» ضد السُنة تحديداً.

لذلك يبدو إرهاب «داعش» للوهلة الأولى هو الأخطر لأنه أكثر عمومية وأوسع نطاقاً، رغم أن إرهاب «الحشد» لا يقل خطراً، بل يبدو الأقرب إلى جرائم الإبادة لأن القتل فيه على الهوية، كما يختلف الإرهابان من حيث مدى انتشار المعرفة بممارساتهما.

فبينما تحرص ميليشيات «الحشد» على إخفاء جرائمها، يعلن «داعش» أولاً بأول عن جرائمه التي يُصَّورها ويبثها ويزهو بها ويستخدمها لتخويف خصومه!

ولعل هذا أحد أهم أسباب التقاعس عن إدانة إرهاب «الحشد» من جانب المجتمع الدولي الذي يتواطأ معه أحياناً على طريقة «عدو عدوي صديقي».
&