إيمان الحمود
أجمل ما في المظلة الخليجية؛ تلك المساحة من الاختلاف، والتي تضمن لكل دولة موقفا مميزا على خارطة العمل الخليجي المشترك، بالشكل الذي يثري دورها على الساحتين الإقليمية والدولية
مطلع العام الحالي زرت سلطنة عمان في إطار زيارة عمل صحفية، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها عن كثب على هذا البلد الخليجي المجهول إلى حد ما، شعب مثقف وحضارة تعود إلى آلاف السنين، ونموذج اجتماعي كالفسيفساء يضرب أجمل الأمثال في التسامح والتعايش السلمي.
هذا الجهل لا نتحمل نحن فقط مسؤوليته، بل ربما كان هو خيار السلطنة، التي آثرت منذ عقود العزلة والبعد عن الأضواء والضوضاء السياسية في الإقليم، بالشكل الذي جنب الداخل العماني تداعيات ما يحدث في المنطقة من تمزق عرقي وطائفي.
التقيت في رحلتي هذه بكثير من رجالات الدولة العمانية، بين سياسيين وإعلاميين ومثقفين وكتاب، وبعد نقاشات مطولة شملت مواضيع عدة، لمست خلافا في وجهات النظر بين العمانيين وجيرانهم في دول الجوار الخليجي حيال مختلف الأزمات التي عصفت بالمنطقة، منذ حرب العراق وإيران، ودعوني أبدا من هذا التاريخ، لأنه يشكل أول أزمة واجهت منظومة العمل الخليجي المشترك التي أبصرت النور في العام نفسه.
رفعت مسقط حينها شعار الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وحافظت على علاقة متوازنة مع النظامين العراقي والإيراني، علاقة منحت السلطنة مناعة ضد الصداع السياسي الذي تسببت به كل الأزمات التي تتابعت على هذه المنطقة حتى أزهر ربيعها وانقلب خريفا قبل أعوام عدة.
طوال تلك الفترة لم تغير عمان مواقفها، وكانت صريحة مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، فهي دولة ذات موقع استراتيجي حساس ووضع اجتماعي أكثر حساسية، وللحفاظ على هذه التركيبة، يتوجب عليها الإبقاء على خيوط التواصل مع ضفتي الخليج دون انقطاع، وهي ليست الوحيدة في هذا المسعى، فالكويت أيضا تمتلك وضعا مشابها وتسعى قدر الإمكان إلى تجنب الحساسيات الإقليمية.
ورغم أن عمان اكتفت بدور المتفرج طوال تلك السنوات، إلا أنها لم تفوت تلك الفرصة التي حملتها المتغيرات السياسية، لتلعب دور الوسيط في كثير من المناسبات، كان آخرها ملف إيران النووي واتفاق طهران التاريخي مع الغرب.
واليوم تحاول عمان الاضطلاع بدور مماثل في أزمتي سورية واليمن، وفيما تبدو الأولى معقدة إلى حد يتجاوز الدور العماني، قد تتمكن مسقط من تحقيق اختراق على الصعيد الثاني، إذا ما نجحت في إقناع الحوثيين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، والقبول بتنفيذ القرارات الأممية.
لكن موقف مسقط التي سارعت إلى استدعاء السفير السعودي مؤخرا، على خلفية قصف تعرض له بيت السفير العماني في صنعاء أثار استياء كثيرين في دول الخليج، بنفس القدر الذي استثاره الهجوم على السلطنة.
ما أودّ قوله أن أصابع اليد ليست واحدة، وأجمل ما في المظلة الخليجية، هي تلك المساحة من الاختلاف، والتي تضمن لكل دولة موقفا مميزا على خارطة العمل الخليجي المشترك، بالشكل الذي يثري دورها على الساحتين الإقليمية والدولية، ولذلك فإن السماح بمحاولات التشويه والتشكيك في مصداقية أي عضو في هذه المنظومة، ربما يفتح الطريق واسعا أمام المتربصين بآخر نموذج من نماذج التماسك والوحدة في منطقتنا العربية المنكوبة، فلا تتركوا لهم الفرصة، ولا تخسروا عمان.
&












التعليقات